الرئيسية » شؤون كوردستانية » الكورد و10 سبتمبر

الكورد و10 سبتمبر

للأمريكان 11 سبتمبر ( هم )، ولنا الكورد 10 سبتمبر ( نا )، والرقمان دالان، ولهما حمولاتٌ دلالية، فالدالُّ الأمريكاني يحملنا إلى حقله الدلالي المتمثل في وقائع ما جرى يوم 11 سبتمبر 2001 على أراضي الولايات المتحدة الأمريكية، من هجوم أنصار تنظيم القاعدة الإرهابي على برجي التجارة العالمي ومبانٍ أخرى، ليبلغ تالياً سيلُ جورج بوش الزبى، ويُدشنَ حرباً عالمية على الإرهاب والتنظيمات والدول المتورطة فيه، ويذَّكرنا الدالُّ الأمريكي بالخسائر الكبرى في الأرواح، منها في أقلِّ تقدير نحو ثلاثة آلاف مواطن أمريكي كانوا في البرجين المذكورين أثناء العمليات الإرهابية يومذاك، وتحول الدالُّ الأمريكي ( 11 سبتمبر ) إلى مناسبةٍ لفتح الولايات المتحدة وحلفائها لصفحة أخرى في تعاطيها مع العالم الثالث، قد يُدرجها البعضُ في إطار ( الحق الطبيعي للدول )، وقد يعدُّها البعض الآخر نتاجاً مباشراً للغبار المتولد عن انهيار برجي التجارة، لن نُفصَّل في القول عن 11 سبتمبر، يكفي أن نذَّكر في هذا السياق باعتقاد المفكر الفلسفي والسوسيولوجي الألماني ” يورغن هابرماس “، أن 11 سبتمبر هو أولُ حدثٍ تاريخي عالمي بالمعنى الحرفي للكلمة.
أما الدالُّ الكوردي 10 سبتمبر، فيحملنا إلى حقلٍ دلالي آخر، وبلادٍ أخرى هي سوريا، وهو وإن لم يكُ حدثاً تاريخياً عالمياً كحال 11 سبتمبر مع ” هابرماس “، لكنه حدثٌ سوري وكوردي تاريخي بإمتياز، صحيحٌ أن لا طائرات اصطدمت بأبراج في المناطق الكوردية السورية، فليس في المناطق إياها غير أبراج الغبنِ والحزن، وقلما تعثرُ فيها على أبنيةٍ طابقية مؤلفة من ثلاثة طوابق أو أكثر، ولكن 10 سبتمبر الكوردي والسوري يستمدُّ امتيازيته التاريخية من كونه شهد لأول مرة في عمر سوريا ومكونها الكوردي صدورَ مرسوم تشريعي رقمه / 49 /، يُصادرُ في مادته الأولى الحقَّ في ” إنشاء أو نقل أو تعديل أو اكتساب أي حق عيني عقاري على عقار كائن في منطقة حدودية أو إشغاله عن طريق الاستئجار أو الاستثمار أو بأية طريقة كانت لمدة تزيد على ثلاث سنوات لأسم أو لمنفعة شخص طبيعي أو اعتباري إلا بترخيص مسبق سواء كان العقار مبنياً أم غير مبني واقعاً ضمن المخططات التنظيمية أم خارجها “، وتُحرِّمُ مادته الرابعة في الفقرة – أ – المواطن السوري من الحق في تسجيل أي دعوى قضائية متعلقة باكتساب الحقوق الواردة في مادته الأولى، فيما حرمت الفقرة – ب – من المادة الرابعة المواطن من حق حيازة سندات تمليك بأرضه أو عقاراته الكائنة في المناطق الحدودية .. إلخ ما ورد في متن المرسوم / 49 / لعام 2008.
ويمكن القول زيادةً في الإيضاح، أنَّ المرسوم المذكور يربطُ عمليات بيع وشراء الأراضي الزراعية والعقارات المبنية في المناطق السورية الحدودية بالحصول على ترخيصٍ إداري من جهات مختصة في الدولة، وألغى المرسوم المذكور الدعوى القضائية المسماة ” تثبيت بيع عقار “، إذْ يمكنُ تسجيل هكذا نوع من الدعاوى القضائية في المناطق السورية الحدودية، إلا بعد الحصول على الترخيص الإداري الذي يبدو من المستحيلات في الحالة السورية، لخشية المواطنين من مراجعة الدوائر الحكومية، حتى إذا ما كان الهدفُ من المراجعة دفعُ الفواتير المستحقة، فما بالكم لو كانَ الترخيصُ الإداري مرتبطاً بوزاراتٍ وباستمزاجِ آراء جهات أمنية.
وإذا كان المرسوم 49 زادَ في طنبور الإجراءات الاستثنائية التي تطالُ السوريين بعامة والكورد بخاصة وتراً جديداً، وصار إجراءً آخر وتدبيراً آخر، مضافاً إلى سلة المراسيم والقوانين والإجراءات الاستثنائية السابقة المتمثلة على سبيل المثال لا الحصر في : الحزام البعثي، والإحصاء الاستثنائي لعام 1962 ، وقانون الطوارىء، وقانون إعدام الإخوان المسلمين، فإنه زادَ أيضاً في طنبور كشف عورات الأحزاب السياسية السورية عامة والكوردية منها خاصة وتراً جديداً آخر، فلقد أثبتَ المرسوم 49 أن الأحزاب السياسية السورية ومنها الكوردية لا تزالُ متدافعة على إناء البيانات والتصريحات، ولا يوجدُ فعلياً على مفضلتها سوى مراجعة الأجهزة الأمنية، وهو أمرٌ غريبٌ إذا ما علمنا أن غالبية تلكم الأحزاب تعدُّ نفسها معارضة، ومندرجة فعلاً في أطرٍ معارضة، ولكن خطواتها العملية تشي بكونها أحزاباً عرضحالجية، ولا تجيدُ سوى صنعة التوسل، وبناءً عليه كان ردُّها على المرسوم الذي عدُّوه في بياناتهم نكبة ما بعدها نكبة خجولاً وغير مرئي.
لا نريدُ أن نغمطَ أحداً حقه، وننكرَ حراكه المُبادر والسريع في الردِّ على المرسوم 49 ، فغالبية من الأحزاب الكوردية قصدت العاصمة في 2 نوفمبر 2008 بغية الاعتصام أمام مبنى مجلس الشعب السوري، ولكن جنين الاعتصام أُجهضَ كما نعلم، واُحتجزَ العشرات من النشطاء الكورد، بينهم قياداتُ الصف الأول في بعض الأحزاب الكوردية، لساعاتٍ لدى الشرطة والمخابرات، قبل أن يُطلقَ سراحهم، وهي محاولةُ الاعتصام التي قاطعتها أحزاب كوردية معروفة كانت حاضرة في التنسيق والإعداد للاعتصام، ثم انقلبت معتصمة بالفعل البروتوسي، منسقة كلَّ بيضها في سلالِ فروعٍ أمنية وعدتهم خيراً، ليُفاجىء الجميع بصدور المرسوم / 432 / باقتراح من وزير الدفاع السوري، يجعل ثلثي مساحة سورية مناطق حدودية يطبق عليها المرسوم / 49 / .
بعد إجهاض محاولة الاعتصام أمام مجلس الشعب السوري في العاصمة دمشق، دخلت الأحزاب الكوردية في نفق الصمت، لتخرج علينا في الأسبوع الأخير من شهر فبراير 2009 ببيانات داعية إلى الوقوف الصامت يوم 28 فبراير في أزقة وشوارع المدن الكوردية السورية احتجاجاً على المرسوم 49 ، ولكنها اختلفت مجدداً في التفاصيل، وتحديداً حول عدد دقائق الوقوف الصامت ذاك، بين مطالب بالوقوف 5 دقائق ( حزبا الوحدة والتقدمي والمستقلين المرتبطين بهما )، و10 دقائق ( غالبية الأحزاب الكوردية الأخرى )، ودقيقة واحدة ( بيان إطار غير معروف أطلق على نفسه تسمية الحركة السياسية الوطنية الديمقراطية في سوريا )، وغابَ عن النشاطين المذكورين حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي اكتفى بتنظيم تظاهرات احتجاجية ليلية مبتسرة في العديد من المدن، ولكنها لم ترقَ إلى المأمولِ منه كحزبٍ أول من حيث الجماهيرية في الساحة الكوردية السورية.
ولعل ما قامت به شخصياتٌ وطنية في محافظة الحسكة ( بينهم الكاتب حسين عيسو )، من إطلاق حملة تواقيع، وتشكيل وفدٍ قصدَ العاصمة دمشق، بنيَّة لقاء رئيس الجمهورية، وتسليمه العريضة الشعبية، المُذيَّلة بتوقيع نحو 46 ألف مواطن / مواطنة، كان الحراك الأكثر لفتاً للانتباه والأبرز في الرد على المرسوم 49 وتداعياته السلبية المرتقبة، أما المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية في سوريا، فقد اكتفت بالبيانات القليلة والشجب والاستنكار والاحتجاج اللفظي، كعادتهم في التعامل مع أي حدثٍ أو طارىء يُلمُّ بالبلاد، ومن الضروري الإشارة إلى أن غالبية المنظمات الحقوقية والأحزاب السياسية غير الكوردية قررت الانخراط في السكوت الأثير والمفضَّل لديها.
الآن، وفي الذكرى السنوية الأولى لوقوع الفأس في الرأس، وتهشيمه لقطاعاتٍ مجتمعية عريضة في المناطق الحدودية، وإصابته لفئات مجتمعية بالشلل – حيث أشارت تقارير إخبارية فوت صدور المرسوم التشريعي رقم / 49 / إلى أن أكثر من ستين مهنة ستتضرر من تطبيق نصوص مواده، وهذا ما نلاحظه عيانياً في العديد من المناطق السورية منذ سبتمبر 2008 وإلى تاريخه – هل هنالكَ ما يمكنُ عمله، غير إطلاق المراثي والبيانات والمندبات، أم أن جميع الطاقات والإمكانات استنزفت مذ أجهضت محاولة الاعتصام أمام مجلس الشعب في 2 نوفمبر 2008 ، ووصل الوقوف الاحتجاجي في 28 فبراير 2009 إلى حائط مسدود ولم يؤتي أكله، وذهبت محاولة وفد محافظة الحسكة مع عريضته المذيلة بآلاف التواقيع أدراج الهوة التي لا تجسر بين المواطن والمسؤول في سوريا ؟.