الرئيسية » مقالات » نسبية الأخــــــــلاق و التدين

نسبية الأخــــــــلاق و التدين

إن تفشي النسبية المعرفية و الأخلاقية لا يعني انعكاسا لفراغ المحتوى كما يرى المسيري و ناقدوا العلمانية، و إنما يعود ذلك إلى تنامي الوعي التاريخي المعرفي و العقل الجماعي تجاه الماضي المتغير و تقبل التنوع، إذ لا محدد واقعي لأخلاق الناس، ففي فترة من الفترات كانت فتيات المجتمع “وهن سافرات” تعتبرن أي فتاة ترتدي الميني جوب أو التنورة القصيرة ما فوق الركبة، كن يعتبرنها منحلة أو عديمة الأخلاق، ثم انغلق المجتمع أكثر لتعتبر المحجبات ـ كل سافرة ـ منحلة الأخلاق، و قد كانت المحجبة المكشوفة الوجه تعتبر في أفغانستان طالبان “عاهرا” يجب تأديبها بالسوط أو الكرباج، من هنا نجد أن الأخلاق لها نسبيتها و هو ما أدركه الإمام علي حينما قال: “لا تربّوا أولادكم على ما ربيتم عليه فقد خُلقوا لزمان غير زمانكم”، و إذا كان إسلاميون “شيعة و سنة” يحتجون بالشرح زاعمين أن هذا لا يشمل “الأخلاق الدينية”، فهم مخطئون بالتأكيد لأن لا دليل ينهض بزعمهم، كما أن لا مقياس قطعا للفصل بين الأخلاق الدينية و المدنية، خصوصا و أن الإسلام يطلب من المؤمنين به تطبيق المعايير الدينية في كل مجالات الحياة، و بالتالي نجد أن قول علي بن أبي طالب و كل أقواله عن المجتمع و الحياة و الدين تدل على أن نسبية المعرفة و الأخلاق هو الثابت الوحيد في المجتمع، و فقدان المركزية و التوجه نحو النسبية لا يعني إلا الخروج من التقليد إلى حالة الإبداع الدائم.

و من ثم تتابع مزاعم المسيري حول هيمنة المؤسسات و البيروقراطيات و تفكك الأسرة و تفكك الإنسان هي نتيجة للعقل التقليدي اليقيني الذي لا يتطرق إليه الشك و السؤال و تكون نتيجته هو النقيض ـ أي تفكك المؤسسات و دوام الطبقية و تماسك الأسرة الشكلي و الظاهري فقط بمعنى أن مكون الأسرة موجود لكن الأسرة جائعة و مريضة و مليئة بالمشكلات و الإنسان الشرقي غير مفكك من حيث الظاهر فهو لا يطرح أي سؤال “إلحادي حسب مجتمعاتنا” و لكنه يسأل على الدوام عن أجنحة الملائكة و هل يستفيد الميت من قراءة الفاتحة أم لا و كم بابا لجهنم و كم فرسخا سيسقط الإنسان إلى أن يصل إلى الجحيم؟ دون أن ينتبه إلى واقعه المزري و المشين ـ بالتالي نستطيع أن نحكم على المسيري بأنه منظر بدرجة امتياز للدفاع عن التخلف و التبسيط و كراهية التعقيد، مع أن العالم مليء بالتعقيدات العلمية و الاجتماعية و السياسية.

كل النقاط المطروحة للنقد مسيريا ـ نسبة إلى المسيري ـ تعكس نظرته الخاصة الفردية الخاصة النابعة من نظرته كمنتمي إلى ثقافة مهزومة و هامشية و مندثرة و بالتالي فإن من الطبيعي جدا أن تجد في الثقافة المهزومة نوعا من التبرير للهزيمة عبر تحميل المنتصر “الغرب” تبعات الفشل و التخلف و التفكك الذي نعانيه، فإذا كان الغرب يعيش حالة الاغتراب و تفكك العائلة و العبثية و الإباحية و انهيار القيم الاجتماعية، و هو ما يعني أننا كشرقيين على نقيض تلك الحضارة بمعنى أن لدينا حالة الاستقرار و التماسك العائلي و الأخلاق و التراحم أو بقية من هذه الأخلاق إذا افترضنا واقعا أن الغرب قام بعلمنة مجتمعاتنا قسرا حسب المسيريين، لكن هذا الشرق كان و لا زال يعيش ـ رغم كل تلك المحاسن الأخلاقية المزعومة ـ حالة التخلف و التكالب على السلطة و الثروة و الفساد و الحروب الأهلية و الانقلابات ليس في العصر الحديث فحسب بل منذ بني أمية.

يصر المسيري على أن ظاهرة اللبرالية هي “غربية” انتماءا و روحا، و أن العلمانية ليست مرادفة للاستنارة و الحداثة بقدر كونها “مادية” غربية، و هذا بالطبع تجاوز لحقيقة أن كل الأفكار تبدأ ـ حينما تبدأ ـ و كأنها خاصة بشعب أو أمة من الأمم، مثلما كانت المسيحية تنتمي إلى بيئة الشرق الأوسط عند ظهورها و لكن بمرور الوقت أصبحت دينا خاصا بالغرب و أخيرا أصبحت دينا عالميا بحق، كذلك الإسلام كان يبدو في فترة من التاريخ و كأنه دين العرب دون غيرهم، لكن بمرور الزمن تنوعت تجليات الإسلام و مظاهر، مثالنا الثالث هنا هو التشيع، فقد بدأ بالظهور بين العرب في العراق و لكن في فترة من الفترات و لشدة تمسك الإيرانيين به بدا و كأنه خاص بالإيرانيين، و العلمانية هنا هي من هذا الصنف، إذ هي بدأت في الغرب و لكنها امتدت كتجربة سياسية ناجحة، و كذلك الأمر بالنسبة لتجربة الفدرالية ـ رغم كونها مسألة إدارة و كونها لا تمس صلب القضايا الجوهرية الإيمانية ـ و لكن المفكرين في الدول العربية و الإسلامية أو النخبة المقربة من الحكام، تتجه باتجاه تجزئة العلمانية و تحويرها بحيث تصبح مسألة ذوقية (جوانية) تتبع رغبات الحاكم و ذوقه و حاشيته التي تدعم حكمه.

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري:

و رغم أن نطاق عمليات العلمنة قد اتسع و أصبح شاملا، و رغم أنه تبين أن المتتالية المتحققة التي انتهت بالإمبريالية و نهب العالم و الإبادة النازية مختلفة عن المتتالية المثالية المفترضة السعيدة، و رغم تآكل بقايا المسيحية و أي نظم فلسفية تدور حول مركز محدد، و رغم تغول الدولة و وسائل الإعلام و قطاع اللذة، رغم كل هذا، فإنه لم يتم التوصل إلى نموذج تفسيري شامل مركب متكامل لظاهرة الوحدة الكامنة وراء التنوع” ـ العلمانية تحت المجهر ـ ص 34

فما يسميه المسيري هنا “الوحدة الكامنة وراء التنوع” لا تعني بالضرورة أن الناس يمكنهم الاختيار بين هذه الوحدة الكامنة و بين أن ينخدعوا بتجليات العالم المتعددة، فالحقيقة الكامنة وراء النظرية الشاملة إذا ما أردنا أن نستخدم مصطلحات المسيري، ليست شيئا نسبيا يمكننا تبسيطه كما يفعل المسلمون الآن، فبمجرد أن تذكر اسم الله “خالق العالم و علته” فإن التصور الإسلامي ينتهي مباشرة إلى استدعاء اسم الله المخطط على المساجد و الجوامع و رقع الخط، و ليس الله الواحد الذي يظهر في أسماء متعددة و تجليات العالم المتنوعة، فالحقيقة الكامنة كما وصفناها سابقا، ليست شيئا بديهيا يمكننا التوصل إليه بالجدل المنطقي و إنما عبر تجربة ذاتية شخصية يمكن اختبارها بالفعل {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} ـ الحجر 99 فاليقين و الإيمان هو درجة وعي لا يمكن الارتقاء بها عبر ثقافة التقليد، بل إن التجربة الدينية في كل العالم و حتى الظاهرة الإسلامية هي نقيض لفلسفة الإسلام الأول الذي يذم التقليد و العصبية و التحجر على عقائد الآباء و الأجداد، فكيف نقيم تجربة اليقين و الإيمان عبر إنسان وجد أباه مسلما و أمه تصلي فقام بهذا الفعل عن طريق أمر لا يعود لاختياره الشخصي، و لو كان والداه و بيئته تنتميان إلى يقينيات أخرى و بيئة مختلفة لكان منتميا إلى تلك البيئة، و لذلك نجد المنظمات الإسلامية و الدينية الأخرى تمارس إيمانها بكل حرية في بلاد الغرب الديمقراطي، و القيود التي وضعت على هذه المنظمات جاءت بعد العمليات الإرهابية في 11 سبتمبر و تفجيرات إسبانيا و لندن، بينما في بلاد المسلمين لا تعمل إلا تحت إشراف السلطة.

و تغول الدولة و تضخمها هو الآخر يمثل حلقة من حلقات اختبار الإنسانية لأنواع من التطور و الرقي في النظم السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الإنسان لا يصل إلى استنتاج ما إلا بعد أن يختبر النظام و القانون و يمكننا أن نجد في التحولات المتموجة للنظام الأمريكي عبر انتقال الفدرالية الأمريكية من الفدراليات القوية إلى المركز القوي و انتهاءا بالتوازن الدقيق بين صلاحيات المركز و الفدراليات (الولايات)، فهذا الانتقال كان نتيجة اختبارات و تجارب أدت بالناخب الأمريكي التصويت لصالح هذا الاتجاه و ذاك إلى أن انتهى الأمر إلى مرحلة التوازن الدقيق بين الولايات و حكومة المركز، و عملية الارتقاء بالإنسان وعيا و ثقافة لا يمكن أن تنتج بدون أن ندفع الإنسان باتجاه طرح كل الأسئلة، فكيف تستطيع أن تثقف شخصا في شؤون الجغرافيا و تمنعه من طرح الأسئلة عن طبيعة الأرض و تضاريسها و تأثير الزمن على الأرض و ما إلى ذلك، و كيف يتوقع المسيري أن تتطور بلداننا بدون التخلي عن نمط التفكير القديم و نمط العلاقات القديمة الذي كان يلائم المجتمعات المعزولة و ذات الطبيعة البدائية و التي لم تكن عن العالم شيئا.