الرئيسية » مقالات » الدكّة، من سعادته حتى سيادته..!

الدكّة، من سعادته حتى سيادته..!

دفنتْ وَجهَهَا في عينيها خجلاً..
.. دفنتْ عينيها في كلمةٍ توقف نصفها على شفتها السفلى..
.. دفنتْ شَفتها السفلى خلال الطيف المتربع على الرمال العطشى..
.. دفنت بذار الكلمات الضائعة في الرمل ورشّتها في حفنة أمل..
……………
صامتةً، مضت تلتقط أنفاسها التي ضاعت بين الحروف..
في الطريق قرب النهر، قَصَقصَتْ نصفَ الجُمَل..
شعرها الأشقر يخفي في ثناياه دخان السهر..
حاولت تجميل كلماتها، لكنها لم تكن حلاّقاً ماهراً..
غلّفتها بكلمات أخرى، كشفت فيها ما أرادت أن تستر..
……………..
جملٌ يتيمةٌ تهرب من رائحة “السمك” فوق النهر..
.. رائحة الدانوب لا تخطئ.. وفي قنوات أخرى تتحول..
.. رائحة الدخان الأمريكي في ثيابها الداخلية تفشي السر..
.. ذكّرتني بأوراق العمل.. ذكّرتني بالزميلة “عسل”..
………………..
الأستاذ اليوسفي سمّاها “عسل”..
كانت عيّنة من حوريات الجنة، لكنها كانت أعقل..
…………….
رائحة السمك النهريّ تُعيدُ قصة “عسل”، وسعادة القائم بالعمل..
منحة دراسية، شهادة عالية، والثمن كلمة نعم.. لا أكثر ولا أقلّ..
وقفت على حروف العلّة، جلست بكبرياء فوق كل العلل..
………
رائحة مكتب معالي السفير هي نفسها رائحة النهر يا “عسل”..
دراسة عالية، ثمن بضع ساعات كسل..
ساعات تتكرر حتى إشعار آخر..
لم يطلب كثيراً، لن ينشر سراً..
وعدها وكان صادقاً.. وعدته وكانت صادقة بلا مبرر..
وعدته.. وعادت للوطن، بعد نصف عامٍ من الضجر..
………….
الدَّين ممنوعٌ يا “عسل”.. سعرٌ ثابتٌ، ودفعٌ لا يُؤجَّل..
للصدق ضريبةٌ قد لا تحتمل..
وعادت “عسل”، وضاع الأمل..
………………..
في أول إبريل، رأيتهم يرشون العطر الفرنسي فوق النهر..
في أول نيسان، دفنت وجهها في عينيها خجل..
الأول من إبريل يتكرر في آذار وفي نوار..
رأيت طيفك يا “عسل” يتكرر في بروكسيل..
…………………..
قبل فترةٍ، التقيت الأستاذ اليوسفي..
وأول سؤال طرحه كان عن “عسلْ”..
بقيتِ شهد النحل يا عسلْ..
………..
(اليوسفي: أستاذ إيراني الأصل كان يدرّس في الجامعة.
“عسل”: اسم أطلقه الأستاذ اليوسفي على فتاة جاءت تدرس بمنحة من السفير، وعندما استحال على سعادته قطع دِكّة البنت، قطع المنحة، وعادت بلا شهادة للوطن، لكنها بقيت عسل..).

بودابست، 15 / 9 / 2009. .