الرئيسية » مقالات » هل تغيّرت العقلية العربية بعد 11 سبتمبر؟

هل تغيّرت العقلية العربية بعد 11 سبتمبر؟

-1-

حلَّت يوم الجمعة الماضي الذكرى الأليمة الثامنة لكارثة 11 سبتمبر التي كُتب عنها خلال السنوات الثماني الماضية كماً هائلاً من المقالات والتعليقات والبحوث العربية وذلك لعلاقتها الوثيقة بالعرب والمسلمين.

فهل تغيرت معطيات العقل العربي السابقة لهذه الكارثة أم بقيت على ما هي عليه رغم أثر هذه الكارثة العظيم على التاريخ البشري المعاصر بحيث لم تبق دولة من الدول ولا شعب من الشعوب إلا وتأثر بهذه الكارثة من قريب أو بعيد؟

لقد كانت كارثة الحادي 11 سبتمبر 2001، امتحاناً كبيراً للعقل Reason السياسي العربي الذي غاب في هذا المناسبة ولعبت الدور المطلوب بدلاً منه العقلية Mentality السياسية العربية ، وليس العقل العربي .

فعناصر تكوين العقلية العربية جاءت من الأساطير، والخرافات، والشائعات، والأحداث التاريخية غير الموثقة، والتدين الشعبي. وهذه العقلية هي التي تتحكم بالقرار العربي منذ زمن طويل وحتى الآن. وهذه العقلية هي التي تثير العواطف وتؤججها، ويستعملها كثير من الكتّاب لإرضاء الجمهور ونيل استحسانه. في حين العقل يبقى الأداة الناقدة والمحاسبة، والدليل إلى الحقيقة والواقعية.

وانتظر العالم من العقل العربي كيف سيتصرف في كارثةK بدت خيوطها الأولى وفي أيامها الأولى تقول أنها نُسجت في حواضر المسلمين والعرب، ونفّذها عرب مسلمون كذلك.

-2-

لقد تغيّر العالم، وتغيّر عقل العالم، بعد كارثة 11 سبتمبر 2001 ، ولم تتغيّر العقلية العربية. وظلت العقلية العربية محافظة على ثوابتها “المكينة” السابقة، بعد هذه الكارثة، كما كانت قبلها، والتي تتلخص في:

– عدم الفصل بين النقمة على الحكومات والانتقام من الشعوب.

– اعتبار النقمة على الحكومات من قبل الغرب انتقاماً من الشعوب.

– المناداة بقوة عسكرية عربية/إسلامية بديلة، للقيام بفضِّ المنازعات الإقليمية، بدلاً من الغرب الكافر.

– الإيمان بوجود صراع حقيقي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية. ولا أدري أين هي الآن الحضارة الإسلامية؟

– الاعتقاد بأن الغرب يسعى جاداً إلى هدم الإسلام، وعلينا جميعاً الوقوف بوجه الغرب للحيلولة دون ذلك. فهل الإسلام مجرد حائط متهالك ؟

– الاعتقاد بالخرافات السياسية. وكانت من مظاهر هذه المكابرة وهذه الخرافات السياسية ما يلي:

1- القول أن “طالبان” ومَنْ معها مِن بعض “العُربان الأفغان”، قاموا بإنجازات لم تسبقها إليها الأنظمة الأفغانية السابقة.

2- القول أن “طالبان” ومَنْ معها مِن بعض “العُربان الأفغان” قد قاموا بتطبيق الشريعة الإسلامية النقية والصحيحة في أفغانستان، كما لم يسبق لها أن طُبقت منذ نهاية عهد الخلفاء الراشدين إلى الآن.

3-القول أن “طالبان” ومَنْ معها مِن بعض “العُربان الأفغان” كانـوا من أطهر الأنظمة السياسية الإسلامية والعربية الموجودة على ساحة العالم العربي والإسلامي الآن.

4-القول أن “طالبان” ومَنْ معها مِن بعض “العُربان الأفغان”، قادرون على هزيمة أية إمبراطورية تقوم بقتالهم، كما سبق وتمَّت هزيمة الإمبراطورية البريطانية والإمبراطورية السوفيتية من قبل.

-3-

إن الذين تظاهروا في الشوارع العربية أمام كاميرات التلفزيون فرحاً وغبطة، دون خجل أو عقل، عشية كارثة 11 سبتمبر 2001 هم جزء من العقلية العربية السائدة الآن، مهما حاولنا تبرير ذلك أو نفيه في بعض الأحيان. وكان لدى العقلاء الأمريكيين الحق عندما قالوا لنا على لسان إدوارد ووكر، رئيس معهد الشرق الأوسط في واشنطن في مقاله “رسالة مفتوحة إلى أصدقائي العرب”:

“هل نبتهج في الشوارع عندما يُقتل الفلسطينيون أو غيرهم من المدنيين العرب، كلا. فلكم كل الحق أن تنتقدوا سياساتنا، لكن ابتهاجكم السمج لا يساعدنا إطلاقاً على التخلص من السياسات التي تنتقدونها بقوة وبأعلى أصواتكم.” (جريدة “الحياة”، 14/9/2001).

فهل أفلس العقل العربي في معالجة مشاكله السياسية، ولم يعد لديه من سلاح يستعمله إلا سلاح الفقراء وسلاح الضعفاء، وهو ما أُطلق عليه “إرهاب الفقراء” أو “إرهاب الضعفاء”، كمسوّغ زائف لكارثة 11 سبتمبر 2001؟

ولكن الضعف هنا ليس القوة إلا من باب الاستعارة، ولا يمكن تحويل القوة إلى ضعف أو الضعف إلى قوة من خلال عمليات إرهابية على نحو ما جرى في 11 سبتمبر 2001.



فالقوة لا تتحول إلى ضعف إلا بإزالة الأسباب التي صنعت القوة. والضعف لا يتحول إلى قوة إلا بالأخذ بالأسباب التي صنعت القوة.

-4-

إن كثيراً من الحقائق الأولية لكارثة 11 سبتمبر 2001 قد قفز عليها كثير من الكُتّاب والمحللين العرب، ليقدموا لنا تحليلات قريبة من الخرافة. وأن جملة التحليلات العربية كان يتأرجح بين النـزعة العاطفية التي تحجب العقل من ناحية، وبين الخضوع لـ “نظرية المؤامرة”، و “نظرية الفخ”، و “نظرية صدام الحضارات” وغيرها من النظريات الهلامية من ناحية أخرى. بحيث تتحول المناقشات إلى مجادلات شخصية عقيمة لا تحرم الجمهور من التنوير والوعي فحسب، بل تشحنه إلى الاتجاه المضاد للعقل والمنطق والفهم العلمي للأحداث”، كما قال محمد الرميحي في مقاله (الكارثة الأمريكية والإعلام العربي، “الحياة”، 3/10/2001).

-5-

إن العقلية العربية مولعة بـ “سحر البيان”. بل إن معجزة العقلية العربية الكبرى هي “سحر البيان”. وهي لا تتوانى عن تشغيل هذه الآلية السحرية في كل مناسبة من المناسبات الكبرى، وفي كل حادثة من الحوادث الجسيمة، ومنها كارثة 11 سبتمبر 2001. فالعقلية العربية في هذه الحادثة خطبت الخطابات النارية، واستعادَت أمجاد العرب من هاشم بن عبد مناف إلى أسامة بن لادن. ودقَّت أجراس الحرب، وأعلنت أن الصليبيين قادمون، وأنهم يطرقون أبواب مكة المكرمة والمدينة المنورة وبيت المقدس، إلى درجة أزعجت أصدقاء العرب من المفكرين والسياسيين الغربيين الذين قالوا للعرب : يا ناس ليس هكذا تورد الإبل!

وقالوا مرة أخرى على لسان إدوارد ووكر في مقاله (رسالة ثانية إلى أصدقائي العرب، “الحياة”، 16/10/2001): “نريد منكم التعبير عن شكواكم السياسية ولكن ليس بالصياح. تجنبوا البلاغيات والروح السلبية. واقترحوا علينا السُبل البنّاءة لتناول قضاياكم.”

فهل قدّمت العقلية العربية حيال كارثة 11 سبتمبر 2001 موقفاً سياسياً أو فكرياً جديداً يختلف عن المواقف السياسية والفكرية التي اعتادت أن تقفها في الماضي، عندما تواجه مثل هذه الكوارث، أو مثل هذه الأزمات السياسية الكبرى؟

وهل تغيّرت القناعات العربية القديمة، وطريقة التفكير العربية القديمة القاصرة عن استبطان الحقيقة استبطاناً معرفياً وعقلانياً سليماً؟

فلا عجب إذن، وحال العقلية العربية على هذا النحو من التردي والاستسلام للخرافات والأوهام واستنباط الحقائق من خلال سُحب البخور وسطور التمائم، أن نكتشف أن “تفكيرنا يصنع الفضائح والكوارث بقدر ما ينسج من الجهل والوهم والخداع”، كما قال المفكر اللبناني علي حرب في مقاله (سقوط “طالبان” أو الأكذوبة والفضيحة والكارثة، جريدة “السفير”، 18/11/2001).