الرئيسية » دراسات » اتفاقية الجزائر الحلقة الاولى

اتفاقية الجزائر الحلقة الاولى

لم تكن اتفاقية الجزائر حدثاً عادياً،كما لايمكن تصنيفها ضمن المعاهدات والاتفاقيات الحدودية،التي عقدت بين العراق وايران عبر تاريخ خلافاتهما الحدودية الطويل،فحسب بل كانت واحدة من اهم الاحداث وابرزها في تاريخ العراق المعاصر ذلك ان التوصيف الدقيق الذي يمكن أن نصف من خلالة اتفاقية الجزائر يشير اليها باعتبارها الاتفاقية التي تنازل صدام حسين (نائب رئيس مجلس قيادة الثورة في حينها )عن سيادة العراق الكاملة على شط العرب لصالح ايران.
من اجل القضاء على الحركة التحررية الكوردية في العراق بعد امتناع ايران عن تقديم دعمها للكورد،فاتفاقية الجزائر إذنلم تكن اتفاقية تسويات حدودية فحسب،بل كانت فاصلة تاريخية بين حدثين هما غاية في الاهمية ،تمثل الاول في ان عقدها كان مصحوباً بالنيل من ثورة 11ايلول الكبرىوهي اهم واطول الثورات الكوردية المسلحة في تاريخ العراق المعاصر ، التي امتدت قرابة اربعة عشر عاماً(1961-1975)وكانت قد تسببت في اسقاط اربع حكومات متعاقبة،فشلت في التعامل السليم والموضوعي معها،الا ان اتفاقية الجزائر كانت قد كتبن صفحة الغدر لتلك الثورة والحقوق المشروعة للشعب الكوردي،في تمثل الحدث الثاني في الغاء اتفاقية الجزائر بكل ماترتب على هذا الالغاء من تداعيات واثار طبعت تاريخ المنطقة بطابع خاص لاعوام عديدة ، الا ان اللافت للنظر ان اتفاقية الجزائر على اهمية وخطورة مقدماتها واثارها فأنها لم تستطع أن تشق طريقها الى الكتب،عراقية او ايرانية،التي عالجت موضوع العلاقات العراقية-الايرانية الافي اطار ضيق ومحدود،وبعيد كل البعد عن الجوهر الحقيقي لتلك الاتفاقية، فالدراسات التي بحثت موضوع العلاقات العراقية – الايرانية والتي تزامنت مع ثلاث مراحل تاريخية من مراحل العلاقة بين البلدين،اقتصرت في غالبيتها على موضوع الخلافات الحدوديةبينهما،إذ ظهرت المجموعة الاولى من تلك الدراسات في المدة التي توالت فيها المفاوضات للتوصل الى معاهدة عام 1937،فيما ظهرت المجموعة الثانية منها بعد العام 1968 حينما وصل الخلاف بين الجانبين ذروته،وانتهى بإلغاء إيران للمعاهدة المذكورة من طرف واحد، اما المجموعة الثالثة فهي التي تم تأليفها في اثناء الحرب العراقية الايرانية (1980-1988) وعلى الرغم من تناول المجموعة الثالثة تاريخ الخلافات العراقية -الايرانية بمراحلها التاريخية المختلفة الا ان عرضها لاتفاقية الجزائر كان قد جاء ،عن قصد في بعض الاحيان او اهمال في احيان اخرى ،بصورة مبتسرة من دون أن تلامس في غالبيتها جوهر اتفاقية الجزائر
الفصل الثاني
اتفاقية الجزائر بنودها،تطبيقاتها والجهود الدبلوماسية التي سبقت عقدها
-نبذة تاريخية عن المعاهدات والاتفاقيات العراقية-الايرانية قبل اتفاقية الجزائر
-الجهود الدبلوماسية التي سبقت عقد اتفاقية الجزائر
– الاعلان الرسمي لاتفاقية الجزائر
– معاهدة الحدود الدولية وحسن الجوار بين العراق وايران لعام 1975 وتطبيقاتها
– نبذة تاريخية عن المعاهدات والاتفاقيات العراقية – الايرانية قبل اتفاقية الجزائر
اتسمت العلاقات العراقية – الايرانية،باشد والجذب ،وغلب عليها التوتر والعداء في مراحل عديدة ،ابتداءاً من العهد العثماني حينما كان العراق تحت السيطرة العثمانية ،حتى حقبة موضوع البحث ،لكن الملفت في تلك العلاقة، ومن خلال الاتفاقيات والمعاهدات المعقودة بين الطرفين ،انها في غالبيتها عقدت لتحقيق مكاسب سياسية ،كما انها لم تستطيع حل مشكلة الحدود المتعاقدين، بل إن الخلاف في تفسيرها وتطبيقها أحياناً ،كان اعقد من النزاعات التي سبقت عقدها ،لذا ان الفريقين وظفوا كل الحجج والحيل القانونية الممكنة، من أجل كسب مايمكن كسبة من الغنائم السياسية بحسب مايلائم تفسير كل طرف من الاطراف لتلك المعاهدات والاتفاقيات، ويمكن القول إن مشكلة الحدود العراقية- الايرانية ظلت مشكلة سياسية قبل كل شيء، على الرغم من انها استندت في الكثير من جوانبها الى القانون، ومع ذلك فأن اهمية المعاهدات والاتفاقيات التي عقدت بين الطرفين خلال المراحل التاريخية المختلفة لحل تلك الخلافات والمشاكل بينهما ،تأتي من كونها تمثل اساساً تاريخياُ لاتفاقية الجزائر لعام 1975 ، وعلى هذا الاساس سيتم التطرق اليها
*العهد العثماني كان موضوع الحدود مثار مباحثات ومعاهدات،واتفاقيات متتالية ،كما هو مبعث نزاع عسكري في الغالب بين الامبراطوريتين العثمانية والفارسية، وظل تعريف الحدود غامضاً في المعاهدات التي وقعت بين الطرفين ، كمعاهدة اماسية عام 1555 ، ومعاهدة فرهاد باشا عام 1590،ومعاهدة سراو عام 1618 ويلاحظ أن اول معاهدة للحدود بالمعنى الاصلاحي للكلمة،كانت معاهدة زهاب عام 1639 ،والتي جرى تأكيدها في معاهدة كردن عام 1723،وتم تثبيتها في معاهدة ارضروم الاولى عام 1823 ،فقد ظلت معاهدة زهاب هي الاساس المعترف به جميع جوانبه لحد الان، لم تفلح معاهدة ارضروم الاولى في تسوية النزاع الحدودي بين الطرفين رغم تأكيدها ي تلك المعاهدة على ان الصداقة القائمة بينهما ستبقى الى الابد ، فضلا عن تعهدهما بعدم تدخل احداهما بالشؤون الداخلية الاخرى ، لذلك تم التوقيع على معاهدة جديدة ، هي ارضوم الثانية وذلك في الحادي والثلاثين من ايار عام 1847 ،لتحديد الحدود بين الجانبين ، وبحضور المندوبين البريطاني والروسي ،تضمنت المعاهدة تنازل الدولة العثمانية عن مدينة المحمرة، وجزيرة الخضر، ومرسى المحمرة وميناءها ،مقابل تخلي ايران عن ادعاءاتها بالسليمانية ،واعتبرت الضفة اليسرى لشط العرب الخط الذي يشكل الحدود بين الامبراطوريتين ، على أن يكون تابعاً باكملة للدولة العثمانية. كذلك اكدت المعاهدة على السماح للسفن الايرانية بحرية الملاحة في شط العرب،وتعهد الطرفان بتأليف لجنة فنية مشتركة لتخطيط الحدود وفقاً لاحكام المادة الثانية من المعاهدة ذاتها، يلاحظ ان معاهدة ارضروم الثانية اكدت كون شط العرب يدخل بكاملة ضمن السيادة العثمانية،وان سيادة ايران على المحمرة وميناءها لاتشمل شط العرب بأي شكل من الاشكال ، رغم ان المعاهدة تضمنت تعهد البلدين بتأليف لجنة مشتركة لتخطيط الحدود ، الاان تلك اللجنة لم تفلح في انجاز متألفت لأجله،واستمرت المباحثات بين الطرفين بصورة متقطعة الى أن جرى التوقيع على اتفاق جديد عرف بأسم بروتوكول طهران لعام 1911، الذي تضمن الاقرار بمعاهدة أرضروم الثانية وتأليف لجنة جديدة لتخطيط الحدود (المادة الاولى)وعلى اساس المعاهدة المذكورة اعلاه(المادة الثالثة) كمانص البروتوكول على حسم اي خلاف بشأن الحدود باللجوء الى محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي(المادة الرابعة) في حين نصت المادة الخامسة من البروتوكول على عدم جواز احتلال الاراضي المتنازع عليها احتلالاً عسسكرياً، واتخاذ ذلك حجة قانونية،لم تكن الحلول المقترحة في البروتوكول المذكور، من القوة بحيث تتمكن من تسوية الخلاف بين الطرفين،وفشلت المساعي بشأن لجنة الحدود، فتدخلت بريطانيا وروسيا مرة اخرى باعتبارها اطراف وسيطة في النزاع،حتى تم التوصل في الرابع من تشرين الثاني عام 1913 الى توقيع بروتوكول الاستانة ،بحضور مندوبي الدول الاربعة ،إذ تضمن البوتوكول المذكور تأكيد الالتزام بمعاهدة ارضروم الثانية ،عبر قيام لجنة بريطانية-روسية بتثبيت خط الحدود،تكون حكماً عند الخلاف في وجهات النظر العثمانية – الايرانية .
Taakhi