الرئيسية » مقالات » مثقفون عرب يعزفون سيمفونية الحنين بليلة رمضانية عمانية

مثقفون عرب يعزفون سيمفونية الحنين بليلة رمضانية عمانية

على مائدة الأدب بشارع المعرفة التقينا جاء عبدالرزاق الربيعي كعادته بصحبة الشاعر سعيد الصقلاوي ولحق بنا الدكتور والفنان التشكيلي د.صبيح كلش وتدفق نبع الحنين وانسالت الذكريات بين القاهرة وباريس وامتدت جسور الحنين إلى مراتع الصبا والطفولة في أزقة وحواري بغداد وشوارع لندن المدينة التي أسرت سعيد الصقلاوي بتخطيطها وعمارتها التراثية .. وانتقل بنا قطار الحوار من محطة الشعر إلى فضاء المسرح وصولا إلى قداسة اللغة وتفاصيل كثيرة لم يسكنها شيطان السياسة ولا ترهات الحداثة .



وجه سومري يتوضأ بماء النيل



بمرارة العاشق للعروبة يحكي الدكتور والفنان التشكيلي بجامعة السلطان قابوس صبيح كلش عن عشقه لمصر والنيل التي سكنت وجدانه مع أغنيات عبد الحليم حافظ بأدائه الصادق وانسيابه مع اللحن الدافيء في عروقه ويسرد مغامرته مع ضباط الجوازات وحراس الحدود بين ليبيا ومصر المحروسة .. أخذته سنة من العشق فغافل الحارس المصاحب للباص واستقل عربة الأجرة ووصل إلى النيل وغسل وجه كان مفتونا بخروج المصريين فجر هذا اليوم ألوفا يسعون على أرزاقهم ثم عاد على عجل ليلحق بفوج العابرين من مصر إلى ميناء العقبة الأردني وفي حلقه غصة أنه لم تتح له الفرصة ليرى مصر بعيون عراقية لكن الأقدار أجرت عليه حكمتها فمرة واحدة تكفي فالعاقل لاينزل إلى النهر مرتين .
لم ينس د. صبيح كلش أن يحكي لنا عن مهمة تكليفه إبان النظام العراقي البائد بدعوة عالم وأكاديمي تونسي يعمل في جامعة السوربون إلى زيارة بغداد والمفارقة أن ذلك الأكاديمي واعده مرتين في المقهى المقابل للسربون وكل مرة يتهرب التونسي من الدعوة ويلَّهي الدكتور كلش بأداء أغنية عاطفية بصوته الشاعري ثم مضى .. قال لنا : بعدها أدركت فقد كان الرجل لديه إرهاصات وتنبوءات هذا العالم التونسي بسقوط بغداد .


الصقلاوي وقصيدة النثر وأشياء أخرى


ويلتقط الشاعر سعيد الصقلاوي خيط الحديث ويقدم رؤيته حول أسباب هجرة العقول العربية إلى الخارج ويفترض أنها هجرة قسرية فالأبواب مشرعة أمام الجميع والأمر لايخفى من قناعة بنظرية المؤامرة حتى على مستوى اللغة فيؤكد وجود نزعات تخريبية في الداخل تسعى إلى محاصرة الإبداع العربي ( فكرا ونقدا وشعرا ) ويطرح سؤلا جوهريا على صعيد القصيدة : ما الغاية من وراء إصرار ثلة من الشعر على نفي التراث والإيمان بنزعة ( قتل الأب ) التي أسس لها شعراء حقبة السبعينيات وإصرارهم على قطع الصلة بين الأجيال الشعرية ( الثمانينيون والتسعينيون ) وتراثهم العربي الأصيل شعرا ونثرا ؟
وفي خضم حديثه يرتفع صوت التلفاز فجأة لينتبه الجميع على مقدمة مسلسل ( الغريقة ) فعقب الصقلاوي قائلا : بالمناسبة هذا أول مسلسل يتبنى اللهجة الظفارية والشحرية مؤكدا أن هذه اللهجات تنتمي إلى اللغة العربية الأم وأن قوة هذه اللغة تكمن في قدرتها على إسقاط كل الحواجز القبلية والسياسية وكما حكى القرآن : ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون ) .
وكان هذا التفسير الذي برهن به الصقلاوي تأكيدا لرؤيتي حول قداسة اللغة العربية ؛ لغة الأمة لسانها الناطق ، وقلبها النابض ، ومفتاح علمها ، وقاموس مجدها . ورمز هويتنا ، وعنصرٌ هام من عناصر ثقافِنا العربية والإسلامية ، وهي أداة اتصال ونسيج لسان مُفصحٍ عن الجنان ، وهي جسر يربط حاضر الأمة بماضيها ، وينقل تراثها عبر العصور.



الربيعي يمسرح القصيدة


انطلاقا من لغة الشعر إلى لغة الخطاب المسرحي تحدث عبد الرزاق الربيعي عن مرحلة مفصلية في حياته فبعد إن انخرط في إحدى الفرق المسرحية في الفترة الزمنية ما بين طفولته وصباه فرضت عليه الظروف اختبارا مصيريا ووضعته بين خيارين كلاهما حلو ؛ بين أن يؤدي دوره في مسرحية ليلة الافتتاح أو يذهب إلى أمسية شعرية لكنه حسم الأمر وانتصر لملاك الشعر ومن يومها يمسرح القصيدة ما بين منولوج داخلي وديالوج طاغٍ على جسد النص الشعري هذا خلافا لأعماله المسرحية الأثيرة لنفسه المسكونة بالحنين إلى التراث الذي يتقاطع أيضا مع قصائده فيوظفه تارةً ويصبغ به قصيدته تارةً أخرى في بانوراما فنية تتخذ من تقنية الإسقاط ملاذا ليحكي النص الشعري حكايته ويقدم رؤيته .
ولكن لماذا انتصر الشعر وتراجع المسرح إلى خلفية المشهد في قصيدة عبد الرزاق الربيعي ؟ يعتقد الربيعي أن العمل المسرحي ( بناء وإبداع جماعي ) بينما ( النص الشعري عمل فردي ) وهو شخصية مجبولة على العمل منفردة ومتفردة وهذه الخاصية تلاحقه في عمله الصحفي اليومي بروتينيته المعهودة فهو يقوم بإخراج الصفحات الثقافية وتحرير موضوعاتها وتنزيل الصور المرافقة ويترك الرتوش الصغيرة للزملاء .
وعند هذا المقطع تعالت موسيقى برنامج ( على السحور ) للزميلة باسمة الراجحي فأدرك شهريار الصباح وكفَّت شفاهنا عن الكلام المباح وسار كل منا إلى غايته ومبتغاه .

ناصر أبوعون / مسقط