الرئيسية » مقالات » سفينة يقودها أكثر من ربّان !

سفينة يقودها أكثر من ربّان !









كان العراق طوال القرن العشرين ، سفينة قوية يقودها ربّان واحد .. بيده صنع القرار سواء كان مدنيا أيام الحكم الملكي ، أو عسكريا أيام الحكم الجمهوري ، أو حزبيا أيام حكم البعث .. وسواء كان الربّان رجلا حكيما ، أم رئيسا أهوجا ، أم زعيما أوحدا ، أم دكتاتورا مخيفا ، فهو سيد العراق بلا منازع ، وسواء استمع إلى ممثلي شعب ، أو رؤساء عشائر أو زعماء أحزاب ، أو ممثلي جبهة وطنية ، أو أعضاء مجلس حاكم .. أو ركب القيادة لوحده ولم يستمع إلى احد ، فهو المسؤول عن كل ما كان يحدث في العراق .. هو صاحب القرار الأول والأخير ، وسواء تظاهر المعارضون في الشوارع أو كتبوا في الجرائد ، أو صرحوا في إذاعات الخارج ، أو عقدوا مؤتمراتهم ، أو تداولوا نكاتهم ، أو تآمروا بانقلاباتهم .. فان العراق ، دوما ما يقوده ربّان واحد صالحا كان أم طالحا .. حليما كان أم مجنونا .. ديمقراطيا كان دكتاتورا . كان للقرارات صانع واحد ، وللأوامر مصدر واحد ، وللتعليمات مرجع واحد .. وعندما يصدر أي قرار ، أو يذاع أي بيان أو إعلان ، فلا تلكؤ ولا تردد عنها أبدا ، كونها قاطعة ولا رجعة عنها . وبالرغم من معاناة العراقيين من أحادية تلك القرارات ، وقد وصلت في الأزمان الأخيرة إلى درجة الرعب !
اليوم ، اختلفت الأمور جملة وتفصيلا ، فلقد ازدحم العراق بأصحاب القرارات ، وكل من مكانه يصنع لنفسه إرادة معينة وله قرار معين .. وباسم الديمقراطية التي لا يمكن أن تسير بمثل هذا المنوال أبدا ، يجّرب كل مسؤول قيادي ، أو زعيم سياسي ، أو مرجع ديني ، أو رئيس إقليم حظه في تسيير عجلة العراق ( الجديد ) ..
عندما عارضنا الدستور الحالي معارضة شديدة عند صدوره عام 2005 ، ووقفنا ضد العديد من بنوده ، كنّا نعلم ما الخراب الذي سيقود إليه .. كنّا نعلم أن الصلاحيات لا يمكن أن توّزع هكذا على أكثر من طرف .. كنا نعلم أن الربابنة سيكثرون ، وكل منهم سيدلي بدلوه المخالف للآخر ، وستتداخل الأمور ، وتضيع المصالح كلها ، بل وسيفتقد العراق إرادته التي يريدها الناس .. وستصبح القضايا الوطنية والخطيرة مثار جدال سياسي بين هذا وذاك ، بل وستصبح كل مسألة تباع وتشرى في مزاد المسؤولين الجدد الذين لا يدركون أبدا كنه القيادة ومعنى صنع القرار .. وسيكون العراق سفينة ضائعة بلا ربان حقيقي لها ، أو بالأحرى سيغدو العراق بلا سيد حقيقي وهو يمر باصعب أزمانه التاريخية الخطيرة .
كنت قد كتبت اثر السقوط عام 2003 عن حاجة العراق إلى زعيم يتمتع بالكاريزما والصبر والحكمة والذكاء والمناورة .. ويكون فوق كل الميول والاتجاهات والانتماءات .. كي يقبله كل العراقيين مهما كانت أطيافهم .. زعيم واحد لا جوقة زعماء ، يستأنس برأي العقلاء ويرضخ لإرادة المجتمع ، ويسعى لتنفيذ ما يريده البرلمان ، الذي يشّرع القوانين ويحاسب الحكومة على أدائها .. انبرى وقت ذاك احد الأصدقاء ، فقال إن العراق لا يعرف بعد اليوم أي نوع من الزعامة الفردية ، فالشعب يحكم نفسه بنفسه ! وهي كليشهة لا يمكنها أن تجد مكانا تحت الشمس في مجتمعاتنا ، لأن دولنا لم تزل فاقدة للمؤسسات ، وان كان لديها البعض ، فهي مجردة من المضامين ! مرّت الأيام الصعبة وشهدنا مهزلة مجلس الحكم ، ليصدر الدستور العراقي عام 2005 ، وهو يتضمن نص المادة (66) حيث ورد فيها ما يلي: ” تتكون السلطة التنفيذية الاتحادية من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، تمارس صلاحياتها وفقا للدستور والقانون ” .. لقد عارضنا هذا ” النص ” ونصوصا أخرى بلا جدوى ، هنا وجدنا كم أخفقت العملية السياسية العراقية بسبب وجود رئاستين لا رئاسة واحدة ، أي قيادتين لا قيادة واحدة ، أي زعامتين لا زعامة واحدة .. بل وثمة زعامات أخرى منها علنية ومنها خفية ، وقد وجدت لها شرعية دستورية هي الأخرى ، ومنها : مجلسين احدهما للرئاسة وثانيهما للوزارة ، وهناك رئاسة ووزارة في إقليم كردستان العراق ، فضلا عن مرجعية دينية عظمى يهرع إليها كل القادة ، وفوق الجميع تقف سلطة سفارة أمريكية كبرى يخشاها الجميع !
إن ما جرى للعراق في أربع سنوات 2005 – 2009 ، يمثّل صراعات متبادلة حزبية وفئوية وطائفية بين القوى الحاكمة على السلطة ، وتصل الصراعات إلى حدود التجاوز على مصالح العراق . إن العراقيين لا يعرفون اليوم من يحكم العراق فعلا ، ومن هو صاحب القرار النهائي ؟ أين الديمقراطية ومؤسساتها ؟ أين ستمخر السفينة ، وهي تزدحم بالربابنة الذين لا يعرف أي قسم منهم الا نشر غسيل الآخر ! إن المصالح الوطنية العراقية غدت رهينة الصفقات السلطوية التي يريدها هذا على حساب ذاك ، أو ينادي بها هذا التيار وسيّده ضد كتلة أخرى وسيدها ..
إن البقاء ضمن هذه الدوامة ، سيزيد من تبلور مشكلات وأزمات ، أجد العراق في غنى عنها .. إننا لا نريد ديمقراطية صورية تبيح حمامات الدم بلا أية روادع ، وان أية مؤسسات لا يمكن بناؤها أبدا إن بقيت الاستقطابات سارية المفعول كما نجدها اليوم .. إن أهم ما يمكن فعله من اجل تصويب المسار الديمقراطي أن يغدو دستور العراق قانونا حقيقيا مدنيا وأساسيا للعراق ، ولكن مع تغيير بنوده التي سببت مثل هذه الكارثة . فمتى نبدأ بداية حقيقية ؟

نشرت في البيان الإماراتية ، 16 سبتمبر 2009 ، ويعاد نشرها على موقع الدكتور سيار الجميل
www.sayyaraljamil.com