الرئيسية » مقالات » بيان البرلمان الثقافي العراقي في المهجر بشأن حرية البحث الأكاديمي في الجامعة العراقية

بيان البرلمان الثقافي العراقي في المهجر بشأن حرية البحث الأكاديمي في الجامعة العراقية

عادت قضية حرية البحث العلمي واستقلالية الجامعة العراقية بقوة في ضوء الاستعدادات الجارية في قسم اللغة العربية بكلية التربية جامعة تكريت، لإصدار قرار يرفض بموجبه خطة الباحثة خديجة محمد لأطروحتها التي تنوي دراسة نصوص الشاعر حسب الشيخ جعفر. وقد بررت تصريحات عميد الكلية وعدد من أساتذة القسم هذا القرار بأنه يعود إلى مبدأ رفض “دراسة الأحياء ونصوصهم” فيما تؤكد الوقائع والسجالات التي جرت أن القرار يتأسس على موقف سياسي فكري يقوم على كون الشاعر المنوي دراسة نصوصه ينحدر من طائفة بعينها ويلتزم فكرا يساريا ويمجد الحياة واللذة الدنيوية على وفق تعبير المشرف على الطالبة في مشروعها البحثي…

إنّ البرلمان الثقافي العراقي في المهجر إذ يعبر عن استنكاره وشجبه لهذه الممارسات المنافية لقيم التمدن وللمشروع النهضوي الوطني والإنساني، ليؤكد أن إدانة هذا القرار تظل مسؤولية المثقفين العراقيين أينما كانوا وهي إدانة ترتـِّب مسؤولية كبيرة على الأكاديمي العراقي ومن ذلك:

1. مسؤولية نهوضه بمهمة تنقية اللوائح والقوانين من ترسبات زمن الطغيان والمصادرة.. وتعديل قوانين التعليم العالي على وفق مراجعة شاملة ناضجة لها وبناءَ َ على خطاب التحديث والتطور الجاري عالميا..

2. ومسؤولية عمله من أجل توفير الضمانات لكفالة استقلالية الجامعة وقرار مؤسساتها وأقسامها العلمية.. وكذلك توفير الضمانات الكفيلة بحرية الأكاديمي العراقي وحقوقه في عمله وأداء واجباته وتلك الكفيلة بحرية البحث العلمي من أية ضغوط خارج آليات الجهد الأكاديمي.

لقد تسببت لغة القمع السياسي دائما في تهجير مبدعينا وأكاديميينا ونفيهم إلى مهاجر قصية، وكانت سببا خطيرا في التراجعات المأساوية والانحدار الكارثي في مستويات التعليم والبحث العلمي وفي المنتج الثقافي الإبداعي في داخل الوطن.. وهي إذ تعود اليوم نتيجة تلك الترسبات واستغلال الخطاب الطائفي المتخلف، فإنّها تعود ومعها كل آلام ذلك الماضي وكوارثه من جهة تكرار القمع الفكري ومصادرة الحريات العامة ومنها حرية البحث العلمي وحقوقه في استثمار آلياته الصحية الصحيحة في العمل من أجل مشروعات إنسانية غنية بطبيعتها وجوهرها…

وسيكون لصمتنا اليوم أو تكاسلنا عن التصدي الحازم، تمريرا لمشروع التخلف وقمع خطاب الثقافة التنويري، خطاب الجامعة ورصانته العلمية وموضوعيته.. كما سيؤدي، في ظروف تغييب جل العلماء والأساتذة أصحاب الخبرات والروح الأكاديمي الرصين، إلى تعزيز سلطة القوى المحافظة ونهجها في الاستلاب والقهر وحظر كل جهد عقلي إنساني متحرر بخاصة والجامعة تمثل العقل الجمعي للمجتمع…

ونحن في وقت نقبل الاختلاف ونؤمن بالتنوع وندافع عن حق التغاير والتعددية؛ لا يمكننا إلا أن نقف بقوة ضد أية حال من المصادرة والحظر كما جرى ويجري اليوم في بعض أروقة الجامعة العراقية.. ومثال جامعة تكريت ليس سوى النموذج الأبسط للوقائع الجارية..

نطالب نحن أعضاء البرلمان الثقافي العراقي في المهجر متضامنين مع أصوات زميلاتنا وزملائنا في اتحاد الكتاب والأدباء بتحديث قوانين التعليم العالي والجامعة العراقية وتطوير اللوائح وحماية حقوق الباحثين وحرياتهم وتوفير الأجواء المناسبة لحريات الجميع في البحث العلمي الرصين غير المقموع بتوجيهات أو وصايات خارج أكاديمية… وذلكم لن يتوافر باستمرار استباحة الحرم الجامعي من قوى طائفية مسلحة ولا بسطوة عناصر طالبية تتبع لهذه القوى العنفية التي تستبيح الجامعة وتضعها في خدمة توجهاتها الخاصة..

نحن ندين عسكرة التنظيمات الطالبية وجعلها أدوات قمعية في أيدي جهات حزبية طائفية، كما نرفض حال تجيير مؤسسات التعليم العالي وأنشطتها لأمور طقوسية لا علاقة لها بثقافة صحية مؤملة في الحياة الجامعية الجديدة.. وفي إطار حماية الجامعة العراقية نطالب هنا بحماية حقوق الطلبة والأساتذة في تشكيل تنظيماتهم المهنية ديموقراطيا بعيدا عن التأثيرات والتدخلات غير السوية.. كما نطالب وزارة التعليم العالي بعقد مؤتمر مفتوح لمراجعة شاملة لمسيرة الجامعة وعوامل تطويرها وتحديثها وحمايتها ومنع التدخلات السياسية الحزبية في أنشطتها وأعمالها العلمية المحضة..

ومن جهتنا نقترح البدء بحملة وطنية لحماية العقل العراقي والمؤسسة الجامعية وتحديثها تشترك فيها جميع القوى التنويرية وفي ذات الوقت نثق بأن خطاب الثقافة والمثقفين العراقيين والأكاديميين سيسمو مترفعا على التداعيات المرضية ويقدم البديل الأنضج الذي يأبى الوقوع في فخ الخطاب الطائفي وآلياته ومستهدفاته ويبتعد عن فردنة الأمور وشخصنتها ويدخل في صميم ما هو جمعي مؤسساتي… وسنكون سويا مع كل خطوة إيجابية ومع كل زميلة وزميل دعما للجهد الأمين في التخلص من براثن الإيقاعِ بين الأكاديميين أو جذبهم لصراعات مضرة بهم ومعرقلة لمسيرة التحديث والتطور في جهودهم..



أ.د. تيسير الآلوسي

رئيس البرلمان الثقافي العراقي في المهجر

رئيس لجنة الأكاديميين العراقيين في المهجر

لاهاي هولندا 15 أيلول سبتمبر 2009