الرئيسية » مقالات » تصحيح: البعث ليس الحزب الوحيد في الاغتيال السياسي

تصحيح: البعث ليس الحزب الوحيد في الاغتيال السياسي

ذكرت في مقال سابق لي بعنوان: (دور النظام السوري في قتل العراقيين) أن حزب البعث هو الحزب الوحيد في البلاد العربية الذي اتخذ من الاغتيال السياسي منهجاً وممارسة له في تصفية الخصوم السياسيين. في الحقيقة ورد تعبير (الحزب الوحيد) سهواً، فالبعث ليس الحزب الوحيد في ممارسة الاغتيالات، بل هناك أحزاب عديدة في البلاد العربية مارست هذه الأساليب الدنيئة. إذ كلنا نعرف أن هناك أحزاباً وحركات سياسية أخرى غير حزب البعث، مارست هذه السياسة في عصرنا الراهن، مثل حزب الأخوان المسلمين في مصر. وأنا لم أجهل هذه الحقيقة عندما كتبت المقال المذكور، لأني بحكم مناهضتي للإرهاب، مطلع على تاريخ حزب الأخوان ودوره في الإرهاب لإيقاف عجلة التقدم باسم الدين وبمختلف الوسائل الإرهابية. إذَنْ، الخطأ الذي ارتكبته هو استخدامي لكلمة (الوحيد) في غير محلها، وليس لأن حزب البعث لم يمارس الاغتيال السياسي. لذا اقتضى التنويه والتصحيح، والاعتذار للقراء الكرام، والشكر للذين أرسلوا لي تعليقاتهم حول هذا الأمر، فنحن بشر معرضون للسهو والخطأ.

والذي دفعني لكتابة هذا التصحيح إضافة إلى ما وصلني من رسائل وتعقيبات القراء الكرام، هو مقال مطول يقع في نحو عشر صفحات، بعثه لي صديق مشكوراً لجلب انتباهي، والمقال لكاتب بعثي يرد به على مقالي الذي أشرت إليه أعلاه، يحاول فيه تزويق وجه البعث بمختلف الأساليب الملتوية، مستغلاً عبارة (الحزب الوحيد) التي وردت في مقالي، ليبرئ حزبه من جميع جرائمه منذ تأسيسه وإلى الآن، ويدافع عن النظام السوري ودوره في قتل العراقيين بالجملة وبعشوائية متعمدة.

يقول الكاتب: ((لقد وقع الدكتور عبدالخالق حسين في مقاله بأخطاء و مغالطات تاريخية تدل على مدى افتقاره للمعلومات العامة حينما يتحدث عن حزب البعث باعتباره (…الحزب الوحيد في البلاد العربية الذي اعتمد على الاغتيال السياسي لخصومه) فان مثل هذا القول يجانب الصواب ويؤكد جهل صاحبه بتاريخ الأحزاب السياسية العربية العلنية منها والسرية… فقد كانت جبهة التحرير الوطني الجزائرية تقوم اثناء فترة حرب التحرير الوطنية الجزائرية (1954 – 1962) باغتيال وقتل الجواسيس والعملاء من الجزائريين (الحركيين) المتعاونين مع قوات الاحتلال الفرنسي… وأقدمت حركة الأخوان المسلمين في مصر على اغتيال (احمد ماهر باشا) رئيس وزراء مصر عام 1945 و(محمود فهمي النقراشي باشا) رئيس وزراء مصر في عام 1948 وحاولت اغتيال الزعيم الراحل (جمال عبدالناصر) عام 1954….الخ الخ)).

ثم يعدد الكاتب الاغتيالات التي ارتكبها الأخوان المسلمون في سوريا وغيرها، كما ويذكر أحزاباً عربية أخرى مارست هذه العملية الدنيئة، مثل الحزب السوري القومي الاجتماعي… وغيره. كل هذا صحيح، ولكن ما لم يذكره الكاتب أن جميع الأحزاب التي مارست الاغتيال السياسي هي أحزاب فاشية، تبنت هذه السياسة كوسيلة رئيسية لتحقيق أغراضها السياسية عن طريق الإرهاب وجميعها تمقت الديمقراطية وصناديق الاقتراع وحقوق الإنسان والتي تعتبرها لعبة استعمارية غربية الغرض منها خدع الشعوب واستعبادها.

أما جبهة التحرير الوطني الجزائرية التي حشر الكاتب اسمها حشراً ضمن هذه الأحزاب، فهي لم تمارس الإرهاب أو الاغتيال السياسي، وإذا ما قتلت جواسيس حقيقيين للاستعمار خلال الحرب التحررية، فلا يعتبر ذلك اغتيال سياسي، بل قتلى الحرب في عملية الدفاع عن النفس والوطن.

بينما نلاحظ أن ما ارتكبه حزب البعث والأحزاب الفاشية الأخرى من قتل الخصوم السياسيين غيلة، كانوا من خيرة المناضلين الوطنيين وليست لهم أية علاقة بالاستعمار. وعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر بعض عمليات الاغتيال التي قام بها هذا البعث المافيوزي ضد خيرة أبناء الشعب العراقي:
1- إن أول محاولة اغتيال فاشلة قام بها البعث هي محاولة اغتيال الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم عام 1959، والذي شهد بوطنيته وإخلاصه وحبه للشعب، أعداءه ومحبوه على حد سواء، فهل كان الزعيم قاسم عميلاً للاستعمار يستحق الاغتيال؟
يعترف الكاتب بأن المحاولة كانت خطأً، ولكنه في نفس الوقت يحاول إلقاء اللوم على أمين سر القيادة القطرية للحزب آنذاك، فؤاد الركابي، وأنه قام بهذه العملية دون استشارة القيادة القومية… هذا العذر أقل ما يقال عنه أنه أقبح من الفعل. فالكل يعرف أنه بعد أسبوع من قيام ثورة 14 تموز 1958، هبط عفلق مع وفد كبير من القيادة القومية في مطار بغداد، واجتمعوا بالقيادة القطرية لحزب البعث في العراق، وطرحوا عليهم رفع شعار الوحدة الفورية مع العربية المتحدة، لإرباك الثورة. ومن تلك اللحظة بدأ التيار القومي العربي الصراع الدموي مع قوى اليسار العراقي، وشقوا قيادة الثورة، وبقية الحكاية معروفة. ولا ننسى أن صدام حسين الذي يدافع الكاتب عنه وعن نظامه المقبور، كان أحد المشاركين في جريمة اغتيال الزعيم قاسم.

2- إن أول عملية اغتيال ناجحة قام بها البعثيون في العراق بعد ثورة تموز هي اغتيال الشهيد عزيز أبو التمن، لكونه مناضلاً يسارياً، وهو نجل الزعيم الوطني المعروف، جعفر أبو التمن، أحد قادة ثورة العشرين، والأب الروحي وأبرز مؤسسي الحركة الوطنية العراقية. فهل كان الشهيد عميلاً أو جاسوساً للاستعمار كي يستحق التصفية؟

3- أما موجة الاغتيالات التي اجتاحت الموصل بعد مؤامرة الشواف عام 1959، فحدث ولا حرج، وكلها كانت موجهة ضد الوطنيين اليساريين. وكما ورد في كتاب حنا بطاطو، راح ضحية هذه الحملة البربرية نحو ثمانمائة مناضل على أقل تقدير. فهل كان هؤلاء عملاء الاستعمار والاحتلال؟ كما وحصلت تصفيات جسدية من قبل البعثيين في جميع أنحاء العراق، وخاصة في بغداد، ولو بنسب مختلفة لنشر الرعب في صفوف الشعب قبيل انقلابهم المشؤوم.

4- وقد بلغت عمليات القتل العشوائي الذروة إثناء انقلابهم الدموي في شباط 1963 الأسود الذي قتلوا فيه نحو عشرين ألف من خيرة الوطنيين العراقيين خلال أسبوع، واعتقلوا عشرات الألوف من المواطنين إلى حد لم تسعهم مراكز الاعتقالات، فأحالوا الشوارع والأندية والملاعب الرياضية إلى معتقلات. فهل كان هؤلاء عملاء للاستعمار؟

5- وإثناء حكمهم للعراق وسوريا، أحالوا البلدين إلى مقابر جماعية، وأكبر سجن في العالم، وقائمة جرائم النظامين البعثيين ضد الشعبين، العراقي والسوري معروفة.

6- أما بعد سقوط نظامهم في العراق عام 2003 ، فصار قتل العراقيين بالجملة وبصورة عشوائية غير مسبوقة في التاريخ، وفي تفجير أماكن لم يسبق أن تجرأ أحد من قبل في ارتكاب هكذا جرائم فيها مثل، الكنائس والمساجد والحسينيات والأضرحة، وقبور الأولياء الصالحين، والأسواق المزدحمة، ومواقف عمال المسطر الفقراء. فهل هذه الأعمال هي ضمن النضال ضد الاستعمار الذي يمارسه البعث وحلفائه من أتباع القاعدة؟ وهل مارست جبهة التحرير الوطني الجزائرية شيئاً من هذه الأعمال اللا أخلاقية كي يحشر الكاتب اسمها ضمن قائمة الأحزاب الفاشية التي مارست الإرهاب؟

أدعى الكاتب أن حزب البعث هو أحد أحزاب الحركة التحررية في البلاد العربية (كذا). بينما تاريخ الحزب يؤكد أن الغرض الرئيسي من تأسيسه هو ضرب الحركات التحررية في البلاد العربية، وبالأخص الحركات اليسارية الحقيقية، إذ قال مؤسس حزب البعث، ميشيل عفلق، أن أهم غرض من أغراض تأسيس الحزب هو ضرب الأحزاب الشيوعية وحماية الشباب العربي من الأيديولوجية الماركسية. وقد تبين ذلك واضحاً في انقلاب 8 شباط 1963 ضد جمهورية 14 تموز واغتيال قيادتها الوطنية، الانقلاب الذي وصفه المقبور أحمد حسن البكر بـ(عروس الثورات)، بينما هي في الحقيقة، وكما أطلق عليها شعبنا، (عاهرة الثورات المضادة). بمعنى أن الغرض الرئيسي من تأسس حزب البعث هو ضرب الحركات الوطنية التحررية في المنطقة، وخاصة القضية الفلسطينية، حيث أسس البعث العراقي، ما يسمى بـ (جبهة التحرير العربية) لشق الفصائل الفلسطينية وضربها إبان الحرب الأهلية في لبنان في السبعينات والثمانينات، إضافة إلى دعم البعث العراقي لجماعة أبو نضال، وجماعة أبو العباس الإرهابي الذي كان دوره هو اغتيال المناضلين الفلسطينيين والقيام بأعمال إرهابية ضد العالم المتحضر كما حصل في عملية اختطاف السفينة الإيطالية أكيلي لارو عام 1985، وقتلهم لمواطن أمريكي كسيح، الأمر الذي أساء كثيراً إلى سمعة القضية الفلسطينية.

إن دفاع الكاتب البعثي عن حزبه لم يغير شيئاً من واقع الأمر، إذ لم يستطع تبرئة حزبه من ممارسة الاغتيال وغيره من أعمال الإرهاب في تصفية الخصوم السياسيين، ولكنه حاول إيجاد المبررات لها والتي هي أقبح من الفعل كما ذكرنا. وهذا يذكرني بحكاية طريفة يقال أنها حصلت في البرلمان (مجلس العموم) البريطاني في أوائل القرن الماضي، مفادها أن في إحدى الجلسات، وفي حمّى السجال، قام أحد النواب قائلاً بعصبية: (أن نصف أعضاء البرلمان مجانين!) فاحتج عليه الأعضاء وطالبوه بالاعتذار وسحب كلامه. فاستجاب لطلبهم قائلاً: “أنا أعتذر، أن نصف أعضاء البرلمان ليسوا مجانين!!!”
وأنا كذلك أعتذر، أن حزب البعث ليس الحزب الوحيد في البلاد العربية الذي مارس الإرهاب ولكنه كان أكثرهم وأشرسهم وأشدهم في هذا المجال. وهكذا حزب لا بد وأن يلفظه في مزبلة التاريخ كما حصل لبقية الأحزاب الفاشية والنازية العنصرية في أوربا .
ـــــــــــــــــــــــــــ
العنوان الإلكتروني: Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com ى 
الموقع الشخصي للكاتب:
http://www.abdulkhaliqhussein.com /