الرئيسية » مقالات » اليمن: تاريخ قادة ولا عزاء للجماعات

اليمن: تاريخ قادة ولا عزاء للجماعات

تصلح صعدة نموذجا لتاريخ القادة فلم يكن ثمة حديث أو حتى نية لإصلاحات سياسية وديمقراطية واجتماعية لتحقيق السلام لصعدة، ولعموم البلد، وكعادة تاريخية يمنية؛ فإن ما حدث بين الجولات السابقة من هذه الحرب، وما سيحدث لاحقا ليس سلاماً، وإنما اتفاق طرفي الحرب، أو بالأصح قيادتي الطرفين من أجل هدنة لا تستمر طويلاً، يبدأ بعدها فصل جديد من فصول رواية صعدة التي لا تريد أن تنتهي وإن كانت تستريح من أجل مصالح الطرفين.

ليس ببعيد عنا الثلث الأخير من العام 2006 الذي انتهى فيه الفصل الثالث من تلك الرواية الكئيبة، ليبدأ الفصل الرابع منها بعد تلك الانتخابات بأربعة أشهر لا أكثر، والمضحك المبكي في الأمر أن ثمة من يؤكد وسيؤكد أن الحوثيين ذهبوا في العشرين من سبتمبر 2006م للتصويت لرئيس البلاد الحالي، قائد القوات المسلحة التي خاضت الحرب في صعدة، وكان أولئك الحوثيون خصومها.

المؤسف في كل هذا أن حقيقة جلية تكشف عن نفسها دائما، وتخبر الجميع أن التاريخ في هذا البلد ليس تاريخا شعبيا، ولا هو بالجماعي، أي ليس تاريخ بلد، لأن الجماعات التي أنهكتها الصراعات، وهشمت مستقبلها الحروب، لا شأن لها إلا المشاركة في القتال والصراع، ومن ثم جني المآسي والخسارات، فيما يربح القادة وصانعو الصراعات كل شيء، سواء عبر الانتصار، أو من خلال المصالحات التي تكون دائما بين قادة الجماعات الذين يتفقون على استحلال دماء تابعيهم أولا، ثم تقاسم الكعكعة التي اتفقوا من أجلها دون أولئك الضحايا التابعين.

منذ صيف العام 2004م وحتى اليوم لا يزال غامضاً عدد قتلى هذه الحرب، وما تزال السلطات تتكتم عن العدد الحقيقي لإجمالي القتلى والضحايا والخسائر عموماً، وهو نفس ما يفعله الحوثيون، ما يعني بالضرورة عدم النية في تعويض الضحايا وذويهم، الذي يؤدي بالضرورة أيضاً إلى إبقاء الأحقاد كامنة في الصدور، مهيأة لإنتاج دورات صراع قادمة لا تحقق العدالة لأحد، ولا تنصف مظلوماً، أو تواسي مكلوماً.

إن عملية إنهاء حالة الصراع تتطلب دائماً إعادة البناء الاجتماعي، وتحقيق العدالة التوزيعية في كافة جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية، وصناعة وعي شامل بحقوق الإنسان والمواطنة والحريات وحركة تنقلات الأفراد والجماعات وحرياتهم الشخصية والجمعية وقناعاتهم الفكرية، ومساهمة كافة الفئات والطوائف والأجيال والأنواع في مشاريع التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وحينها فقط يمكن الحديث عن قيام ثقافة سلام بديلة لثقافة الحرب، أما مفردات الاستئصال والاقتلاع والنصر ودك المعاقل، فلن تثبت إلا الفشل أكثر وأكثر.

إلغاء الانقسامات الداخلية، وإيجاد وحدة حقيقية من خلال مشاريع التنمية ونشر ثقافة وطنية وعلمانية تتجاوز الانتماءات القبلية والدينية أو تلغيها، هو ما يؤدي بالضرورة إلى إصلاحات قضائية وقانونية تكفل تحقيق المواطنة الخالية من التمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو الطائفة أو الدين، في حين يثبت سوى ذلك أن إنتاج الأزمات والصراعات أسهل ما تستطيعه شبه الدولة الفاشلة التي فقدت هيبتها وستفقدها باستمرار اليوم في صعدة، ونخاف أن نسمع مثل ذلك غداً في أبين مثلاً.

يبقى دائماً في خروج بلد ما من الحرب ما يعني بالضرورة احتمال دخوله في حرب أخرى مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالحرب السابقة؛ ما لم يتم بتر أسباب هذه الحروب وتحقيق سلام قائم. على ثقة تامة بنتائج الإصلاحات السياسية والاجتماعية التي تم بها إنهاء الصراعات، بتحديد أسبابها وإيجاد بدائلها المنصفة للفئات والطوائف المختلفة داخل المجتمعات المحلية كخطة مثلى لتحقيق العدالة؛ ذلك أن العدالة لا يمكن تحققها بغير إنهاء أسباب الحروب المرتكزة بشكل أساسي في الظلم الاجتماعي الناتج عن سوء التوزيع، واستغلال الموارد الاقتصادية، والهبات الدولية لصالح الجهات والعشائر التي تحسب رموز الأنظمة السياسية عليها.

لم تحدث تلك العدالة في الجنوب، والنتيجة جهود حثيثة لإعادة دولته السابقة التي أنجزت هوية يتهمها كثيرون بجميع الموبقات، إلا أنها أكدت أنها الأفضل من بين تجارب كثيرة في شبه الجزيرة وخصوصاً جنوبها ثقافياً على الأقل، ومن أجل ذلك يجري تخريبها حتى النخاع، واستهداف الحركة الشعبية المطالبة بالعودة إليها لنسفها من الداخل وسلبها طابعها السلمي، إذاً من البديهي أن غياب العدالة في منطقة بلا هوية مدنية أن ينتج مقدمات هوية تتخذ العنف وسيلة للتعبير، وتنتج ثقافة موت تستهدف ليس أبناء البلد فحسب، بل أعداءً وهميين خلف البحار والقارات.


Waddah 803 @hotmail.com  
الاشتراكي نت