الرئيسية » مقالات » تهمة الاستقواء بالخارج..بين النظام و الشعب

تهمة الاستقواء بالخارج..بين النظام و الشعب

بالتزام لافت بثوابت وبروتوكولات الحكم العربي..استطاع النظام الحاكم في اليمن ان يواجه اي مبادرة سلمية تدعو لايجاد شكل من اشكال الحوار بين مؤسسة الحكم والمعارضة..او اي مطالبات بالاصلاح السياسي او التنمية الاقتصادية او المجتمعية..وان يرد على اي من الوساطات الخارجية التي تدعو لحقن دماء اليمنيين..باتهام جاهز ومقنن ومغلف بعناية ومحفوظ في اقرب ادراج الحاكم الى يده..الا وهو الاتهام الذي يمكن تأطيره بعنوان عريض ومجرب الا وهوالعمالة والاعتماد على الدعم الخارجي..

ومن الممكن ايضا ملاحظة ان هذه الاتهامات تعامل فور صدورها كمسلمات تستجلب البراءة للنظام من كل ما يمكن ان يعد كجرائم ضد الانسانية..وتحقق التغطية المطلوبة لممارساته القمعية..والتمييع الكفيل بقلب الحقائق على الارض ..والتبرير الذي يتيح له التنصل من جميع التزاماته تجاه المواطن وواجباته الملزمة قانونيا ودستوريا..

وتتجلى مركزية هذا التوجه واعتماده كخيار ستراتيجي من خلال استثمار الحكم اليمني كل المتغيرات والمستجدات لتسويق هذا الاتهام وتكريسه وخصوصا عبر الرد الصلف على بعض المطالبات الصادرة من قوى المعارضة والداعية الى بعض الاصلاحات التي تمثل الحد الادنى من حقوق المواطنة الاصيلة المتمثلة بالحرية والعدل والمساواة..او عن طريق التلقف التشهيري للوساطات الخارجية مثل المبادرة التصالحية غير الموفقة للتيار الصدري..وكذلك من خلال اختلاق مبادرات تهدئة وهمية واعلان اسقاطها من قبل المعارضة استجابة لتدخلات خارجية مفترضة..

ولأن موضوع العمالة والاعتماد على الخارج، هو من الامور التي اجترت سياسيا حد الابتذال..ولكونها من الامور التي تخضع لاعتبارات قانونية ودستورية وتدخل تحت عباءة العديد من النصوص والمشترعات التي تحدد الشكل الجرمي لمثل هذه العلائق المشبوهة..لذا فان المراقب المتابع لسجل الحكم اليمني ومواقفه وممارساته .. لن يجد صعوبة في تلمس مدى اتكاء هذه السلطة على استعداء الخارج على الشعب اليمني المنكوب لتحقيق اهدافها المتمثلة بالتمسك بالسلطة والتاسيس لنظام تداول معتمد على التوريث.. واعتماد هذه السياسة كعقيدة تستهدف التمويه على اولويات المواطن واهتماماته..واشغاله عن التدابير القائمة على قدم وساق لتحصين السلطة والنظام على حساب الشعب.. ذلك الشعب الذي يعده النظام خيار متاخر وساقط من حسابات استجلاب الدعم والاسناد الخارجي..

فالرئيس علي عبد الله صالح بحد ذاته هو خيار خارجي لاحدى الدول المجاورة ذات الايادي البيضاء – وكذلك الحمراء – على مشايخ اليمن الشمالي..وقد فرض فرضا من قبل مسؤول كبير في تلك الدولة حتى ان الشيخ عبد الله الأحمر الذي كان مستغربا جدا حينها أن يكون علي صالح -والذي عبر عنه براس أصبعه الخنصر- مرشحا كرئيس لليمن.. عبر عن ذلك بوضوح في مذكراته..

ولو استرجعنا بعض المحطات والمنعطفات المفصلية في حياة النظام لوجدناها سلسلة من الاعتماد التام على الخارج لتسويق وادارة مشاكله الداخلية واستدرار الدعم المالي والعسكري.. فمن استنبات القاعدة في ارض اليمن ورعايتها وتنميتها.. والتهاون معها لدرجة تهريب عناصرها من سجون المخابرات اليمنية وارسالهم الى العراق ..الى استثمار هذا التواجد للحصول على دعم مالي وعسكري من الغرب، بحجة انضمامه الى التحالف ضد الارهاب ..

وكذلك حملة اثارة الاستعداء الخارجي تجاه المواطنين اليمنيين في صعدة من خلال الترويج الملح لعلاقات عسكرية مفترضة بين الحوثيون وايران كاستثمار وضيع للذعر الخليجي من تواجد ايراني مفترض داخل اليمن واظهار نفسه ونظامه على انه حارس البوابة الجنوبية للامة ضد التغلغل الاجنبي المدنس لطهارة ونقاء العنصر العربي الاصيل..

ومن المفيد التذكير بانه حاول ان يسوق نفس الحجة في صراعه مع الحراك الجنوبي ولكن ضخامة التضليل هنا كان عصيا على الاستيعاب من قبل الدول المتواطئة معه..

ومن سياساته في الاستقواء على الشعب ايضا الاعتماد على الفلول الهاربة من البعث العراقي من العسكريين واستخدامهم في تنفيذ عمليات القصف الجوي والتخطيط لعمليات الابادة الجماعية التي تستهدف المواطنين اليمنيين في الشمال المنكوب..وان كنا لا نستبعد ان يستخدمهم النظام يوما ما كورقة مساومة مع الولايات المتحدة او الحكومة العراقية استمطارا للمساعدات والدعم المادي والعسكري..

لذا فمن النفاق السياسي المخزي ان تتبنى المنظومة العربية طروحات هذا النظام حين تدمغ وتوصم بالتخوين والعمالة القوى المعارضة للنظام . بالرغم من ان هذا النظام هو من يعتمد على الخارج للحصول على الأسلحة والمال والدعم السياسي وكل أسباب القوة التي تمكنه من اطالة البقاء في التسلّط على رقاب العباد..

وهل من الانصاف اختزال الوطن –اي وطن – بمجموعة من الاشخاص الذين استباحوا السلطة بقوة السلاح او بانتخابات مزيفة على احسن الاحوال ..معتمدين على عسكرة منظمة ومفرطة للمجتمع وعلى اختلاق الازمات كضامن لاستمرارهم وذريتهم بالحكم ..ونعت من يطالبوهم ببعض الحقوق او المشاركة في الحكم والثروة بالعمالة والاستقواء بالخارج والخيانة..ويباركون ضربهم بالقوة المعدة لمواجهة الجيوش الاجنبية..

واليس من الخيانة ان يتحول الجيش الذي كلف الناس رغيف خبزهم وتنمية بيئتهم الى جلاد يلهب بسوطه ظهور المنادين بالحرية والعدالة والمساواة..

واليس من العمالة ان يتجاهل النظام كل الرؤى والحلول السياسية الهادفة لتشخيص مكامن الازمة واستنباط الحلول لها ..والاستمرار بالطريقة الكارثية التي تدار بها الامور الان ارضاءً لاطراف اقليمية داعمة لخيار الحسم العسكري ضد الحركات المعارضة..

ان الخيانة هي في تركيع الوطن واذلال مواطنيه..وهي تتجلى في النهب المنظم لمقدرات وثروات الشعب من قبل المؤتمنين عليها ..والعمالة هي في رهن الاستقلال الوطني وتطويق القرار الشعبي استجلابا لرضا قوى الخارج الداعم للتأبد بالسلطة والتوريث للابناء..هذا الخارج الذي ندمغ المعارضة بالتآمر من خلال علاقات مفترضة معه..