الرئيسية » مقالات » وقفة مع المفكر الايراني الكبير عبد الكريم سروش

وقفة مع المفكر الايراني الكبير عبد الكريم سروش

مازالت الساحة الايرانية تعيش حالة من التوتر منذ اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الاخيرة وفوز نجاد بولاية ثانية وحتى هذه الايام .. اذ مازالت البلاد تمر بمرحلة مخاض عسيرة وجدل سياسي ديني صارخ حول شرعية فوز نجاد على منافسيه الاصلاحيين سيما الابرز مير حسين موسوي.

واليوم تأخذ المعركة الحاصلة في ايران بعداً جديداً تتسم بانقسام حاد بين سلطة الآيات نفسها ليتحول النزاع الى ما هو ابعد من قضية انتخابات، نزاع حول جدلية الحكم الديني وآلية اسلمة المجتمع بطرق الولي الفقيه.
حيث لم يبق النزاع حبيس النخب السياسية فقط، بل توسّع ليشمل المؤسسة الدينية نفسها، من خلال انقلاب آيات كبار من امثال يوسف صانعي وصافي كلبكاني وكروبي وهاشمي رافسنجاني على سلطة ولي الفقيه الخامنئي المتعاطفة مع تيار المحافظ المُمثل بنجاد وآية الله مصباح يزدي .. وبدا واضحاً محاولة التيارين الدينيين الاستقتال على ارث قائد الثورة الراحل آية الله خميني .. فكل فريق يدّعي انه المُمثل الصحيح لمسار الاسلام وخط الامام الخميني.

والابرز في هذا السياق ما شهدنا ولاول مرة في تاريخ ايران الاسلامية من رفع دعوى قضائية على آية الله يوسف صانعي من قبل رئيس الجمهورية الحالي احمدي نجاد، بدعوى ان صانعي انقلب على الجمهورية الاسلامية ومفاهيم الثورة الايرانية .. اقول لاول مرة في تاريخ ايران لان الدستور الايراني يعطي حصانة للمجتهد الذي يحمل لقب آية الله العظمى، وصانعي هو آية الله ومرجع له ثقله في الجسم الاسلامي الشيعي.

كما هو معروف ان ايران تتميز بمناخ فكري حيوي تزخر فيه الحركة الفلسفية والمدارس العلمية ليس فقط في الجانب الديني بل في كل علوم الحياة الانسانية .. وهذه نقطة تحسب للمجتمع الايراني المختلف عن البيئة العربية في قضية تعاطيها مع حركة العلوم المعاصرة، اذ لم تستطع الثورة الاسلامية في ايران ان تمنع من ظهور مفكرين ايرانيين كبار كانت لهم بصمات واضحة في تاريخ علم الكلام والفلسفة والنظم الاجتماعية الحديثة، ولم تنته حركة الفلسفة في ظل وجود نظام اسلامي متشدد كما تنبأ الكثير من فلاسفة العرب واعتقدوا انها ستكون نهاية هيمنة العقل الايراني على المدارس الفلسفية.

طبيعة المجتمع الايراني وانساق تفكيره وثقافاته طبيعة ولودة للمفكرين والعلماء العظام الذين اجتازوا الاطر الشيعية في دراساتهم واصبحت اعمالهم محوراً للعديد من الدراسات العربية والغربية، سيما في مجال الفلسفة والالهيات وعلوم المعرفة المعاصرة، ونستطيع القول بان العشرة سنوات الاخيرة من تاريخ ايران الاسلامية كانت الابرز على صعيد تنامي الحركة الفلسفية والجدل النقدي لخطوط حمراء داخل المؤسسة الدينية نفسها، وبروز تيار مدني اصلاحي يعد الاقرب لنيل زمام الامور والمبادرة في الساحة الايرانية.

لقد حظيت دراسات وبحوث مفكرين ايرانيين كبار امثال الدكتور عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري وآخرين على احترام واسع من قبل مفكرين عرب وغربيين، وكانت تلك البحوث قد ترجمت مفاهيم مهمة لحقبة زمنية ليست قليلة عاشتها ايران تحت ظل ولاية الفقيه .. ليس هذا فحسب بل انتقلت الفلسفة على ايدي هؤلاء المفكرين من اطار فلسفة الوجود التي مازالت الحوزات الدينية التقليدية تتفنن في صياغاتها ونظرياتها الى فلسفة المعرفة حيث التعامل مع الفكر البشري باعتباره واقعاً مفروغاً لا على طريقة “فلسفتنا” للمفكر محمد باقر الصدر.

وان نظريات بمستوى “التعددية الدينية” او نظرية “القبض والبسط” او “التأويل” للمفكر سروش هي معرفيات خالصة ابتعدت عن الاطر التقليدية لفلسفة الوجود التي طبعت تفكير العقل الاسلامي لقرون عدة، بل ومازالت حتى هذه اللحظة العنوان الابرز للعقل الفلسفي الايراني والعربي على حد ٍ سواء .. ومثلما كانت تجربة محمد عابد الجابري ونصر حامد ابو زيد تجربة جديدة وانقلاب واضح على المعالم التقليدية للفلسفة العربية، كانت تجربة سروش وشبستري انقلاباً على الواقع الفلسفي الحوزوي في ايران، امتداداً لفكر علي شريعتي المجدد الكبير في تاريخ علم الاجتماع الايراني.

يبدو ان دراسة الفلسفة في بريطانيا والعيش في الولايات المتحدة الامريكية هي التي جعلت من عبدالكريم سروش مثقفاً ليبرالياً اسلامياً، حيث يدافع سروش عن الليبرالية باعتبارها حق مكتسب للشخص داخل الانظمة السياسية الحاكمة، ويقبل بها من منطلق ايمانه بان الليبرالية مضادة للتفسير الديني الاستبدادي لانها قامت بوجه شمولية الدين وحصريته لا بوجه الدين ذاته*

يقول سروش في مباني النظرية الليبرالية:
(ليست علاقة المجتمع الليبرالي بالمجتمع الديني، علاقة بين أمرين متضادين، وإنما هي علاقة أمر غير متعيّن بأمر متعين. الفارق بينهما كالفارق بين الطريق والغاية، أو بين السؤال والجواب. المجتمع الديني لا يسأل لأنه يحسب أنه عثر على الإجابات النهائية لأسئلته، أو إنه لا يسأل، لأن بعض الأسئلة لا تخطر بباله، وبعض الأمور يعتبرها غير قابلة للسؤال. وهذا على العكس من المجتمع الليبرالي الذي يتحرى الأسئلة الجديدة دوماً والأجوبة الأكثر تكاملاً.

إن الخطاب الديني خلافاً للخطاب الليبرالي لا يشجع على النقد والاستفهام بمقدار ما يشجع على الإيمان واليقين. السؤال في الدين لا يحظى بالأهمية التي يحظى بها الجواب، بينما السؤال بحد ذاته محمود/محبذ/مطلوب في الليبرالية، وإن المجتمع السليم/الصحي هو الحافل بالنقد والأسئلة لا بالتعبّد واليقين، فالتعقل هناك يُعرف بأنه التساؤل والاستفهام. وهذا هو سر التباين الأساسي بين مجتمع ليبرالي وآخر له دين رسمي.) انتهى

ويضيف سروش في نفس المصدر المذكور اعلاه:
(إن الأديان والأيديولوجيات خزانات إجابات جاهزة، قطعية، وأبدية، ولهذا قلما تسمح بالأسئلة. المجتمع الليبرالي متعدد الطرق، والمجتمع الديني أُحادي الطريق. فعلى سبيل المثال الآية القرآنية: {إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا}(الإنسان 3)، لم تعنِ للمفسرين يوماً إشارة إلى حق الإنسان في الاختيار، بل على العكس، كانت تفيد التكليف دوماً، فما من مفسّر قال إن من حق الإنسان أن يختار الشكر أو الكفر، إنما أجمع الكل على عدم تساوي هذين، فإذا اختار إنسان الكفر حوسب ونال جزاءه.) انتهى

وهنا يخلص سروش للقول في مبانيه للنظرية الليبرالية الى:
(إن الليبرالية لا موقف لها من أي دين، فهي ترى الإنسان محقاً وحراً في اختيار أي عقيدة أو دين، ولا تتكلم إطلاقاً عن تكليف محدّد تجاه دين محدد، بل تتسع كدائرة كبيرة للأديان والمذاهب والمِلل والنِّحل كافة، بل إنها تؤكد على البقاء في ظروف ما قبل اختيار الدين.
وبهذا تكون الليبرالية متصالحة مع الدين العقلي/الحر غير الرسمي، بمقدار مناهضتها للدين الرسمي “الإجباري”.) انتهى

ما زاد في المي اليوم وحفزني لان اكتب عن هذا المفكر الكبير ما سمعته من القنوات الاعلامية بان السلطات الايرانية او ممثلية الولي الفقيه السيد على الخامنئي قد اصدرت حكماً باعتبار عبد الكريم سروش مثقفاً منحرفاً عن جادة الاسلام ومرتداً عن الدين وسيُعاقب بالسجن لتحريضه على الفكر الديني او ماسمّوه بمحاولة الانقلاب على الثورة الاسلامية في ايران، اثر رسالة شديدة اللهجة وجّهها سروش لخامنئي محذراً اياه من التمادي في الاستبداد الديني ضد الشعب .. وقد نست الممثلية بان سروش كان احد اعمدة الثورة الايرانية سابقاً وواحد من كبار قادة الثورة تحت جناح روح الله الموسوي الخميني اوائل الثمانينيات من القرن المنصرم.

ندائي الى الاحرار والشرفاء في كل بقاع العالم ان يقفوا الى جانب المفكر سروش ومناصرته في حربه المقدسة ضد الدوغمائية الدينية الرافضة لاي منحى تجديدي.
اين هم المثقفون المتديّنون الذين افنى سروش حياته دفاعاً عنهم، وهو الذي اول مَن اوجد مصطلح “المثقف المتديّن” في صراعه مع الخطاب الاسلامي التقليدي.
اين هؤلاء المثقفون من نصرته اليوم؟


هامش
* مباني النظرية الليبرالية – عبدالكريم سروش