الرئيسية » المرأة والأسرة » الطفل في طقوس الكبار

الطفل في طقوس الكبار

الطفل هو ذلك الكائن الإنساني الذي لم يكتمل تطوره بعد، لا من الناحية الجسدية ولا من الناحية الذهنية، ولذلك فلقد أجمعت الديانات على عدم تكليف الطفل بالأوامر الدينية والعقاب والجزاء عليها، وعدم خضوعه لمبدأ المحاسبة خلال فترة عمرية محددة، وإنما حاولت الديانات أن تقرنه بحالة البلوغ التي تختلف بين ديانة وأخرى وتختلف بين الذكر والأنثى،

ولكن الحال أن بعض الناس وممن لم يحسن التعامل مع هذا العرف الديني أو القانون الديني، السليم أساسا، قد حاولوا، وبكل ما أوتوا من قدرة، إشراك الطفل في طقوس دينية قد تكون خطرة على الطفل صحيا سواء من جهة الصحة الجسدية أو الصحة النفسية.
يحاول الكثير من المسلمين، وغالبا عن حب في دينهم، أن يعلموا أولادهم الطقس الرمضاني بإرشاد أطفالهم من غير البالغين إلى الصيام، وإن كان البعض يحاول أن يعلمهم بجعلهم يصومون من الصباح إلى الظهر أو من الظهر إلى المساء، إلا أن البعض يعرض أطفاله لفعل الصوم من الصباح إلى المساء متناسين الأخطار الكثيرة التي من الممكن أن تصيب هؤلاء الأطفال جراء الجوع الذي من الممكن أن يسبب مجموعة من الأمراض ونقص في بعض ما يحتاجه الجسم من المواد الغذائية الهامة والضرورية، ولكن الكثير منهم يحاول التحجج بضرورة تعليم الأطفال الصوم منذ الصغر ليكونوا على أهبة الاستعداد للعبادة مستقبلا.
وإذا ما كان هذا الضرر الجسماني قابلا للتحقق بحق هؤلاء الأطفال فإنه قد يكون أهون من آثار ذلك الطقس الذي يمارسه الكبار والصغار في الطقس الحسيني الذي يؤدي إلى جرح هؤلاء الأطفال جسميا وجرحهم نفسيا لدرجة لا يمكن تصور الحدود التي من الممكن أن تصل إليها آثار هذه الطقوس ومشاركة الأطفال فيها، وخاصة أنهم في مثل هذا الطقس يدخلون عوالم من الدم والتعذيب والبكاء الذي من الممكن أن تقرن مخيلتهم مستقبلا بصور كثيرة من العنف.
وإذا لم يكن الدين قد كلف هؤلاء الأطفال ما لا طاقة لهم عليه، فلماذا نصر نحن على تحميلهم ذلك العبء الذي من الممكن أن يؤدي إلى أنواع مختلفة من التأثيرات على سلوك الطفل، ومن الممكن أن يحيله إما إلى نوع من الخضوع السلبي لتعاليم قد تلتبس عليه نتيجة لتلقيه إياها تلقيا، أو تحيله إلى نوع من التمرد على الذات الشخصية والذوات الأخرى المخالفة حسب الاعتقاد، المتكون لدى هذا الطفل، لما يجب أن يكون.
إن إقحام الطفل والطفولة فيما يعتقده ويمارسه الكبار ليس بالأمر الهين وليس بالأمر القابل لأن يكون موضع نسيان وتجاهل لما له من كبير الأثر على المجتمع بأسره، لأن بناء المجتمع يمر عبر بناء هؤلاء الأطفال الممثلين لأجيال ستقوم هي بإدارة كل الشؤون في عالمها مستقبلا.
إن التسليم بفكرة أن الطفل هو من يتجه تلقائيا نحو هذه الممارسات وأن الدافع إلى التقليد هو السبب وليس أي أمر آخر، هو أخطر من أي شيء، لأن هذا يعني بالضرورة إلغاء دور الأبوين، أي دور الكبار، في توجيه وتربية الطفل وإرشاده نحو ما يجب أن يقوم به ولا يعني هذا إجباره لأن الطفل متلقي في النهاية وليس صاحب قرار لأن الملكات العقلية لديه لم تكتمل بعد، والقدرة على الحكم لم ينضج لديه، وتركه لفعل ما يهواه وما يريده يعني تركه ليقوم بكل ما هو ضار بالنسبة له وهذا المرجح على الأغلب.
إن الطفل يحتاج إلى فترة تهيئة ذهنية، سلوكية، خالية من أي فكرة بعينها، بل إنها فترة القدرة على الحكم السليم والطريقة الأسلم لحكم سليم، أي القدرة على اكتساب مهارات الحكم والأسس الأولية لأي عملية محاكمة عقلية، وفي هذه المرحلة يجب أن لا نقحم في ذهن الطفل أفكارا نؤمن بها ونرغبها دون الأخرى، لأنها ستكون عبارة عن مصادرة لذهن الطفل بأكمله، ولن يقدر الطفل في النهاية على بناء شخصيته المستقلة بل إنه سيسعى وخلال فترة طويلة جدا إلى تطبيق ما تم تلقينه إياه، وإن أحس وأدرك هذا الخطأ الذي أوقع فيه وهو صغير فإنه سيصرف الوقت الطائل على محو هذه الذاكرة التي لن يكون بإمكانه التخلص من كل شوائبها.
إن الدعوة إلى الابتعاد عن تلقين الطفل صغيرا هذه الأمور لا تعني أبدا الرغبة في إبعاده عن الممارسات السليمة التي من الممكن أن يكون المجتمع بأكمله جازما على صحتها، فهذا لا يعني أننا نحاول إبعاد الطفل عن الدين الذي يرضاه له والديه، بل إننا نرغب في بناء هذا الطفل بعيدا عن كل ما من شأنه أن يزرع في نفسه القسوة، ويزرع في نفسه التقليد الأعمى، الذي لن يؤدي في النهاية سوى إلى تمرد الطفل حتى على السليم من المعتقدات، فيجب الانتباه إلى التوازن في تربية الطفل وإمهاله على إكمال ما يحتاجه في شخصيته ليكون قادرا على التعلم الايجابي وليس التلقي السلبي تلك العلامة الواضحة على الشخصية السليمة والقوية والقابلة لأن تتطور ونطور كل ما حولها ولا تجنح نحو التقليد والعصيان والتمرد.

مجلة ثرى – العدد 198 تاريخ 12 9 2009 – السنة الخامسة