الرئيسية » دراسات » اتفاقية الجزائر الحلقة الثالثة

اتفاقية الجزائر الحلقة الثالثة

القضية الكوردية في عهد حكومة البعث الأولى 1963- 1968
اختلف الكورد في تقويم الانقلاب الذي قادة البعثيون واطاحوا فيه بحك عبد الكريم قاسم وذلك في الثامن من شباط 1963 ، حيث وقع انقلاب عسكري في العراق انتهى بمصرع عبد الكريم قاسم ،وتولى الحكم الرئيس عبد السلام عارف وحزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة احمد حسن بكر ،وكلاهما من العسكريين ،الأول رئيساً للجمهورية والثاني رئيساً للوزراء ، الا انهم اتفقواعلى وقف القتال ،ولاسيما بعد ان تلقوا وعداً من قادة الانقلاب بمنحهم الحكم الذاتي في حال وصولهم الى السلطة ، وقد اسرع عارف عقب نجاح الانقلاب في الدخول في مفاوضات مع الكورد ،حيث وعد ان يحصلون على شيء قريب من الاستقلال الذاتي ،وفي التاسع من مارس 1963 نشرت الحكومة العراقية تصريحاً اعترفت فية للشعب الكوردي بالحقوق القومية على اساس اللامركزية.
كما اعلنت ان مجلس قيادة الثورة قد اقر الحقوق للشعب الكوردي ،وسوف يدخل هذا المبدأ في الدستور الموقت والدائم عند تشريعها ،ووعد بأن لجنة مختصة سوف تشكل لوضع الخطوط العريضة لللامركزية ،ومع ان الكورد رحبوا من حيث المبدأ بتصريح الحكومة الذي يعترف بجزأ من حقوقهم المشروعة، إلا انهم وجدوا في محادثاتهم مع المسؤولين العراقين انذاك أن هذا المشروع اللامركزي لايتجاوب في جوهرة مع حقوق الشعب الكوردي ،لقد تبين من المشروع انة لامركزية عامة ستطبق على كل جزء من من اجزاء العراق ،ولايمنحهم اي كيان او ميزة خاصة .
الا ان الوفد الذي توجه الى بغداد للتفاوض والذي كان بر ئاسة جلال الطالباني الذي كان يحمل تخويلاً من قائد الحركة التحررية الكوردية الملا مصطفى البارزاني للتفاوض مع قادة الانقلاب لايجاد حل سلمي للقضية القومية الكوردية ،وخلال الاسبوع الاول من وجود الوفد في بغداد بدأوا يشعرون بان قادة الانقلاب اخذو يماطلون ويتنصلون من وعودهم التي قطعوها على انفسهم للكورد قبل الانقلاب واخذ كل طرف من الانقلابيين يوجة اللوم على الطرف الاخر فكان البعثيون يقولون للوفد الكوردي بان الاطراف القومية التي يرأسها عبد السلام عارف هي التي تعرقل حل المسألة الكوردية وقال بعض من التيار القومي ان البعثيين هم الذين يضعون العراقيل بهذا الخصوص وفي الحقيقة ان الطرفين كانا غير مؤمنين بالحل السلمي للقضية الكوردية والاقرار للشعب الكوردي بحقوقة المشروعة العادلة المتمثلة بالحكم الذاتي ضمن الجمهورية العراقية ، حيث وجد الوفد ان الانضمام الى الجمهورية العربية المتحدة ولبس منح الحكم الذاتي للكورد كان ياتي في جدول الحكام الجدد .
في التاسع من حزيران عام 1963 طلب الوفد الكوردي التوجه الى كوردستان لمقابلة قائد الامة الكوردية الملا مصطفى البارزاني والمكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكوردستاني لعرض اخر مقترحات الجانب الحكومي بخصوص القضية الكوردية وتلقي التوجيهات والاراء ،الا انه تم اعتقال الوفد في مطار كركوك وعلى رأسهم صالح اليوسفي وتم اعادتهم الى بغداد مقيدين بالسلاسل، وتم التحقيق معهم لكشف تنظيمات البارتي في بغداد والمناطق الجنوبية واستخدمت ابشع اساليب التعذيب بحقهم وبخاصة المناضل صالح اليوسفي الذي تم كسر ذراعه اليمنى جراء التعذيب الوحشي البعيد عن كل القيم الاخلاقية والانسانية ،وقامت اجهزة الامن والمخابرات والحرس القومي بحملة اعتقالات واسعة في بغداد شملت العشرات من كوادر البارتي واعضائة ومؤيدية واصبح كل كوردي مقيم في بغداد معرضاً للاعتقال وحتى كل من يرتدي الملابس الكوردية وجرى فصل المئات من الموظفين الكورد من وظائفهم ،كما شملت الاعتقالات العشرات من العسكريين وافراد الشرطة الكورد المبعدين الى بغداد والمحافظات الجنوبية ،الامر الذي افشل المفاوضات بين الطرفين ودفع بها الى الاستعداد للمواجهة العسكرية ،وفي حزيران عام 1963 استأنف البعثيون القتال ، بعد ان اكد وزير الدفاع صالح مهدي عماش على ان الجيش مستعد هذه المرة للمواجهة ،وان الحملة لن تكون سوى نزهة جبلية لن تستغرق اكثر من اسبوع .
وجرت حملة اعتقالات واسعة في مدن كوردستان شملت الالاف من المواطنيين الكورد من مختلف الفئات دون ذنب وفي 9 حزيران اقدم صديق مصطفى امر موقع السليمانية بحملة عنصرية ظالمة ضد الكورد وتم اعدام زهاء تسعين شاباً كوردياً ودفن العديد منهم وهم احياء في قبر حفر بالبلدوزرات والشفلات وقام النظام بتدمير ثلاثة احياء سكنية للكورد في كركوك وتدمير العديد من القرى الكوردية القريبة من منشاءات استخراج البترول واعتقال وفصل كافة الكورد العاملين في شركة نفط كركوك وبدأ النظام بعملية تعريب كوردستان من خلال كركوك الا ان الجيش العراقي مني بخسائر كبيرة ، ولم يجد نفعاً مشاركة لواء من الجيش السوري للقتال ضد الكورد،في تحسين الوضع العسكري للقوات العراقية ،بعد تمكن المقاتلون الكورد من قطع خطوط امدادات الجيش العراقي حيث تصدت قوات البيشمه ركة البطلة بكل شجاعة وبطولة فائقة للقوات العراقية المعتدية والحقت الخسائر الكبيرة في معظم الجبهات بالجيش والجحوش المرتزقة ،هكذا استمر القتال في كوردستان واتضح لحكام البعث وحلفائة بان القتال في كوردستان ليست بنزهة كما يظنون ويقدرون وان حساباتهم العسكرية خاطئة بل ان الحرب على كوردستان محرقة للقوات الغازية ومستنقعاً لاخروج منه بسهولة ، انعكس ذلك الفشل في مواجهة الكورد على الاوضاع داخل البيت السلطوي الذي دبت بين اعضاءة خلافات نجم عنها ابعاد البعثيين وتنحية وزرائهم عن الحكم ليصبح بعدها عبد السلام عارف حاكماً وحيداً للبلاد ، الا ان عبدالسلام عارف المعروف بمواقفة القومية الشوفينية من الكورد والقضية الكوردية استمر في محاربة الشعب الكوردي على امل القضاء على الثورة الكوردية الا ان القطعات العسكرية التي كانت تحارب الثورة اخذت تتلقى ضربات قوية في معظم جبهات القتال وخشي عبد السلام عارف منى تمرد الجيش علية اذا استمر في القتال في كوردستان ،حيث اعلن عارف عن عزمة على بدأ الحوار مع الكورد .
واستونفت المفاوضات بين الجانبين الكوري والحكومي لتسفر عن وقف لأطلاق التار في العاشر من شباط 1964 ،بعد أن توجه وفد من الحكومة برئاسة طاهر يحيى رئيس الحكومة للتفاوض مع قائد الامة الكوردية الملا مصطفى البارزاني ، واستمر الاتصالات حتى صدوربيان في العاشر من شباط 1964 بأسم رئيس الجمهورية عبد السلام عارف لايقاف القتال في كوردستان واقر البيان ببعض الحقوق الثقافية والادارية لشعب الكوردي ،وكان البيان مبهماً لايتضمن مبادئ قومية جوهرية تتعلق بحقوف الشعب الكوردي الا انة مع ذلك وافق قائد الثورة الملا مصطفى البارزاني بحنكتة ورؤيتة البعيدة وخبرتة الطويلة في الحياة السياسية وكذلك المكتب السياسي للبارتي على مبادرة عبد السلام عارف ،الا ان قائد الثورة وقيادة البارتي لم يكونوا مقتنعين ومؤمنين بان عبد السلام عارف ذي العقلية القومية المتشدد سيتمكن فعلا من ايجاد حل سلمي عادل للقضية الكوردية،لذا وافق زعيم الحركة التحررية الكوردية الملا مصطفى البارزاني على المبادرة لان الشعب الكوردي بحاجة ماسة الى فترة من الاستقرار وتحسين ظروفة الاقتصادية حيث كان يعاني من حصار اقتصادي خانق .
من جانب اخر ومهم فأن تدخلات شاه ايران في شؤون الثورة الكوردية ومحاولة احتواء الثورة او أحداث انشقاق في صفوف الثوار لان شاه ايران كان يخشى من استمرارية الثورة واتساع رقعتها ونشاطها التي وصلت الى حدود ايران شرقاً حيث وجود عشرة ملايين من الكورد تحت حكم الشاه ، وكان الشاه يخشى شخص الملا مصطفى البارزاني كقائد الثورة ويعلم ان البارزاني كان قائداً لجيش جمهورية كوردستان في مهاباد سنة 1946 والحق الهزائم وخسائر جسيمة بقواته انذاك ،ان تدخلات شاه ايران في شؤون الثوره كما اشرنا الية انفاً كان احد الاسباب المهمة للاتفاق مع عبد السلام عارف لايقاف الققتال في كوردستان، استمرت المفاوضات بين قيادة الثوره وحكومة عبد السلام عارف لمدة عام تقريباً ،وكان الحكومة تطلق التصريحات المطمئنة بحل القضية الكوردية وفي الوقت نفسة تقوم باستعدادات عسكرية لشن القتال مجدداً ،واخذت الحكومة بشراء بعض ضعفاء النفوس من رؤوساء العشائر والشيوخ الكورد وخصصت مبالغ كبيرة لهذا الغرض باسم خطة (عزيز)لان الشخص المكلف بتنفيذ الخطة كان ظابطاً برتبة عميد اسمة عزيز الجلبي وكان ظابط في استخبارات الفرقة الثانية في كركوك ،هذا وقد تراجع عبد السلام عارف عن وعودة بأتجاة الحقوق المشروعة للقضية الكوردية ، كان وقف اطلاق النار بين الحكومة والكورد هشاً ،وكان انفجار الصراع وشيكاً ،سيما وان الحقوق الكوردية في الدستور الجديد الذي صدر في نيسان عام 1964 كانت اقل بكثير مما تضمنة دستور 1958 ،مما عزز قناعة الكورد بأن الحكومة غير جادة في منحهم ماكانوا يطمحون في الحصول علية، واخذت قطعات الجيش في كوردستان بالاعتداءات والاستفزازات ضد المواطنين الامنيين وشن الجيش العراقي الهجوم على كافة المواقع الامامية البشمه ركة في 15/ 4/ 1965 اعلنت الحكومة العراقية على لسان وزير الدفاع اللواء عبد العزيز العقيلي بانه سيتم القضاء على الثورة الكوردية خلال فصل الربيع القادم واستمرت المعارك في جميع الجهات لمدة عام كامل دون ان تتمكن القوات الحكومية من تحقيق اية انتصارات تذكر لان البيشمه ركة الابطال كانوا يتصدون للمعتدين ويلحقون الخسائر بهم في جميع الجهات .
ميدانياً كان الرئيس الجديد عبد الرحمن عارف ،الذي تولى السلطة اثر مصرع اخية عبد السلام في حادث طائرة بتاريخ الثالث من نيسان عام 1966،قد امر جيشة بالاستعداد لخوض هجوم واسع النطاق على معاقل الكورد ،الا ان الهجوم مني بالفشل ،في اعقاب ذلك اعلن رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز في حزيران عام 1966 ،عن استعداد حكومتة للأعتراف بالحقوق القومية الكوردية ، والدخول في مفاوضات جديدة مع الملا مصطفى البارزاني ،تقدمت الحكومة في التاسع والعشرين من حزيران ،ببرنامج السلام المكون من اثنتي عشرة فقرة ،والذي عرف ببرنامج البزاز ،الذي تعهدت الحكومة خلاله بالأعتراف بسمة الدولة العراقية الثنائية القوميات ،وتعديل الدستور العراقي بحيث يتضمن اشارة واضحة لتلك الثنائية ، لقد استمرت المفاوضات مع حكومة عبد الرحمن البزاز وفي الحقيقة كان البزاز جاداً في ايجاد حل سلمي للقضية الكوردية الا ان جنرلات الجيش العراقي المهيمنين على المراكز الفعلية في السلطة وكان معظمهم مستفيدين من القتال في كوردستام مادياً وان حل القضية الكوردية وايقاف الحرب ستفقدهم تجارتهم البغيضة على حساب دماء ابناء كوردستان ، لذا فقد وقف هؤلاء الجنرالات ضد اتفاقية البزاز وكانوا ذو نفوذ كبير لدى رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف وملتفين حوله ، لكن برنامج البزاز الذي عد أول خطوة ناجحة في معالجة القضية الكوردية سياسياً ، مثلما عد الكورد اساساً لكثير مما ارادوا الحصول علية ، لم يحقق النتائج المتوقعة منه ، لانه لم يحظ بتأييد عبد الرحمن عارف الذي كان متأثراً بموقف الضباط القوميين الذين عارضوا مشروعة بشدة ،مدعين ان من شأنة تقسيم العراق ،مما دفع البزاز الى تقديم استقالته ،وبذلك الغيت محادثات الحكم الذاتي ،وقام البعثيون من جديد بانقلاب وتم الاطاحة برئيس عبد الرحمن محمد عارف في 17 تموز 1968 ،الى هنا انتهت فترة حكم الاخوين عبد السلام وعبد الرحمن عارف ،وبقي بيان التاسع والعشرين من حزيران 1966 حبراً على ورق،وكانت فترة حكم عبد الرحمن عارف فترة هدوء واستقرار في كوردستان العراق عموماً بالرغم من قيام بعض القطعات العسكرية في كوردستان العراق بالتحركات الاستفزازات ضد مواقع البيشمه ركة احياناً سيما وان القتال في كوردستان بمثابة تجارة رابحة لبعض قادة الفرق وامراء الالوية في الجيش العراقي وشركائهم من رؤوساء الجحوش الخونة ، وحل القضية الكوردية سيفقدهم تجارتهم على حساب دماء الشعب الكوردي وحقوقهم المشروعة
القضية الكوردية في السنوات الاولى لحكومة البعث الثانية 1968-1975
استولى حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة مجدداً في السابع عشر من تموز عام 1968 ،بعد الانقلاب الذي اطيح فيه بحكم عبد الرحمن عارف،وأعلن احمد حسن بكر رئيساً للبلاد،وتولى زيادة على ذلك مناصب،رئيس مجلس قيادة الثورة،ورئيس الوزراء ،والقائد العام للقوات المسلحة ،فيما عين صدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة. كان من أولويات السلطة الجديدة التخلص من المعارضة المتمثلة بالشيوعيين والكورد بالدرجة الاولى ،وأدركت ذلك لن يتم الا من أبعاد العناصر الموالية لهم من الجيش ،وتعين رجالها في المراكز الحساسة ،إذ كان شبح انقلاب عسكري مضاد لهم ،مصدر قلقهم الرئيسي،لذا قرروا مهادنة الكورد أولا،اعلن البكر بعد أسبوع من تولية السلطة عن نيته في حل القضية الكوردية وفقاً لروح مشروع البزاز، الاً أن تلك الخطوة التخديرية لم تنجح في كسب الكورد الذين سرعان ماأدركوا أن نظام الجديد غير جاد في تنفيذ تعهداته لهم،فالدستور الذي نشر في الثالث والعشرين من أيلول عام 1968،لم يتطرق الى ذكر حق الكورد في الحكم الذاتي،فضلاً عن أن النظام الجديد بدأ يحاول استمالة العناصر المناوئة للحركة التحررية الكوردية،نجح في تشكيل قوة خاصة من المرتزقة لتقاتل لصالحة أطلق عليها أسم الفرسان، كانت تلك الخطوات دليلاً كافياً على أن احكام الجدد كانوا قد قرروا اللجوء الى الخيار العسكري في محاولة لأيجاد حل نهائي للقضية الكوردية،ولاسيما بعد أن تمكنوا من تصفية خصومهم الساسيين.
Taakhi