الرئيسية » مقالات » لماذا يصر الجنرال عون على مواجهة الفلسطينيين ؟

لماذا يصر الجنرال عون على مواجهة الفلسطينيين ؟

لا تظلمَنَّ إذا ما كنت مقتدراً فالظلم آخره يأتيك بالندم. وقيل أيضاً ان اكثر الناس احساسا بالظلم هو من عايش مرارته، لكن هل يمكن من عاش ظلامة ان يكون هو نفسه ظالما؟ الحياة اليومية تحفل بعشرات القصص التي تؤكد امكان ان يكون المرء ظالما ومظلوما في الآن نفسه.
ينقل عن العماد ميشال عون تأثره الشديد بموجة التهجير التي تعرض لها الشعب الفلسطيني عام 1948، وهو اليوم احد الذين يتألمون لاستمرار معاناة اللاجئين الفلسطينيين ومحنتهم. وهذا امر ليس بغريب على من عايش مرارة التهجير لمدة خمسة عشر عاما. والعكس صحيح ايضا، فالفلسطينيون، في اوقات سابقة، تعاطفوا مع محنة الجنرال، وحين عاد الى لبنان بقيت فئة كبيرة من فلسطينيي لبنان على تعاطفها، ادراكا منهم لمعنى اللجوء والتهجير اولا، وللمواقف السياسية التي اتخذها الجنرال عون من القضية الفلسطينية واقتناعه بأن الخطر على لبنان وعلى المسيحيين في المنطقة يكمن في المشروع الصهيوني.
الصورة اليوم تبدو مختلفة الى درجة النقيض، سواء لدى الجنرال او لدى الفلسطينيين. صحيح ان مواقف العماد عون من القضية الفلسطينية والمشروع الصهيوني ربما لم تتغير، لكن مواقفه الحادة من فلسطينيي لبنان تجعل الكثير من الفلسطينيين واللبنانيين قبلهم يطرحون علامات استفهام حول هذا الانفصام في الموقف. فكيف يمكن التوفيق بين دعم الفلسطينيين ومقاومتهم المسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وذلك الموقف العدائي من فلسطينيي لبنان، والذي يجد ترجماته المباشرة في الموقف من الحقوق الانسانية ومن اعمار مخيم نهر البارد؟
ولعل السؤال الذي يردده الفلسطينيون في لبنان هو حول اسباب هذه المواقف التي فاقت في حدتها كل التوقعات حتى من تلك الاطراف التي سبق لها ان كانت طرفا في الحرب الاهلية اللبنانية.
هنا قد لا يكون مفيدا الدخول في تفاصيل التجاذبات الداخلية اللبنانية، لكن لا يمكننا قراءة مواقف الجنرال الا من زاوية الاوضاع الداخلية اللبنانية، ومحاولة البعض استخدام الموضوع الفلسطيني لتحقيق مكاسب محلية، حتى لو جاءت على حساب هذا الشعب الذي يؤكد العماد عون دعمه لقضيته ليلا ونهارا. ففي تفسير هذه المواقف، لا بد لنا من توضيح بعض المفاهيم:
العروبة
شكل هذا العنوان محور الصراع الداخلي منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وما زال احدى النقاط الخلافية حول موقع لبنان ودوره في الصراع العربي – الاسرائيلي. والمفارقة ان حملات العداء ضد الفلسطينيين في لبنان تأتي من قبل الطرف الذي يزعم انه المدافع عن العروبة، بحيث يصبح مفهوم العروبة مفصلاً على مقاس هذا التيار السياسي او ذاك، بما ينسجم ومصالحه السياسية. وهذا ما توصل اليه النائب وليد جنبلاط عبر المواقف النقدية لقوى 14 آذار، ولعل بعض قوى المعارضة احوج ما تكون الى مثل هذه المراجعة، وهذه مسؤولية القوى المنضوية في اطار المعارضة والتي تعتبر حليفة ومقربة جدا من الفلسطينيين.
فحين نتحدث عن العروبة كمفهوم حضاري، وكمعيار في اطار الصراع العربي – الاسرائيلي، فنحن بالتأكيد لا نقارب هذه العروبة انطلاقا من بعض الخلافات الناشئة في بعض البلدان العربية كالمقارنة بين العرب والبربر في المغرب العربي او بين العرب والاكراد في العراق، او العداء لايران على سبيل المثال. فلعقود خلت، بقيت القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية، عليها توحد العرب وبسببها تفرقوا، وكان معيار الانتماء للعروبة هو مدى الاقتراب او الابتعاد عن هذه القضية. نعم، قضية فلسطين هي معيار الانتماء الحقيقي للعروبة. رغم ذلك، تبقى هذه “العروبة” محط اجتهاد الكثيرين. فحين يدعو الزعيم معمر القذافي مثلا الدول العربية الى طرد جميع الفلسطينيين من اراضيها كي يضطروا للذهاب الى بلادهم، فهذه دعوات تبيحها معايير الانتماء للعروبة. وحين يُسحق الفلسطينيون في لبنان وتمارس بحقهم كل صنوف القهر: تُحاصر جميع مخيماتهم بذريعة محاربة الارهاب، يُمنع عنهم التملك ويُحرموا من حقهم بالعمل ومن جميع حقوقهم الانسانية، يخرج احدهم مبررا هذه الاجراءات بالحفاظ على حق عودة الشعب الفلسطيني “المقهور من قبل الاسرائيليين”. بماذا تختلف هذه التدابير مثلا عن الشعارات التي رفعت في زمن الحرب الاهلية؟ بالنسبة لهؤلاء انت عربي بمقدار قهرك للفلسطيني في لبنان.
تختلف الظروف والاماكن لكن السبب واحد: يُقتل الفلسطيني وتمارس بحقه كل صنوف القهر البشري، لكن ليس على يد اسرائيل فقط. هم قُتلوا سابقا في الكويت وفي ليبيا واليوم يُقتلون في العراق، يجوبون الارض الى البرازيل وتشيلي وغيرها، بحثا عن مأوى لهم هربا من اشقاء عرب. وفي لبنان حورب الفلسطيني وارتكبت بحقه ابشع المجازر تحت ستار “القومية اللبنانية”، وهناك من اعتقد بأن هناك شعبا زائدا ولا بد من التخلص منه ولو بقوة السلاح ودائما للحفاظ على الكيانية اللبنانية في وجه التوطين الفلسطيني. وحين فشلت مؤامرات تهجير الفلسطينيين في منافي الارض، كانت الاستراتيجية البديلة تكديسهم داخل مخيمات لا تصلح للحياة الآدمية ويمنع عنها الماء والهواء. وكل ذلك تحت يافطة العناوين ذاتها. وهنا تصح مقولة الراحل شفيق الحوت: “مع فلسطين وضد الفلسطينيين”.
التوطين
لهذا المفهوم معنى واحد. هو استبدال الوطن بوطن آخر بديل، وليس كما يعتقد البعض الحصول على جنسية اخرى. فمعادلة التوطين تفترض نظريا موافقة البلد المضيف، وهذا ما يرفضه لبنان، ولا يمكن ان يتحقق الا بموافقة السلطات اللبنانية المعنية. كما تفترض قبول اللاجئ الفلسطيني الإقامة الدائمة خارج وطنه والتخلي عن حق العودة إليه، وهذا ما يرفضه جميع الفلسطينيين. وما دام الطرفان، يرفضان التوطين، ويتمسكان بحق العودة، فإن خطر التوطين يفقد الكثير من تأثيره ويتحول إلى مجرد مشاريع وسيناريوات وأفكار يمكن العمل على التصدي لها وقطع الطريق عليها.
إذا كانت الامور كذلك، فأين تكمن المشكلة؟ المشكلة هي في طريقة تعاطي بعض السياسيين اللبنانيين مع ما يحدث من تطورات خاصة بقضية اللاجئين. فبعضهم يتحدث عن مشروع تفصيلي ومتكامل مشيرا الى اتفاقية جنيف – البحر الميت، معتقدا انه يذيع سرا لا يعرفه سواه، وبعضهم الآخر يرسم سيناريوات مقسما الفلسطينيين في لبنان بين عسكر ومثقفين واغنياء وفقراء، سارحا في خياله بأن اسرائيل قد ترفض اعادة العسكر والفقراء، وبالتالي سيجبر لبنان على قبولهم. وثالثهم يساهم متبرعا في اختيار الدول التي قد تقبل بالفلسطينيين بعد مغادرتهم لبنان. وتمتد طاحونة الخيال لتقدم مشاريع متكاملة وجاهزة للاستعمال بحيث يبدو للسامع والمشاهد بان قضية اللاجئين قد انتهت او شارفت على الانتهاء.
ان قضية اللاجئين الفلسطينيين لم يعد ينظر اليها من قبل بعض الساسة اللبنانيين الا من زاوية كونها قضية منتهية وعلى لبنان رفع الصوت كي لا يأتي الحل على حسابه. فعندما يدعو احدهم مثلا الى انصاف العمال الفلسطينيين واقرار حقهم بالعمل بحرية، تفسر هذه الدعوة بأنها مشروع توطيني. وعندما يطالب بتشريع حق الفلسطيني بتملك مسكن او محل يأتي الرد صارما، بأن هذه قضية قد تقود الى التوطين او هي التوطين بعينه. بل ان مخيم نهر البارد الذي دمر بالكامل نتيجة اسباب وظروف خارجة عن إرادة الفلسطينيين ينظر الى قضية إعماره على أنها مقدمة للتوطين. الأهم من هذا كله، ان بعض القوى اللبنانية التي تتحدث عن التوطين وتبرر رفضها له بعوامل داخلية لبنانية (طائفية) تختصر المشكلة بتقديم حلول مجزوءة وتؤكد في الوقت ذاته انها مع حق عودة اللاجئين وفقا للقرار 194، وهو ما يجعل التباين واضحا بين المواقف اللبنانية والفلسطينية حول هذه القضية.
صحيح ان الطرفين اللبناني والفلسطيني يرفضان التوطين، لكن الصحيح ايضا ان كليهما يرفض التوطين على طريقته. فبعض القوى اللبنانية ترفض التوطين انطلاقا من عدم قدرة لبنان على تحمل هذا العدد الكبير من اللاجئين على ارضه وبما يؤثر على التركيبة اللبنانية الشديدة الحساسية. والاساس في مواقف هذه القوى انها لا تمانع في توطين الفلسطينيين من حيث المبدأ شرط ألاّ يكون ذلك على حساب لبنان، فيما وجهة النظر الفلسطينية تقول ان رفض التوطين يجب ان يقترن اولا بالتأكيد على حق العودة وفقا للقرار 194، ورفض اي حل توطيني سواء في لبنان او في اي مكان في العالم. وان اي حديث عن رفض التوطين خارج اطار حق العودة يصبح مجرد كلام للاستهلاك الداخلي.
اعمار مخيم نهر البارد
منذ بداية ازمة مخيم نهر البارد، ابدى الفلسطينيون كل تعاون مع الحكومة والجيش اللبنانيين فادانوا مجموعة “فتح الاسلام” ورفعوا الغطاء السياسي والشعبي عنها، وهو الموقف الذي كانت تطلبه الدولة. وإذا كانت لدى الجنرال عون حساسية معينة لناحية استشهاد عدد كبير من افراد الجيش اللبناني، فقد عبر الفلسطينيون بمختلف انتماءاتهم عن تعاطفهم مع ذوي الشهداء واعتبروا ان شهداء الجيش هم شهداء الشعب الفلسطيني، وما زالت تربطهم بالجيش علاقات وطيدة ويقفون في الخندق نفسه في مواجهة العدوان الاسرائيلي. وقد عبرت المؤسسة العسكرية عن هذا الموقف حين اعتبرت ان معركة نهر البارد هي معركة اللبنانيين والفلسطينيين في مواجهة الارهاب الذي استهدف الطرفين معا. واية مساعي لتوظيف هذه القضية داخليا ليست سوى محاولات رخيصة ومكشوفة.
رغم وضوح هذه الحقيقة، حاول الجنرال، ومنذ اليوم الاول لانتهاء العمليات العسكرية ان يزج بازمة مخيم نهر البارد في السجالات الداخلية واعلن رفضه اعادة اعمار مخيم نهر البارد، بذريعة عدم سعي الدولة لاعادة المهجرين اللبنانيين الى الجبل. وفي هذا خلط متعمد ومقصود بين اعمار القرى اللبنانية التي تعتبر شأنا داخليا لبنانيا خضع ويخضع للتجاذبات الداخلية على طرفي الموالاة والمعارضة، ومخيم دمر نتيجة ازمة لا علاقة للفلسطينيين بها. والأهم من ذلك ان رئيس وزراء “كل لبنان” تعهد وبشكل علني اعادة اعمار المخيم من جديد. وبالتالي عدم صحة المقارنة بين القرى اللبنانية التي دُمّرت نتيجة حرب الجبل خلال فترة الثمانينات ومخيم دُمّر نتيجة قتال بين الجيش اللبناني ومجموعات أمنية لا تمثل الحالة الفلسطينية في لبنان.
والاغرب من كل ذلك، هو تصدي “تكتل الاصلاح والتغيير” لحملة عدم اعمار مخيم البارد، من خلال مراجعة الطعن الذي تقدم به التكتل امام مجلس شورى الدولة. وهل يدرك اصحاب هذه المراجعة ان حملتهم هذه تعني العداء الكامل مع عموم الحالة الفلسطينية في لبنان؟ لذلك لم يكن مستغربا ان تطلق الهتافات المعادية من المسيرات التي نظمت في العديد من المخيمات تضامنا مع مخيم نهر البارد واعماره، خاصة بعدما تردد في المخيمات ان بعض نواب كتلة الجنرال سينفذون اعتصاما بالقرب من مخيم البارد أو داخله كتأكيد على موقفهم الرافض لإعمار المخيم. وما هو النصر الذي قد يحققه الجنرال ببقاء اربعين الف مهجر خارج منازلهم؟ وهل هذا هو نهج الاصلاح والاعتدال ومحاربة الفساد الذي ينادي به؟
أين تكمن مصلحة الجنرال ميشال عون في شن حرب على الفلسطينيين في لبنان، في وقت لم يكن الجنرال عون وتياره طرفا مباشرا في الحرب الاهلية اللبنانية، خاصة ان جمهور التيار في معظمه من الجيل الشاب الذي لم يعايش الحرب الاهلية ومن بعض المثقفين وقدامى المؤسسة العسكرية؟ فما هو سر هذه المواقف، وما هو سر صمت حلفاء الجنرال خاصة “حزب الله”. فأمين عام الحزب السيد حسن نصر الله سبق له ان اعلن خلال العمليات العسكرية في البارد ان المخيم خط احمر، ورغم ادراك الفلسطينيين حساسية موقف “حزب الله” في تلك الفترة وعدم قدرته على فرض موقفه بعدم تدمير المخيم، الا أنه ما ليس مبررا ان يبقى الحزب على صمته من تصدي الجنرال وكتلته لحملة عدم اعمار المخيم.
لقد اعطت الحرب الاهلية اللبنانية ومسبباتها دروسا للجميع. فسياسات القمع التي فرضت على المخيمات قبيل الحرب لم يجد لها اللاجئون مبرراً وتفسيراً سوى أنها كانت تعبيراً عن عقلية معادية لقيم القومية العربية، وهي التي شكلت العامل الرئيس والدافع في أن أول ما فعله اللاجئون حين امتلكوا السلاح في المخيمات هو اغلاق المخافر الأمنية، باعتبارها رمزاً للقمع ولسياسة التمييز ضدهم، وأنشأوا مؤسسات لإدارة شؤونهم بأنفسهم، ليس من موقع الرغبة في التعدي على السيادة اللبنانية، بل من موقع رفض الخضوع للقمع والأحكام العرفية وسياسة الإذلال المتعمد التي كانت مفروضة عليهم.