الرئيسية » شؤون كوردستانية » استراتيجية الفكر القومي الكوردي (3 )

استراتيجية الفكر القومي الكوردي (3 )

“مقومات الوجود القومي للكورد”
إن مقومات الوجود القومي لأي أمة هي مسوغات فكرها, ومنطلق أساسي للبحث عن الهوية والانتماء , ولا يمكن لأمة أن تجد شخصيتها وتميزها وخصائص وجودها ما لم تجد مبررات ذلك في واقع حي يتحرك في الأرض , وعلى مساحة جغرافية منظورة – مهما صغر أو كبر حجمها, واتسعت هذه المساحة أو انحسرت وتضاءلت – كما لا يمكن أن يتحقق هذا الانتماء, ما لم تتعمق جذرا في التاريخ , فتستمد من تربته نسغا صالحا , لتهتز وتربو , وتورق شجرة حياتها , فتؤتي ثمرات مختلفا ألوانها وطعومها وأشكالها.., ولا بد لها من منطوق تتفاهم به ومقروء تأنس إليه , من رموز التفاهم والتخاطب والتواصل , وقيم جمالية وفنية رفيعة تنقلها هذه الأصوات الحية وتودعها في أعماق حناياها , وهي تعبر عن مباهجها ومسراتها , وأحزانها وأتراحها , ومثلها وقيمها و, ومواضعاتها وتقاليد إرثها , وعشقها وهيامها بالجمال , وحلها وترحالها , وعاء زاخرا , وصحائف تخلد تفاعلها مع الحياة , ورحلتها الحية في تاريخ ثقافتها , وموطئ أقدامها في جوانب ومناح , وآفاق ورؤى , وفكر وفن وتراث شعبي جامع, وإرث في المثل والحكمة وتجربة تاريخية تنبض بالحياة وتفيض بالأمل , وتشرق بكنز إنساني يثرى بالمقاربة والمقارنة والتجاور والتحاور , وتداخل الإرث الإنساني المشترك .
كما لا مندوحة من توافر حد معين من رؤى وتصورات, وأساطير وأحلام, ومذاهب وتجارب واتجاهات, وحواضن اجتماعية وأخلاقية وقيمية جامعة , وطرائق تقليدية في ممارسة حياتية تخص هذه المجموعة البشرية المتجانسة , لتهبها صفة المقوم الوجودي , والعيش المشترك, والإرادة المشتركة, والنزعات والرغبات , والتوجه الخاص لبناء معالم وجودها ورسم آفاق طموحها , وتحديد تطلعات أبنائها , ورفع حس مؤتلف , يتمحور حول إطار واضح المعالم, مرسومة خطواته , دقيقة سماته , متأصل الجذر والانتماء .
وأمام هذا التصور في المجتمع الإنساني وعلاقاته وتوجهه ورؤاه , وهو يتجسد على أرض الواقع , ويتحرك في حيز جغرافي واضح , ويتعمق في الزمن والرؤى والتصورات , يظل السؤال الملح بارزا , ما حظ الأمة الكوردية من كل ذلك ؟! , وما مدى انطباق هذا السياق على واقعها ؟! , وما حظها من ذلك كله ؟! وهي تتحدى كل عوامل وأسباب السحق والاضطهاد , ومحاولات التذويب والإبادة والفناء ؟؟!, أسئلة مشروعة تطالبنا بالإجابة , بل تلح علينا في وقت باتت القضية الكوردية من أهم وأكبر القضايا في شرق أوسط , لا يزال يعيش حالة من القلق والترقب وعدم الاستقرار !! , هذه القضية التي تخص ما ينوف على أربعين مليونا مزقوا في كيانات ورقع جغرافية, وسياسات متباينة ,ولكنها تكاد تتفق في التجاهل والتنكربدرجة أو بأخرى – على الرغم من بعض التباينات في التطورات الأخيرة , ومع اهتزاز وحلحلة كثير من التصورات والمفاهيم – , ليأتي الجواب حاسما , ومن خلال وقائع حية , وواقع عياني متحرك , ولغة واضحة الدلالة , ومن خلال الرقم والآثار الشاخصة , والتي لم نبذل كثير من الجهد لإبرازها , وإضاءة ملامحها , وقوتها البالغة في التعبير عن نفسها من خلال الدراسات والتنقيبات الأثرية العظيمة التي كشفت عن تجذر عميق لوجود كوردي راسخ , يمتد آلاف السنين وعلى امتداد عمقه الجغرافي , بل في نطاق أوسع بكثير , حيث تجاوز طبرستان وخراسان ومناطق واسعة من القوقاز الجنوبي , مما تم درسه وتعقبه وتدوينه في حلقات متواصلة , لا تزال في تواصلها وتتابعها الموثق والمنهجي, وبتدوين مدروس بعناية من كبار المؤرخين والأثريين والعلماء , في تمازج تاريخي بين العرقين الآري والهندو- أوربي , امتد لأحقاب تاريخية شكلت قبائل زاغروس وطوروس العريقة, في نطاق لغوي جمع بين لهجات الهورامان والكلهور والكوران والظاظان والصوران والبهدينان , فيما ائتلف في الصيغة النهائية للغة قومية جامعة , تجاوزت كل أسباب الفناء , ووقفت حية بثقافتها وآدابها وفنونها , وحكمتها ومثلها , ى حيث“ dirok u efsan u c Irok u sepehati “ ووأيامها ووقائعها ومآثرها وبطولاتها , وأساطيرها وأحلامها , تشمخ بوجود لم يعد بالإمكان تجاهله أو حتى مجرد النيل منه, بعد أن خاضت إلى وجودها وكيانها وتميزها حروبا وانتفاضات وقدمت قرابين هائلة , وتضحيات كبرى , أوصلت صوتها إلى العالم , وطرقت سمع الزمان بقوة واقتدار , وفي صلابة وإصرار على الحق منقطعي النظير , مما أفلس كل ترهات ومنكرات الإباحية الفكرية – إن صح التعبير – في استباحة كرامة هذه الأمة ووجودها الراسخ والمتجذر على أرضها التاريخية , في يقظة ووعي وإدراك عميق لعوامل الزمن وتطورات القضية , وتفنيد لكل المزاعم , وفضح لكل المؤامرات, ودخول إلى المنابر والمحافل الدولية , ولقاء كبار صانعي السياسة العالمية ورجالاتها والمؤثرين في قضايا المنطقة , مع بروز ووضوح حق الحياة والوجود المشروع , وفق المعايير والمواثيق الدولية , وما ائتلف عليه العالم المتمدن في معاهداته الموقع عليها , والقيم والمقاييس الإنسانية والعلاقات بين الشعوب التي أرستها شرعة السماء , وأقرتها الدساتير والقوانين الوضعية , مما لم ثمة مجال لمماحكات فارغة واتهامات غير مسندة , وغير ذات قيمة علمية أو حياتية تدغم هذا اللغط وذلك اللغو البدائي في الرفض والإقصاء والتنكر , وكل محاولات النيل من الوجود الحياتي والمقوم القومي الراسخ , مع ما لهذا المقوم من بعد إنساني رفيع , ورؤية جامعة , بعيدة عن التعصب والتشنج وردات الفعل على التنكر والتمييز , وحملات السحق ومحاولات الاستئصال والمحو.
إن المقومات القومية والوجودية الراسخة لهذه الأمة , وما يعينها من الإقبال على الحياة بإرادة مشتركة , ورغبة جامحة في البقاء والامتداد والتحضر والعيش المشترك , والتوق إلى السلام ورغد العيش , ومشاركة الآخرين في صنع مستقبل البشرية وحفظ وحماية تراثها , ومنجزاتها العلمية والمعرفية , وتعزيز الحوار وتعميق اللقاء الفكري والحضاري , ومواجهة أخطار البيئة والسكان وتحديات التنمية , من المقومات الكامنة والظاهرة للوجود القومي الكوردي , والذي لا يتعارض مع وجود الآخرين وثقافاتهم وتواصلهم وهموم المنطقة المشتركة , وآفاق التصور الإنساني وقيمه وتطلعاته, ليبقى التساؤل مشروعا , هل أدرك الآخرون حاجتهم إلى فهم وإدراك ذلك كله , أم أن هناك من ينفخ في الرماد أو من يصيح في واد , كمن يبغي أن يسكب ماء في غربال , ليحسب السراب ماء , وهو يغذ السير في ظمأ الهجير ورمضائه ؟؟!! , ليتعلق الأمل بالعقلاء والمنصفين وأولي الألباب من يعتزون بوجود هذه الأمة ويسعون إلى أجمل الروابط والعلائق مع هذا الوجود الحي والقوي ! .