الرئيسية » مقالات » على ضفاف شط العرب -ذات الصواري الثانية

على ضفاف شط العرب -ذات الصواري الثانية

اعتدنا منذ زمن بعيد على ترقيم الحروب والمعارك المتكررة لأسباب مرتبطة بالظروف والحيثيات التي أدت إلى إعادة اشتعال فتيل النزاعات, وتجدد تفجير الصراعات, واندلاعها في قوالب وأنماط تعبوية متماثلة, وفي توقيتات زمنية متشابهة. فالمشاهد الحربية تنبعث أحيانا من جديد في مكان آخر بنسخة ثانية, وثالثة, ورابعة وهلم جرا. وشاءت الأقدار أن نكون من ضحايا الحرب العالمية الأولى, التي مزقت نسيج امتنا العربية والإسلامية, ثم تلطخت صفحات التاريخ بآثار النسخة الثانية للحرب العالمية, التي استباحت البحار والمحيطات, ونهبت الثروات, وتغيرت على أثرها الحدود السياسية, وتدور الأحاديث هذه الأيام حول احتمال قيام الحرب العالمية الثالثة, والتي ما انفكت تروج لها المعابد الكهنوتية الأمريكية, وتطلق عليها اصطلاح (الهرمجدون), للتعبير عن المنازلة الخرافية المزعومة. التي خطط لها أعداء الإسلام, وسفهاء البنتاجون منذ زمن بعيد. واستعدوا لخوض غمارها في فلسطين. ويعدونها من المعارك الحتمية الفاصلة. ولا نريد أن نتعمق في تاريخ الحروب وأهدافها وظروفها, ولسنا بحاجة إلى قراءة درجات حرارتها سواء أكانت من الحروب الساخنة ببراكينها المستعرة بالكوارث, أو من الحروب القطبية الباردة, فليس هذا مربط زورقنا.

فقد كنت, قبل أيام على ظهر سفينة تشق طريقها في مياه شط العرب في رحلة داخلية من البحر إلى المعقل, وكنت مكلفا بإرشادها وتوجيهها في مسالك وممرات الشط, وكانت تواصل سيرها بين مواقع أشرس الاشتباكات الحربية, وأشدها عنفا وفتكا وتدميرا. فعصفت بذاكرتي صور تلك الاشتباكات, ومتوالياتها الرقمية. هنا وقعت معارك الفاو الأولى والثانية, وهناك اندلعت معارك أم الرصاص الأولى والثانية والثالثة. والمسلسل الطويل لمعارك نهر جاسم , وما أدراك ما نهر جاسم ؟. وطارت بروحي الذكريات في الفضاءات المشؤومة, الملبدة بسحب الموت والبارود. ثم استيقظت على قعقعة صواري سفن الصيد العراقية الخاوية, التي جار عليها الزمان, فانزوت بين ثنايا شط العرب, وتكدست في الأماكن المهجورة, على شكل حزم من الصواري الكئيبة, واشتركت الصواري المتشحة بالحزن في هذه اللقطات المأساوية, لتعيد إلى الأذهان مقاطع مبعثرة من برنامج (صور من المعركة), فصيادو الأسماك ضحايا من نوع آخر لهجمات عنيفة قاسية.

كنت أتباحث مع زملائي في البحر عن الاسم الذي يفترض أن نطلقه على الإجراءات التعسفية, التي أجبرت سفن الصيد العراقية على مغادرة البحر؟. ومنعتها من مزاولة مهنتها الموروثة عن الأجداد ؟. فلم أجد غير معركة (ذات الصواري) التي خاضها الأسطول العربي في البحر الأبيض المتوسط, بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح, ويسر بن أرطأة, وكان أسطول الروم بقيادة (قسطنطين بن هرقل). وتلخصت خطة عبد الله بربط السفن الإسلامية بالسفن البيزنطية, واتخذ منها ميادين للقتال المباشر, وجها لوجه, وحقق المسلمون أول انتصار بحري على الروم, وكان نصرهم المؤزر مظهرا من مظاهر تفوق العقيدة الصحيحة على الخبرة العسكرية والتفوق في العدد والعُدَد، وأصبح البحر المتوسط بحيرة إسلامية، وصار الأسطول الإسلامي سيده.

وسميت المعركة باسم (ذات الصواري) لكثرة صواري السفن المتشابكة. لكننا اليوم نرى تجمعات أخرى لمئات السفن العراقية المتشابكة الصواري, والتي رُبطت مع بعضها البعض بالحبال والأسلاك في أماكن متفرقة من شط العرب, وهجرتها طواقمها, وعشش فيها البوم, صورة مأساوية لمعركة ذات الصواري بنسختها الثانية, لكنها نسخة خاسرة هذه المرة, لأنها فرطت بميادين الصيد المشروع, وأغلقت أبواب الرزق الحلال بوجه الناس, وحرمتهم من مزاولة مهنتهم. ففي الوقت الذي تقف فيه الدول الخليجية بقوة وصلابة مع أبنائها, ولا تسمح بالإضرار بمصالحهم, أو تهديد رزقهم, أو فقدانه بسبب المنافسة الشرسة, أو التصرفات غير المسئولة من الدخلاء على هذه المهنة, وترفض أية ممارسات, أو خروق تهدد ديمومة الثروة السمكية, أو تؤثر على سلامة البيئة البحرية، وتواصل دعمها لقطاع الثروة السمكية, والحفاظ على مخزونها الاستراتيجي من الأسماك والثروة البحرية, وتسعى للنهوض بأوضاع العاملين في قطاع صيد الأسماك والثروة البحرية, والنهوض بأوضاع العاملين في سفن الصيد. وفي الوقت الذي تسعى فيه الدول الخليجية نحو دفع سفنها إلى الآفاق البحرية المفتوحة, وتشجعها على مزاولة نشاطات الصيد البحري بكل الوسائل المتاحة. وفي الوقت الذي تجتهد فيه الدول المجاورة بإصدار التشريعات الرامية إلى دعم وإسناد مهنة الصيد البحري. نجد إن سفن الصيد العراقية تمر بأتعس أيامها, وتتلقى الضربات الموجعة, وتفتقد إلى الحد الأدنى من الرعاية والعناية, ما اضطرها للانسحاب من ميادين الصيد والتقوقع في جداول وتفرعات شط العرب. ورفعت راية الاستسلام في معركة ذات الصواري الثانية. وشتان بين هذه وتلك.