الرئيسية » مقالات » التردي الحضاري في السلوك الأكاديمي لجامعة تكريت وموقف الدكتور محمد صابر عبيد!

التردي الحضاري في السلوك الأكاديمي لجامعة تكريت وموقف الدكتور محمد صابر عبيد!

تعاني الجامعات العراقية منذ أكثر من ثلاثة عقود من تفاقم حالة التردي في المستوى المناهج الدراسية والتعليم, إضافة إلى التجاوزات الفظة على المستوى المهني للدراسات العليا. كان من النادر حقاً أن تجد كليات استطاعت أن تحافظ على مستوى معين من العلمية والدراسات الأكاديمية بسبب التدخل المباشر للدولة وأجهزتها في الشؤون الأكاديمية. وقد لعب حزب البعث العربي الاشتراكي باتجاهاته القومية الشوفينية وسياساته الطائفية ومناهضته العدوانية للفكر الآخر دوراً أساسياً في تعميق التردي الذي حصل في المستوى الأكاديمي للجامعات العراقية, بحيث غادر الكثير من الأساتذة جامعاتهم للخلاص من ذلك التدني في المستوى والتأثير الحزبي وتدخل منظمة الطلبة البعثية في الشأن العلمي وفي نتائج الامتحانات وفي فرض منح الشهادات وطبيعة ووجهة ومضمون الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه). كما كان للاستبداد والقمع والإرهاب البعثي دوره في كل ذلك.
ولم يستطع سقوط النظام العراقي تغيير هذه الحالة, إذ سقط العراق في لجة الصراع الطائفي والقتل على الهوية وقتل الأساتذة والمثقفين والكثير من بنات وأبناء العراق. وقد أصبح العراق بالنسبة للمثقفين الديمقراطيين والعلمانيين جحيماً لا يطاق. ولم ينقطع التردي الحضاري في المستويات الجامعية بعد سقوط النظام, بل تفاقم, كما يتبين ذلك من الدراسات والتقييمات الموضوعية التي أعدها باحثون عن واقع الجامعات العراقية ومستوى التعليم والمناهج ومستوى الدراسات العليا.
ورغم كل ذلك لم تجرأ جامعة عراقية في فترة حكم البعث أن ترفض البحث في حياة شاعر أو كاتب عراقي بسبب الانتماء الطائفي الذي يراد دراسة شعره أو كتاباته. وغالباً ما كان الرفض يستند إلى قضايا فكرية وسياسية.
ومن هنا جاء الاستنفار العادل الذي بدأ به الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق حين استعرض لنا ما حصل في كلية التربية في جامعة تكريت. لقد رفضت لجنة خاصة في كلية التربية طلب أحد طلاب الدراسات العليا في كتابة أطروحة دكتوراه حول الشاعر العراقي المعروف والمبدع حسب الشيخ جعفر. ولم يأت هذا الرفض لأسباب علمية مشروعة, بل جاء صريحاً يحمل في طياته الجرح الذي لا يزال الشعب ينزف بسببه, جرح الطائفية المقيتة والعداء للفكر الآخر, للشيوعية والاشتراكية , ويحمل روح التحدي الفظ للمواطنة العراقية الحرة والمتساوية.
ليس غريباً أن يرفض موضوع معين من جانب الأستاذ المشرف على طالب الدراسات العليا لسبب علمي وعملي, ولكن الغريب حقاً أن يرفض الطلب بسبب أن الذي يراد البحث عنه وعن شعره ينتمي إلى طائفة دينية معينة وإلى فكر آخر ورأي سياسي آخر وإلى نهج آخر في الكتابة وحب الحياة؟ وتبرز الغرابة في جانبين:
الجانب الأول: كيف تسمح لجنة علمية جامعية لنفسها أن توجه أسئلة لأستاذ جامعي عبر الهاتف تستفسر منه عن الشخص المطلوب دراسة شعره من جهة, وأن الاستفسار لا يرتبط بمستواه الشعري عن هويته الفكرية والسياسية وعن هويته الدينية والمذهبية وعن اتجاهات كتاباته الشعرية.
والجانب الثاني: كيف يسمح أستاذ جامعي, وهو يحمل شهادة الدكتوراه ويدرك متطلبات مهنته الجامعية, لنفسه الإجابة عن أسئلة من هذا النوع ويقدم للجنة السائلة معلومات شخصية عن الهوية الفكرية والسياسية “شيوعي” للشاعر المطلوب دراسة شعره, وعن هويته المذهبية “شيعي”, وعن وجهته في البحث حيث كتب الأستاذ محمد صابر عبيد يقول ” إن شعره يمجّد الحياة واللذة الدنيوية”, دون أن يشعر بالخجل من نفسه وهو يقدم للجنة مثل هذه المعلومات؟
ما كان بودي أن أخوض في هذا الموضوع بعد أن كتب فيه العديد من الأخوة الكرام بعد صدور بيان الاتحاد, ولكن التوضيح الذي نشره الدكتور محمد صابر عبيد في “موقع إيلاف أقنعني الإلكتروني” بيَّن لي بأن الرجل لم يدرك الخطأ الفادح الذي ارتكبه وهي خطيئة أكاديمية وزمالية في آن واحد, كما أنها إساءة كبيرة لروح المواطنة العراقية. يضاف إلى ذلك أن الدكتور محمد صابر عبيد لم يجرأ على تقدم الاعتذار عن ذلك الخطأ إلى زميله حسب الشيخ جعفر ولا إلى الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق الذي يجمعهما في عضويته, ولا إلى كل الأكاديميين بسبب انتسابه لهم.
إن كل ذلك يعبر عن عدم احترام الرجل لشهادته ومهنته وللزمالة التي تجمعهما معاً, رغم الاختلاف بينهما, وأن ما طرحه في التوضيح يدخل في باب “عذره أقبح من فعله”. وحين تجنب ذكر أقبح ما في إجابته حين أشار للجنة الطائفة الدينية التي ينتمي إليها ليقول للطائفيين في جامعة تكريت إنه شيعي وأنتم سنة حنفية, وليؤكد لهم أنتم صداميون وهو شيوعي مناهض لكم, وأنتم متدينون (!), وهو شاعر يكتب ويمجد الحياة واللذة الدنيوية.
إن على وزير التعليم العالي من جهة, واتحاد الجامعات في الدول العربية من جهة أخرى, أن يدرسا مدى صلاحية مثل هذه اللجنة “العلمية” في تقييم وتقويم قبول أو رفض طلبات طلبة الدراسات العليا للموضوعات المقترحة لرسائلهم العلمية, إذ أن الرفض أو القبول لا يرتبط بالمستوى العلمي للمشروع ومدى منطقيته وبنيته الداخلية, بل يستند إلى المذهب الذي ينتمي إليه والفكر الذي يحمله والوجهة التي يكتب بها الشاعر المطلوب دراسة حياته وشعره.
كما أن المطلوب من كلية التربية أن ترفض موقف اللجنة وتسمح أما بتشكيل لجنة أخرى لدراسة الطلب أو تسمح لطالب الدكتوراه الشروع بالبحث والكتابة عن الموضوع الذي اختاره لرسالة الدكتوراه, وبهذا تصحح إدارة الكلية خطأ كان المفروض أن لا يقع, كما أن المفروض أن لا يتكرر.

15/9/2009 كاظم حبيب