الرئيسية » مقالات » عبد الله محمد الشلال (أبو مثنى)..وداعا

عبد الله محمد الشلال (أبو مثنى)..وداعا

فاجأني خبر وفاة الرفيق عبد الله محمد الشلال” أبو مثنى “في ألمانيا يوم الخميس الماضي 10-9-2009 رغم أنه يشكو من مرض السكري منذ سنوات ،فقد كان والحق يقال أكثر حيوية من الشباب وأكثر حركة ممن يدانونه في السن،وعندما سمعت بالخبر مرت أمام ناظري كشريط سينمائي الأيام الطويلة التي قضيناها معا نخوض معترك الحياة بحكم ما يربطنا من علاقات حميمة وصداقة طويلة وآصرة من قربى وزاد العلاقة وثوقا الهدف الواحد والطريق المشترك الذي يجمعنا ونحن نناضل سوية من أجل المبادئ والمثل العليا التي يسعى إليها الشيوعيين العراقيين واستذكرت الماضي بما حمل في طياته من صور تباينت بين الشدة واللين والضنك والرخاء :

وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفارقنا كأني ومالكا من الدهر يوما لم نبت ليلة معا

واستذكرت واستذكرت وعدت الى البدايات فقد كان الراحل الكريم من جيل يسبقني بأعوام قليلة وكنت مرافقا لهم بحكم ما لأخي الأكبر من وجود بينهم وهذا الجيل الذي واكب نضال الخمسينات بعد ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة تميز بميزات تختلف كثيرا عن الأجيال التي تعاقبت بعد الثورة فقد تربى هؤلاء تربية شيوعية خالصة وعملوا وفق قواعد تنظيمية أتسمت بالشدة والصرامة والضبط الحديدي ومارسوا أشكالا من النضال لم يتسنى لمن جاء في أثرهم الوصول إليها وتمتع هذا الجيل بميزات من العسير على الأجيال اللاحقة مجاراتها أو الوصول إليها وهي العلاقة الرفاقية الحميمة التي ندر مثيلها هذه الأيام فترى الواحد منهم لا زال يحتفظ بعلاقاته مع أقرانه وزملائه ورفاقه يتابع أخبارهم ويتفقدهم رغم كبر السن وظروف الحياة وتعقيداتها وهو ما نفتقده هذه الأيام في العلاقات الرفاقية بين الأجيال التي لم تتعلم شيئا في المدرسة الشيوعية ولم يتخلقوا بأخلاقها :

وإذا رأيت صديقه وقريبه لم تدر أيهما أخو الأرحام

نعم كان ذلك الجيل يحمل هذه المواصفات الفريدة النادرة ولا زال متمسكا بها لا يستطيع تغييرها والتحول عنها لذلك نجد أكثرهم لا مكان لهم بين من أمسكوا بناصية النضال هذه الأيام فيبدون غرباء عن مجتمعهم لما طرأ من تغيرات واستجدت من علاقات والراحل الكريم عانى ما عانى جراء مواقفه الحازمة وهو ما سنشير له في محله من هذه الذكريات.

ولد الفقيد في قرية الزرفية التابعة لناحية القاسم /محافظة بابل في أسرة كانت تتولى رئاسة العشيرة وتمتلك الأراضي الزراعية وتتمتع بسمعة عالية بين مثيلاتها من العشائر ،فكان أن أخذ طريقه للدراسة في المدارس الرسمية أسوة بأبناء عمومته الذين شكلوا البدايات الأولى لنضال الحزب الشيوعي في الريف والمدينة بحكم التأثير الكبير للرفيقين جبار حسن الشلال وجاسم حسن الشلال الذي واكب نضال الحزب وهو في بواكير الشباب أوائل الخمسينيات وأستطاع بما يمتلك من روح شبابية وجرأة ومبدئية عالية زج الكثير من أبناء عمومته في الحزب الشيوعي العراقي أمثال الراحل الكريم والدكتور مرتضى الشلال وجدوع الشلال وعبد الباري الشلال وعبد القيوم الشلال وغيرهم من آل شلال إضافة لتأثيره على مجموعة كبيرة من الشباب المتفتحين الذين شكلوا النواتات الأولى للتنظيم الشيوعي في القاسم وأمسكوا بناصية النضال بعد الثورة أمثال الرفاق الشيخ أحمد عبد الله و لطيف عبد هويش وعزيز حمزة الأحمد ومحمد جواد الشريفي وعبد الواحد حسن حسين السرحان وجاسم حسين الصكر وكاظم الحاج ظاهر وهادي حمد وجواد كاظم باقي وعبد الله كاظم العبيد وكاظم عبيسان وحسن سعيد وعلي حسين الصكر وغيرهم ممن تطرقنا إليهم في مذكرات سابقة ،وكان هؤلاء يشكلون هيئات المدينة والريف ويتولون قيادات المنظمات الجماهيرية بعد الثورة ومن الذين انصرفوا للعمل الحزبي وذاقوا صنوفا شتى من العنت والتعذيب والسجون.

في هذا الجيل كان الراحل أبو مثنى يعمل ضمن خطوط التنظيم الريفي ويتولى مسئولية العديد من الخلايا المتناثرة في الريف القاسمي وكان للتنظيم تلك الأيام امتداده الواسع مما أحوج الحزب لدفع الشباب لخوض أتون النضال ومتابعة التنظيم رغم عمرهم الحزبي القصير ومحدودية قابليتهم التنظيمية ،فأكتسب هؤلاء خبرات كبيرة من خلال ممارستهم العمل التنظيمي واختلاطهم بشرائح المجتمع المختلفة وما يحملون من مؤهلات ثقافية تعد كبيرة في حينها بسبب الجهل والأمية المتفشية في المجتمع قبيل ثورة الرابع عشر من تموز.

وقد كان لاندفاع هؤلاء وجهاديتهم العالية وحماسهم الثوري تأثيره على القرارات التي تتخذها المنظمات الحزبية ،فعندما أنحرف عبد الكريم قاسم بمسار الثورة وغازل القوى الرجعية والقومية فأعطاهم الضوء الأخضر للهيمنة على المنظمات الجماهيرية التي كان يقودها الشيوعيون قام عراك الزكم بلملمة فلول الآقطاع وبقايا الملاكين الصغار وشكل منهم جمعيات فلاحيه في محاولة لربط هذه المنظمات بعجلة الحكومة وبإيعاز من عبد الكريم قاسم رغم أن القيادات السابقة منتخبة بصورة شرعية وهي الممثل الحقيقي للفلاحين على الأرض لأن هؤلاء لا يمتلكون قاعدة في الأوساط ألفلاحيه ولا يعدون أن يكونوا ممثلين للسلطة أو جزء منها ،وقاموا بفتح مقر في المدينة قريبا من مقر إتحاد الشعب في محاولة لاستفزاز جماهير الحزب الشيوعي ودفعها لاتخاذ أجراء يفسح للسلطة في المجال لضرب الشيوعيين ولأن طبيعة قيادة المدينة تتصف بالاندفاع والحماس الشبابي فقد كان يتولى قيادتها تلك الأيام جاسم حسن شلال أبو منقذ وكان يساريا متطرفا وشيوعيا مقداما عرف بالشدة والحزم ومواجهة القوة بالقوة فاستدعى القيادات الحزبية وأوعز للعناصر ألفلاحيه بتهيئة أسلحتها لخوض المواجهة مع هؤلاء في حالة قيامهم بأي اعتداء على مقر اتحاد الشعب بعد وصول معلومات عن قيام هؤلاء بالتهيئة لشن اعتداء على المقر أو اغتيال الرفيق أبو منقذ وعندما سمع آل شلال بما يحاك بالخفاء هيئوا أسلحتهم واتخذوا من أطراف المدينة مكامن لهم وتسرب قسم منهم الى المدينة لمواجهة ما قد يحدث ومما سمعته في تلك الأيام أن الرفيق أبو منقذ قام بتوزيع الفلاحين بعد أن اخفوا أسلحتهم في أماكن قريبة وخصص خفارات للمقر تتكون من عشرات الرفاق الاقتحاميين وقام بجلب الزاد والمؤن لهم من شاي وسكائر بانتظار ما تسفر عنه الأمور،وكان الراحل أبو مثنى من ضمن المسلحين الذين عليهم التحرك وإخبار من هم خارج المدينة بما يحدث لتلافي الخطر.

وقد اتفقت العناصر الرجعية التي يقودها جاسم خشان ووداي محيسن مشعان وجواد العمر لنكاوي وغيرهم ممن لا تحضرني أسمائهم بالتنسيق مع أدارة المدينة وشرطتها بادعاء أن الشيوعيين ينوون القيام بهجوم صاعق على مقرهم ما دفع مدير الناحية لطلب النجدة من المتصرفية وقد أستدعى الراحل محمد جواد الشريفي بوصفه أحد القادة الشيوعيين لأن (ابو منقذ) في تلك الأيام ليس على استعداد لتلبية طلب الشرطة أو مديرية الناحية في التهدئة ومصر على خوض المعركة مهما كانت النتائج وأستفسر المدير وضابط الشرطة من الرفيق الشريفي عن الموقف وما وصلهم من معلومات عن نية الشيوعيين القيام بهجوم على مقر حثالات الإقطاع من أتباع عراك الزكم وممثلي السلطة ،فاخبره أنه لا توجد نية لذلك ولا يوجد تخطيط لافتعال معركة وأنه على استعداد لإيقاف أي تحرك أذا تعهد الطرف الآخر بالتهدئة وعدم القيام بهجوم وحصل الاتفاق على ذلك ولكن لا زالت الأوضاع متوترة والمنظمة في حالة إنذار ومسلحيها على أهبة الاستعداد لرد أي هجوم مباغت.

وفي اليوم التالي كانت هناك مناسبة وطنية خرجت جماهير الحزب الشيوعي للمشاركة فيها وكانت المدينة وريفها مقفلة للشيوعيين ويشارك في مثل هذه المظاهرات الآلاف من أهالي المدينة وأريافها ولأن مقر اتحاد الرجعين يقع على الشارع العام وبالقرب من مقر اتحاد الشعب ولابد للمسيرة من المرور أمامه فقد حرك هؤلاء الأغرار نفر من أتباعهم لأحداث البلبلة وقام أحدهم بضرب أحد المشاركين في التظاهرة بحجة اصطدامه به فما كان من الآخرين إلا الرد الفوري وفي لحظات شن الهجوم الكبير على مقر العصابات الإقطاعية فاضطر أولئك وهم لا يزيدون عن بضعة أنفار الى إغلاق مقرهم والاعتصام به ولكن الجماهير الثائرة لا تعيقها أو تردعها هذه الأجراآت فشنت هجومها الكاسح وأوسعوهم ضربا فكنت ترى الدماء النازفة من رؤوسهم ووجوههم ولولا تدخل بعض كبار السن ممن لهم مكانتهم الملحوظة في المدينة لحدثت مجزرة كبيرة راح ضحيتها الكثيرين لأن أولئك كانوا يخفون أسلحتهم النارية في المقر ولكن جبنهم وتخاذلهم أمام المد الجماهيري جعلهم يتورعون عن استعماله خشية أن يذهبوا بين الأرجل وسط هذا البحر الهادر من البشر وبذلك لم تسفر المعركة عن سقوط ضحايا وإنما أصيب معظم أولئك الأغرار بجروح بعضها خطيرة وصدر الأمر بتفرق المظاهرة وعودة القيادة الحزبية الى مقرها لترتيب الأوضاع.

وقد أستغل الحادث من قبل أدارة اللواء لشن هجوم مباغت على الشيوعيين وقامت باعتقال العشرات منهم وأحيلوا الى المجلس العرفي العسكري الذي حكم على بعضهم بالبراءة فيما حكم على آخرين بأحكام مختلفة منها السجن لثلاثة سنوات أو أقل وبعضهم ستة شهور وكان من ضمن المحكومين الرفاق جاسم حسن شلال ومحمد جواد الشريفي وفخري مجيد الشريفي وعزيز حمزة الأحمد وآخرين لا تحضرني أسمائهم وقد أضطر الكثير من الشيوعيين الى الاختفاء والعمل السري بعد الهجمة الشرسة للسلطة القاسمية .

في تلك الفترة أكمل الراحل ابو مثنى دراسته فانتقل للدراسة في بغداد وابتعد عن تنظيمات القاسم وكانت له أدوار وأدوار ستطرق اليها في الجزء الثاني.