الرئيسية » شؤون كوردستانية » مياه الشرق الاوسط والفلسفة التركية في الابتزاز

مياه الشرق الاوسط والفلسفة التركية في الابتزاز

اعلنت و كالات انباء عن اتفاق توصلت اليه تركيا والعراق يخص المياه والطاقة والتجارة بين البلدين ، وقد اعرب وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو عن “ثقته” بزيادة التعاون بموجب هذا الاتفاق، وزعم:

“عندما أصبح واضحاً أنهم يحتاجون إلى المياه اتخذنا اجراءات خاصة لمساعدة اصدقائنا العراقيين في الظروف الصعبة التي يواجهونها. لا مشكلة بين بلدينا في هذا الشأن ولا حاجة لترتيبات جديدة لأننا راضون بما لدينا.”
واعلنت تركيا ” انها ستزيد من كميات المياه التي تتدفق باتجاه كل من سورية والعراق عبر نهري الفرات ودجلة لكنها قالت انها تعاني مثل البلدين من ازمة مياه بسبب الجفاف”
ان وزير الخارجية التركي انما ارسل كلاما عاديا ودبلوماسيا تم تكراره عشرات المرات اثناء المفاوضات بين الجانبين منذ زمن بعيد ، وهو كلام ، ومجرد كلام ، لايمت الى الحقيقة في شيء ، ولكنه والحقيقة يقال ان الوزير التركي قد اختصر كل المشكلة والموقف التركي منها عندما اشار الى العراقيين وقال” أنهم يحتاجون إلى المياه” ، نعم ، ان تركيا تعرف ان العراق بحاجة الى المياه ، وتركيا بكل بساطة وبعيدا عن العرف والقانون الدولي انما تستغل وجود ينابيع تلك المياه في شرق الاناضول اي في المنطقة الكوردية من الاناضول (شمال كوردستان) ، تستغلها كعامل ابتزاز لتمرير مشاريعها ومؤامراتها وسياساتها الاقليمية ولتصفية بعض حساباتها ، وخصوصا في موضوع حزب العمال الكوردستاني ووجودبعض مقرات الحزب المذكور– حسب الادعاءات التركية على الحدود “الدولية” او في الجبال الكوردستانية النائية في المثلث الحدودي.

في حقيقة الامر ان مشكلة المياه بين العراق وتركيا وسوريا ليست جديدة ، و هي جزء من ازمة كبيرة في المياه في الشرق الاوسط وانها اذا لم تخضع الى التحكيم الدولي المباشر ، ربما ستشعل حربا في يوم من الايام بين دولها ، والمشكلة لا تخص تركيا والعراق وسوريا فقط بل انها تشمل اسرائيل ولبنان والاردن وحتى ايران التي بدأت بتحويل مياه بعض الروافد التي تمر عبر الاراضي العراقية ولها اهميتها الكبرى في حياة الناس والزراعة وكذلك البيئة مثل نهر الوند ، وهناك اخبار “غير مؤكدة” عن توجهات ايرانية لبناء سدود على نهر سيروان ،وكلنا نعرف كيف انها تتعامل مع مياه شط العرب كنوع من الضغط السياسي على العراق، ولابد ان نذكر ان مواسم الجفاف الاخيرة هي الاخرى قد عملت على ابراز الاثار السيئة للمشكلة على الوضع الاقتصادي العراقي بوجه عام وفي المجال الزراعي بصورة خاصة. وفي هذا المجال كان وزير الموارد المائية العراقي قد اعلن ان الاوضاع المائية في العراق سيئة للعام الثاني على التوالي وان العراق يعاني من نقص حاد في المياه حيث تراجع معدل سقوط الامطار بنسبة 40 بالمائة خلال هذه العامين.

وكان الوزير العراقي قد المح الى ان سورية لا تسمح بوصول حصة العراق وقال “تركيا تقول انها تسمح بمرور 500 متر مكعب في الثانية لكن الكميات التي تصل الى العراق اقل من ذلك”.
لكن وزير الري السوري نادر البني اوضح ان بلاده قد زادت حصة العراق من 58 بالمائة من المياه الواصلة الى سورية والمنصوص عليها في الاتفاق الثلاثي الى 69 بالمائة.
وقد تعلمت تركيا ومعها سوريا كيف انهما تلعبان لعبة القط والفار بأستعمال هذا السلاح ضد العراق في العهد البعثي البائد وذلك نتيجة للخلافات المعروفة بينهما ، واستعملتاه ضد العهد الجديد لاسباب معروفة ايضا ولعدم ارتياحهما للمبادئ التي قام عليها العراق الجديد في البناء الديمقراطي والفيدرالي. تركيا استعملت مشكلة المياه في كل الحالات كعامل ابتزاز غير اخلاقي ، لان الماء يخص حياة الانسان والحيوان ، وانه عامل اساسي في وجودهما ، وقد استعملت تركيا السلاح نفسه حتى ضد سوريا في الفترة التي كانت سوريا ملجأ لقائد العمال الكوردستاني .
وكان وزير الطاقة التركي تانر يلدز قد زعم قبل ساعات من بدء اجتماع وزراء مياه كل من العراق وتركيا وسورية في العاصمة التركية انقرة قبل فترة ان تركيا بالكاد قادرة على سد احتياجاتها من المياه والطاقة وانها غير قادرة على تلبية اي مطالب اضافية من دول الجوار لزيادة كميات المياه المتدفقة اليها.
ولكن الوزير التركي لم يشر الى السبب الحقيقي لبناء سد اتاتورك او مشروع “اناطوليا” الذي هو في الواقع يمثل اثنين وعشرين سدا يغطي مساحة واسعة من اراضي شمال كوردستان ويغرق عددا كبيرا من الحواضر الكوردية واراضيها الزراعية واثارها التاريخية ويؤثر سلبا على الوضع الديمغرافي للسكان الكورد .
وحسب المعلومات المتوفرة ان سد الياسو لوحده يمكن ان يلحق اضرارا فادحة جدا بالعراق ويفقده مساحات واسعة جدا من اراضيه الصالحة للزراعة ، وحسب تلك المعلومات ان هذا السد سيكمل العمل فيه عام 2020 ، وثمة معارضة دولية في وجه هذا السد ، وجاء في الانباء ان دولا اوروبية بينها المانيا وجدت ان ” تركيا قد خرقت الفقرات الاجتماعية والثقافية التي تضمنها الاتفاق والتي تنص على عدم المساس بالمواقع الأثرية والسكانية في المنطقة”.
ومن اجل ان يمرر الاتراك سياساتهم المائية على المجتمع العالمي ، يعممون فلسفة مفادها ان المزارع “التركي” يجب ان يحبس الماء ليروي ارضه اولا على المنبع ويطلق البقية الى الطرف الاخر الذي يعيش في اسفل النهر ، حتى انهم جسدوا مفهومهم هذا عبر اعمال فنية كي يعمقوا قناعة المواطن واي انسان اخر بفلسفتهم الطائشة ، اذ قدم مخرج تركي في عام 1964 فيلما بعنوان ” صيف جاف” ، وعلى الرغم من ان الفيلم يتحدث عن وجهتي نظر مختلفتين ، احداهما تقول بحبس الماء لتروي مزرعة المزارع الذي في اعلى النهر ثم اطلاقه ، والاخر يقول بحرية مرور الماء ليستفيد الذي في الاعلى والذي في الاسفل بحرية ، ولكن حسب رأيي المتواضع ان الهدف من الفيلم كان هو الترويج للنظرية الغريبة البعيدة عن الخلق الانساني وهو حبس الماء ثم اطلاق البقية لان الرأي القائل بحبس الماء ثم اطلاقه هو الذي فاز في نهاية الفيلم.
ان هذا النمط من الفكر الشاذ هو ما تقوم عليه تركيا اساسا في تعاملها مع مواطني الاناضول ، ففي الحديث عن الانفتاح المزعوم على الشعب الكوردي في الاناضول يعتبر رئيس الوزراء اوردوغان ان مجرد الموافقة على الحديث باللغة الكوردية لاكثر من عشرين مليون كوردي في شمال كوردستان انما هو “انفتاح” على الكورد ، يعني انه يعتبر الاعتراف بالبداهة الطبيعية التي خلقها الله “انفتاحا” ، بينما ، وفي الوقت نفسه ، قائد جندرمة الترك لا يعترف اساسا بوجود مشكلة كوردية في الاناضول ، انهم بهذه العقلية الحاقدة والمتخلفة ايضا ينظرون الى مشكلة المياه ، ويستعملونها كسلاح ابتزاز للتخلص من مشاكلهم ، ومن هنا ارادوا ان يبعثوا برسالتهم الشاذة ايضا الى العالم المتمدن عبر فيلمهم.
ان المشكلة مع تركيا لن تنتهي بالسهولة التي يعتقدها بعض ساسة العراق ، وان بعض الاطراف العراقية الحاقدة هي الاخرى على المكاسب الكوردية ، والتي تلقي في سياساتها مع التوجهات التركية ضد الشعب الكوردي ، اقول ان هذه الاطراف مهما فعلت ، ومهما حاولت ان تعد الاتراك ب(انهاء) الحزب العمال الكوردستاني والقضاء عليه ( وهذا محال فالسلطة العراقية ليست مؤهلة لضبط شوارع بغداد فكيف بضبط جبال قنديل!) ،فأن هذه الاطراف لن تحصد غير الفشل الذريع والمؤكد ، واذا كانوا يقصدون ان يقوم كورد العراق بتنفيذ مارب تركيا فهذا ايضا محال ، لانه من المستحيل ان يستطيعوا تجنيد كوردي واحد في العراق للقيام بتلك المهمة التي يعتبرها الكورد كلهم مهمة خيانية لا غير، كما ان الضغط التركي والاحلام التركية في الابتزاز لن تنتهي عند حدود مسألة العمال الكوردستاني ، بل ان الامر سيتطور الى حدود ابعد ، كما اشارت اليها دراسات وتقارير صحفية سابقة ، ومنها ربما الضغط للحصول على نسبة من النفط المستخرج في العراق.
ان الحل الوحيد للازمة وقبل ان تستفحل بين دول الشرق الاوسط ربما يندرج في خطوتين اساسيتين:
اولهما : بناء ستراتيجية مائية في العراق وفي كوردستان ، تتضمن بناء اكبر عدد من خزانات المياه ورصد اموال كافية لها ودون ابطاء.
وثانيهما: التدخل الدولي الحاسم لوقف المشاريع التركية على نهري دجلة والفرات ، وفق القانون الدولي العام ، واعتبار مياه دجلة والفرات وروافدهما ملكا لكل الدول الواقعة على ضفاهما ، هذا هو الحل ولا بديل.