الرئيسية » مقالات » مقابلة صحفية في الشأن العراقي

مقابلة صحفية في الشأن العراقي

وجه الصحفي والكاتب العراقي الأخ السيد سعدون محسن هليل عدة أسئلة للإجابة عنها.
وقد أرسلت له للنشر في جريدة المدى العراقية في أوائل أيلول/سبتمبر 2009 بتاريخ .
الأسئلة
= البناء الديمقراطي في العراق ، ماهي المعوقات والتحديات التى تواجة هذا المشروع ؟
= كيف يتم بناء دولة ديمقراطية في العراق ومجتمع ديمقراطي ؟
= الازمة العراقية هل هي ازمة بناء مجتمع ام ازمة بناء دولة ؟ ماهي القوى الاساسية التي بستطاعتها بناء دولة؟
= من مهام الدولة الحديثة تفكيك الولاءت الطائفية والقومية والاثنية وان تكون الدولة المحور الاساسي هل حدث هذا التحول في العراق منذ العام 2003 ؟
= الطبقة الاجتماعية الوسطى الشرط الاجتماعي لقيام وبناء دولة ماهي الشروط الاقتصادية لاعادة ترميم الطبقة الوسطى ؟
الجواب الأول
** تتوزع معوقات البناء الديمقراطي بالعراق على عاملين أساسيين متشابكين, وهما:
العامل الموضوعي الذي يرتبط بواقع المرحلة التي يمر بها المجتمع ومستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والتركة الثقيلة التي تعيد إنتاج مكوناتها, ومن ثم تجليات ذلك في مستوى الوعي الاجتماعي للفرد والمجتمع أولاً, ومن ثم العامل الذاتي الذي يرتبط بالقوى والأحزاب السياسية العراقية وبرامجها واتجاهات نشاطها وأساليب عملها والمستوى الحضاري الذي تجد نفسها فيه ويؤثر بقدر كبير على دورها ودور فئات المجتمع في مجمل العملية السياسية في العراق ثانياً.
وحين نسعى إلى تحليل أو تفكيك هذا العامل الموضوعي, سنجد أنفسنا في مواجهة ثلاث مشكلات جوهرية, وهي:
1. استمرار وجود وفعل بقايا العلاقات الإنتاجية شبه الإقطاعية في الريف وتأثيرها المباشر وغير المباشر على سكان المدينة وعلى مجمل العملية الاقتصادية وتخلف عملية التخلص من تلك العلاقات وبناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية التي تعتبر مرحلة متقدمة من مراحل التطور الاجتماعي للمجتمع العراقي والتي لم يبلغها بعد. وطبيعة هذه العلاقات الإنتاجية تمنع عملياً التراكم الرأسمالي في التنمية الصناعية والزراعية والبحث العلمي وفي تغيير البنية الاقتصادية وتبرز إلى السطح النزعة الاستهلاكية بدلاً من التراكم الضروري الُمعظم للثروة الوطنية.
2. إن هذا الواقع يرسم لنا الخريطة الطبقية للمجتمع, إذ تشكل فئات الفلاحين والهامشيين والفقراء والكادحين والعاطلين عن العمل النسبة الكبرى من السكان, في حين نجد ضعفاً شديداً في عدد وبنية الطبقة الوسطى والطبقة العاملة وفئات المثقفين والمتعلمين في المجتمع.
3. ويجد المتتبع تجليات هذا الواقع في البنية العقلية والوعي الاجتماعي والديني للسكان من جهة, وفي ضعف الطبقات الاجتماعية الحاضنة للمجتمع المدني الديمقراطي في العراق من جهة أخرى, في حين يرتفع دور مؤسسة العشائر والمؤسسة الدينية, وهما مؤسستان متحالفتان في مواجهة ثلاث مسائل أساسية في المجتمع العراقي, وهي:
** ضد التصنيع وضد تنامي مكانة ودور الطبقة الوسطى أو البرجوازية الوطنية الصناعية والطبقة العاملة في الاقتصاد الوطني وفي الحياة السياسية أولاً ودور ومكانة الفئة المثقفة في الحياة السياسية والثقافية والتربوية والتعليمية ثانياً.
** ضد بناء المجتمع المدني الديمقراطي والحريات العامة وحل مشكلة الأرض الزراعية والتنمية الزراعية الحديثة وضد تعليم البنات.
** ضد الانفتاح على ثقافات العالم والتلاقح الثقافي وتنشيط الحياة والحريات الديمقراطية وضد تحرير المرأة ومساواتها بالرجل …
وفي مثل هذه الأجواء يتدنى الموقف من الهوية الوطنية والوطن والمواطنة ويتفاقم الاعتماد على الهويات الثانوية التي يمكن أن تكون قاتلة للهوية الوطنية وممزقة للنسيج الاجتماعي كالهويات الطائفية أو الهويات القومية الشوفينية أو الهويات القومية ذات الأفق القومي الضيق, ثم الهويات العشائرية (القبلية) والأسرية والإقليمية والمحلية.
إذن نحن أمام واقع قائم لم ينشأ اليوم, ولكنه قادم مع التركة الثقيلة السابقة والمتفاقمة بفعل الواقع الراهن الذي يتجلى بالعمليات التي تعطي الذريعة بعدم التوجه صوب التنمية, والتي هي تشير إلى نصف الحقيقة وليست الحقيقة كلها.

أما العامل الذاتي فهو نتاج العامل الموضوعي من جهة, ونتاج ما يفرزه العامل الموضوعي من نتائج في مجال الشرعية الديمقراطية وغياب الحياة الدستورية الحقيقية وتقريم الحريات الديمقراطية والفصل بين السلطات الثلاث وفصل الدين عن الدولة وضعف الوعي الاجتماعي, ومنه الوعي الديني وضعف مجمل البناء الفوقي للمجتمع بما فيه الأحزاب السياسية.
فالأحزاب السياسية تنشأ من أعماق هذا المجتمع وتأخذ سماتها منه, رغم محاولتها طرح بدائل فكرية وسياسية, ولكن لا يوجد تطابق بين الواقع وبين النظرية أو بين البرنامج المتبنى حتى من القوى التي تدعو للديمقراطية أو تسعى للالتزام بها وبين الممارسة الفعلية, إذ أنها ليست مسألة ترتبط بالرغبات والإرادة الذاتية, بل هي عملية موضوعية.
فأغلب الأحزاب القائمة في العراق, كل العراق تستند إلى مؤسستين: العشائرية والدينية, ومن الاثنين تبرز المؤسسة القومية. وهي تدعو إلى إقامة دولة غير ديمقراطية ولا تسعى إلى المجتمع المدني من خلال عدم سعيها لتغيير البنية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع العراقي, رغم ما تدعيه بغير ذلك, إذ أن الواقع يؤكد هذا الاستنتاج. والأحزاب الديمقراطية والعلمانية واللبرالية حين تنظر إليها بعناية وتفحص سلوكها اليومي وعلاقتها ببعضها أو بمؤسسات الدولة, ومنها الحكومة والمجلس النيابي والمجتمع, ستجد أنها لا تسير وفق نهج ديمقراطي سليم. وحين تصل إلى السلطة ستكون الفجوة بينها وبين ما تسجله في برامجها كبيرة حقاً.
لم يكن صدام حسين غريباً عن المجتمع العراقي, فهو من هذا المجتمع الفلاحي, العشائري والديني, ومن أمثاله لا يخلو المجتمع, رغم أن بعضهم لم يتسن له الحكم حتى الآن. ولهذا جاء في مقال لي, مات الدكتاتور, فهل انتهت الدكتاتورية في بلادنا أو توقفت عملية إعادة إنتاج الدكتاتوريين.
إذا أردنا بناء دولة ديمقراطية اتحادية حديثة في العراق نحتاج إلى تغيير في العاملين المشار إليهما سابقاً, أي نحتاج إلى:
1. النضال من أجل بناء القاعدة المادية للمجتمع المدني الديمقراطي, بناء القاعدة الاقتصادية الصناعية والزراعية الحديثة, وتوسيع قاعدة الطبقة الوسطى والطبقة العاملة والمثقفين باعتبارها الفئات الحاضنة للمجتمع المدني والقادرة على تنمية الوعي الاجتماعي والديني والمنشطة للحريات والحقوق الديمقراطية والتداول الديمقراطي للسلطة …الخ. وهذه الوجهة تفسح في المجال إلى مكافحة البطالة والبطالة المقنعة وتوفير الأساس السليم لحماية كرامة الإنسان من الفقر والفاقة والحرمان.
2. النضال من أجل إرساء المؤسسات التشريعية الديمقراطية والعمل بها وبناء الحياة السياسية والحزبية على وفق أسس حديثة وإعادة بناء الأحزاب السياسية وتجديدها وإلزامها بالعمل وفق قواعد ديمقراطية وبعيدة عن الاتجاهات الفكرية العنصرية والشوفينية والطائفية السياسية والتمييز بمختلف أشكاله.
3. الالتزام باللوائح الدولية لحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق القوميات والعدالة الاجتماعية واللوائح الدولية الخاصة بالعلاقات مع الدول الأخرى وسبل حل الخلافات الداخلية وعلى المستويين الإقليمي والدولي.
4. وهذا التوجه يوفر أرضية صالحة لمحاربة الفساد المالي والإداري والكشف عنه بسرعة حين وقوعه من جهة, ومكافحة الإرهاب والأساليب الإرهابية في ترويع المجتمع وقتل الناس الأبرياء وتدمير الاقتصاد الوطني والثروة الاجتماعية من جهة ثانية.
ومن هنا تبدو للمتتبع حقيقة التفاعل والتشابك الضروريين بين العامل الموضوعي والعامل الذاتي والذي لا ينشأ بصورة ميكانيكية, بل يتطلب نضالاً دؤوباً من جانب القوى المثقفة والواعية في المجتمع.
الجواب الثاني
إن الإجابة عن السؤال الأول تكشف جوهر الإجابة عن السؤال الثاني من حيث البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربية والتعليم, وتضع نصب أعيننا, ونحن نناضل من أجل بناء الدولة الديمقراطية, أهمية منح القضايا التالية اهتماماً أكبر:
1, الاهتمام بالعملية التربوية والتعليمية التي تستغرق وقتاً طويلاً إلى حين الحصول على نتائج طيبة, تربية وتعليم وثقافة إنسانية ديمقراطية حرة بعيدة عن التعصب الديني والقومي أو التمييز بمختلف أشكاله. إن مكافحة أمية القراءة والكتابة لم تعد كافية, بل يفترض مكافحة أمية التعامل الواعي مع التقنيات الحديثة والثورة الجديدة في الحضارة الإنسانية الأكثر حداثة وتقدماً.
2. إعادة صياغة الكثير من بنود الدستور العراقي لجعله مفهوماً وواضحاً وليس حمالاً لأوجه عديدة أو تشوبه مسحة طائفية سياسية مريبة لا تمت إلى الدساتير الديمقراطية بصلة.
3. الفصل الفعلي بين السلطات الثلاث والاستقلال التام للقضاء وفصل الدين عن الدولة وممارسة بنود الدستور العراقي في ما يخص نزاهة الانتخابات العامة ووضع القوانين الكفيلة بممارسة الحياة الحزبية والسياسية بصورة عقلانية والتداول الديمقراطي البرلماني للسلطة. وليس هناك أهم من رفض بناء الأحزاب العراقية على أسس طائفية سياسية أو مذهبية, إذ أنها السبيل لزعزعة الوحدة الوطنية العراقية وتدمير النسيج الوطني للشعب العراقي بكل مكوناته القومية.
4. إن التفكير العقلاني يطرح ضرورة منح المثقفة والمثقف في العراق الدور المناسب والفعال في الحياة العامة وفي تعميق الوعي الوطني والديمقراطي للمواطن وعلى أساس المواطنة الحرة, وعلى أساس عدم التمييز بين المرأة والرجل, بل المساواة بينهما.
5. ولا بد من إلغاء المحاصصة الطائفية الراهنة التي عمقت ما كان موجوداً من تمييز طائفي في العراق قبل ذاك ومنذ تأسيس الدولة العراقية وتفاقم بعد ذلك, وخاصة في فترة حكم القوميين العرب والبعثيين الذين دمجوا عملياً بين القومية والمذهب السني واتهموا الشيعة بالشعوبية والعداء للعرب ظلماً وبهتانا.
إن بناء الدولة الديمقراطية عملية معقدة وصعبة كما أنها طويلة الأمد, إذ تبدأ بتغيير بنية الاقتصاد والمجتمع والوعي وتتواصل متزامنة ومصاحبة لدور فعال لوسائل الإعلام والثقافية والتربية والتعليم والمناهج التربوية والدراسية والممارسة الفكرية والسياسية للأحزاب العراقية.
الجواب الثالث
الأزمة العراقية أزمة مركبة تجمع بين الأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية والأزمة الثقافية والتربوية والتعليمية, إضافة إلى أزمة أخلاقية وقيم حضارية, أزمة دولة ومجتمع في آن واحد. وتبرز تجليات هذه الأزمات لا في كل مجال على انفراد حسب, بل وفي فعل كل منها وفي تشابك أفعالها وتداخل عواقبها أو التأثير المتبادل في ما بينها. هنا يمكن أن أورد مثالاً واحداً على المجال التربوي والتثقيفي:
حين نواجه في الساحة السياسة أحزاباً طائفية سياسية تعتمد المذهب كهوية وتمارس التمييز الطائفي السياسي, وحين تمارس هذه الصيغة في توزع المناصب الوزارية, سنجد تجليات ذلك في داخل كل وزارة وفي العلاقة بين الوزارات وكذلك بين كل الوزارات والمراجعين المتتبعين لمعاملاتهم اليومية, وستخلق إشكالية اجتماعية وحكومية في آن واحد وستنعكس على بقية مجالات الحياة. أو حين تكون المناهج الدراسية في المدارس الابتدائية محملة بفكر طائفي سياسي وقومي شوفيني سينعكس ذلك سلباً على العلاقة بين الطلبة ويتفاقم لينعكس على العائلات وعلى المجتمع بأسره, ثم ينمو في داخل الدولة ويتفتت النسيج الوطني. ويخلق أزمة ثقة في ما بين الناس وبين الناس والحكومة…الخ.
والأزمة الاقتصادية القائمة في العراق ذات طبيعة بنيوية, وتتجلى في بنية الاقتصاد وتجليات ذلك في البنية الاجتماعية. ويخلق هذا الواقع المتخلف بطالة واسعة وبطالة مقنعة, وتبرز تجلياتها في مشكلات اجتماعية ونفسية وأخلاقية كبيرة, وهو ما يعاني منه العراق حالياً.
الأزمات العراقية المتداخلة والمتبادلة الفعل والتأثير ليست بنت اليوم, وهي متراكمة عبر الزمن, ولكنها متفاقمة مع الأيام وبفعل عوامل عديدة جئت على ذكر أهمها في الإجابتين السابقتين, إذ لم تجر معالجتها بصورة سليمة.

الجواب الرابع
لقد نشأت الدولة العراقية باتجاهات ثلاثة, وهي:
1. دولة تقوم على أساس دستور مدني ديمقراطي يعتمد الملكية الدستورية الديمقراطية قاعدة للحكم في البلاد.
2. دولة اعتمدت المذهب السني في الإسلام, رغم أنها تميزت بالعلمانية من الناحية العملية, ولكنها لم تخل من التمييز الطائفي الممارس فعلاً.
3. دولة تعتمد قانون العشائر كمرادف للدستور المدني الديمقراطي.
وفي الممارسة العملية كنا نجد هذه الحالات الثلاث مع موقف شيعي ينبع من المؤسسة الدينية الشيعية مشجع على عدم المشاركة في الدولة ثم المشاركة فعلاً من جانب فئات المجتمع وبرز موقف المواطنة بوضوح أفضل, ولكنه بقى يعاني من التمييز, إضافة على التمييز ضد المرأة. وقد شكا الملك فيصل الأول من واقع المجتمع وفئاته المثقفة حينذاك.
جاءت ثورة تموز 1958 فأعطت زخماً جديداً لمبدأ المواطنة العراقية ومحاول معالجة المشكلات الطائفية بروح تقدمية, خاصة وأن قائد الثورة كان من أب سني وأم شيعية ولم يلتزم بالطائفية بل كان ضدها وعمل من أجل المواطنة والتي تجلت حين سؤل كيف يعين العالم الكبير الدكتور عبد الجبار عبد الله رئيساً لجامعة بغداد وهو صابئي مندائي الدين, فقال لهم بوضوح تام أنا عينته ريساً لجامعة بغداد وليس أماماً لجامع.
ثم جاء حكم البعثيين والقوميين, فكان التمييز الطائفي على أشده وتفاقم سنة بعد أخرى حين بدأت صحافة عدي صدام حسين بالإساءة لأتباع المذهب الشيعي بصورة وقحة وقبيحة, مما عمق مشاعر الخلاف, ولا يجوز بأي حال اتهام أتباع المذهب السني بالمسؤولية عما مارسته القيادة البعثية وعائلة صدام حسين في هذا المجال.
وحين سقط النظام دار الدائرة بعكس الاتجاه وأصبح المجتمع يعاني من طائفة مستفحلة شددتها الأحزاب السياسية الإسلامية والقائمة على أسس مذهبية وممارسات طائفية سياسية,
والدولة التي نهضت في أعقاب إسقاط النظام الدكتاتوري عبر الحرب الخارجية قامت على أسس طائفية وجدت تعبيرها في بنية مجلس الحكم الانتقالي. وبالتالي لم تنهض الدولة العراقية بتفتيت النهج الطائفي بل كرسته وعمقته ونقلته إلى الأوساط الشعبية وما اقترن بذلك من قتل متبادل على الهوية ونشاط قوى الإرهاب الطائفية والمليشيات المسلحة في هذا الصدد.
نحن بحاجة إلى ثلاث عمليات:
1. التخلي عن إنشاء أحزاب سياسية تقوم على أساس مذهبي وتمارس سياسات طائفية, بل نحتاج إلى أحزاب وطنية عراقية لا تعتمد الدين والمذهب أساساً لها.
2. التخلي عن ممارسة مبدأ المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب في الدولة وفي الوزارات والمؤسسات. ومن المؤسف أن نتابع الآن عودة قوى إسلامية سياسية مذهبية مرة أخرى إلى تحالفات ذات نهج مذهبي طائفي سياسي لا يقود إلا إلى انتعاش الطائفية السياسية المقابلة وإلى تصليب الانقسام والاصطفاف الطائفي في المجتمع. ومثل هذا النهج لا يفتت الطائفية بل ينشطها. وما جر بعض العلمانيين من أتباع المذهب الشيعي إلا محاولة جادة لتفتيت القوى الديمقراطية وعزلها عن محيطها ودورها الديمقراطي.
العراق ليس بحاجة إلى دولة مركزية جامدة ومتصلبة, بل بحاجة إلى دولة مدنية اتحادية ديمقراطية تعي دورها ومهماتها, وتضع القوانين الكفيلة بتوزيع المهمات على ثلاث مستويات على مستوى الحكومة الاتحادية وعلى مستوى ح-كومة الإقليم وعلى مستوى المحافظات. وهي الصيغة التي تجعل الجميع قوياً من خلال ممارسته لصلاحياته أو حقوقه وواجباته لإنجاز المهمات الملقاة على عاتقه.

الجواب الخامس
خلال سنوات العهد الملكي نمت الطبقة الوسطى العراقية ببطء شديد وعانت الكثير من المصاعب, ولكنها, وبالتعاون مع الطبقة العاملة والبرجوازية الصغيرة والمثقفين, لعبت دوراً مهماً في النضال من أجل إقامة المجتمع المدني ونشر الديمقراطية. وكانت لهذه الطبقة الوسطى ممثلون سياسيون مثل الحزب الوطني الديمقراطي, معبراً عن الوسط ويسار الوسط بشكل عام, في حين كان حزب الاستقلال معبراً عن يمين الوسط أو اليمين القومي للفئات الوسطى, أم حزب الجبهة الشعبية فكان يتحرك بينهما.
وفي تموز من عام 1964 تلقت الطبقة الوسطى الصناعية ضربة قوية من قبل القوى القومية, حين أصدر عبد السلام محمد عارف بناء على توصيات القوميين الناصريين, ومنهم الدكتور خير الدين حسيب, قرار تأميم مشاريع الطبقة الوسطى في الصناعة والتجارة على نحو خاص, بهدف التقارب مع إجراءات وقرارات التأميم التي أصدرها جمال عبد الناصر في مصر في الفترة بين 1961-1964. وقد أعاقت هذه الإجراءات نمو الطبقة الوسطى في العراق, وخاصة في مجال التصنيع, كما كانت قد أعاقت قبل ذاك تطور الاقتصاد المصري وأجهزت على الطبقة الوسطى بشكل خاص.
ثم تمتعت الطبقة الوسطى في العراق ببعض المكاسب في العقد الثامن من القرن العشرين والذي لم يستمر طويلاً, حيث كانت الغوص في سياسات الاستبداد ومصادرة كل شكل من أشكال الحرية ثم الحروب المتتالية. وتعرضت البرجوازية المتوسطة إلى ضربات قوية ولم تعد هناك في تسعينيات القرن العشرين طبقة وسطى بل انحدر أصحابها إلى مستوى الفئات البرجوازية الصغيرة مثلاً أو تركوا البلاد إلى الخارج. ونمت على أنقاض هذا الواقع بعض القطط السمان من أصحاب النعمة الحديثة من أتباع النظام وحاشيته وحواشيه.
واليوم لا نجد طبقة وسطى فعلية في البلاد, ولكن هناك نشوء جديد لطبقة وسطى لا تزال لا تحظى بأي اهتمام ورعاية ودعم. والمجال الملائم والضروري لنمو البرجوازية المتوسطة أو الطبقة الوسطى هو القطاع الصناعي والاستثمار الزراعي الحديث والنشاط التقني والأبحاث وفي مجالات التجارة الداخلية والمصارف والتأمين التي تعتمد على المنتجات المحلية وليس الاستغراق في الاستيراد إلى حد منع نمو طبقة وسطى صناعية وزراعية حديثة.
العراق يواجه مصاعب جمة في هذا المجال والذي تجسده تصريحات مهمة صادرة عن رئيس اتحاد الصناعات العراقي ورئيس اتحاد رجال الأعمال, إضافة إلى ما يطرحه الاقتصاديون المتخصصون في مجالات التنمية والتصنيع في البلاد.
إليكم الملاحظة التالية:
خلال الأشهر الأخيرة, دع عنك منذ تولي السيد المالكي رئاسة الوزراء التقى عشرات المرات بشيوخ العشائر والتجمعات العشائرية ألقى فيه العشرات من الخطب, ولكن لم يلتق ولا مرة واحدة باتحاد الصناعات العراقي أو باتحاد رجال الأعمال أو بأساتذة الجامعة, في ما عدا اجتماع ذوي الكفاءات القادمين من الخارج, كما لم يلتق بالاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق. إنها لظاهرة سلبية تعبر عن الموقف من المجتمع المدني من جهة, ومن المجتمع العشائري من جهة أخرى. وهي ظاهرة سلبية غير مقبولة ومؤثرة سلباً على وجهة تطور المجتمع.
5/9/2009 كاظم حبيب