الرئيسية » دراسات » التّوجّه النّووي في منطقة الشّرق الأوسط .. أسباب ومبرّرات الحلقة الثانية

التّوجّه النّووي في منطقة الشّرق الأوسط .. أسباب ومبرّرات الحلقة الثانية

لقد تطرّقنا في الحلقة السابقة الى بعض الفقرات المهمّة حول مفاعل مصر مع إستطلاع تأريخي الى النشاط النووي المصري والتوجّه الى تأسيس طموح جديد في هذا الاتجاه. ونكمل الموضوع في هذه الحلقة:

لقد صمّم المفاعل المصري بالشكل الذي يتيح له العمل وفق منظومات تبريد متعددة لحماية المفاعل من تأثيرات الحرارة المتزايدة أثناء عملية الانشطار النووي في قلب المفاعل ممّا يعطي للمفاعل قدرة على الامان له وللمحيط. تعتبر منظومة التبريد الاولى من أهم المنظومات العاملة لتبريد قلب المفاعل حيث يبلغ سريان مياه التبريد بحدود 2000 متر مكعب في كلّ ساعة وتتم عملية دفع الماء من الاسفل. أمّا عملية إزالة الحرارة المتولدة خارج قلب المفاعل فتتمّ بكميات من الماء يبلغ معدّل سريانها 100 متر مكعب في الساعة لكنّ عملية دفع المياه تتم عكس العملية الاولى أي من الاعلى الى الاسفل.

وهناك منظومة التبريد الثانوية والتي تتم فيها إزالة الحرارة من المبادلات الحرارية الخاصة بمنظومة التبريد الاولى وكذلك بمنظومة تبريد الحوض. والملاحظ أنّ عملية الامان المتوفرة في عمل المفاعل عالية بوجود هذه المنظومات الثلاث. وبالتالي ستكون الجرع الإشعاعية التي يحتويها الماء إلى الدرجة التي تضعف الى المستويات الاقل عند سطح الماء للسبب الذي ذكرناه وهو معدل السريان وأسلوب التدفّق من والى قلب المفاعل، بالاضافة الى العوامل الاخرى. كما وتحتوي منظومة التبريد على تقنيات توفير الصمّامات التي تعمل على عدم الارتجاع في دوائر تبريد القلب والحوض لتتم عملية التدوير التلقائي.

إنّ من أهم ما يميّز المفاعلات الرصينة والامنة عن غيرها هي منظومة أخرى هي منظومة النفايات النووية وكيفية التعامل مع هذه النفايات بكلّ أنواعها، حيث أنّ العشرات من المفاعلات النووية قد إقتربت من تقاعدها ونهاية عملها، علاوة على الإستمرار بالتخلص من العديد من نوتج إستخدام الطاقة النووية للاغراض العسكريّة مثل الصواريخ والمعدات التي بات العمل بها خطراً على الجيوش والمجتمعات بعد تصنيعها لهذا الغرض (أي الإستخدام العسكري). وهذا يعني أنّ آلاف من الأطنان باتت نفايات نووية مشعّة خطيرة، بأنواعها الصلبة والسائلة والغازية.

تنتج النفايات النووية من العديد من الفعّاليات التي تتضمّن النظائر المشعّة الناتجة عن هذه الفعّاليات. لذلك وجب التعامل مع هذه النظائر المشعّة بحذر حفاظاً على الإنسان وعلى المحيط معاً. حيث أنّ خطورة النفايات النووية تكمن في مصادرها وأنواعها وخواصّها الفيزيائيّة والكيميائيّة وغير ذلك. وعموماً يمكن القول بأنّ النفايات النوويّة هي فضلات مشعّة تنتج من فعل الصناعات النووية. والأدهى أنّ هذه النفايات قد أخذت طريقاً في الإستخدام للأغراض العسكريّة بعد أن تعامل وفق قواعد هذا الإستخدام وهنا تكمن الخطورة الكبيرة. فمن عملية تعدين ومعالجة اليورانيوم, الى إسلحة نووية الى محطات الطاقة النووية . وكلّما تعددت المصادر تنوّعت النفايات وإزدادت كمياتها لذا من الواجب البحث عن أماكن أكبر وأوسع لتخزينها أو .. للتخلص منها بالاساليب المؤلمة المعروفة! وتتنوّع هذه النفايات المشعّة وفق مستوى الإشعاع الذي تبعثه الى نفايات ذات مستوى إشعاع عال ونفايات ذات مستوى إشعاع متوسط ونفايات ذات مستوى إشعاع واطيء. بالإضافة الى إعتماد عملية تقسيم النفايات بهذا الشكل هناك تقسيم لهذه النفايات إعتماداً على كميّة ونوعيّة المادة المشعّة.
لقد لوحظ أنّ النفايات النووية المشعّة ذات المستوى الواطيء، تجمع من المستشفيات ومن معامل ومختبرات الجامعات وبعض حلقات الإستخدام في محطّات الطاقة النووية وكذلك من وسائل البحوث النووية وغير ذلك. ويتمّ التعامل مع هذا النوع من النفايات المشعّة بأن تخزّن بشكل آمن فوق سطح الأرض بالوسائل الدقيقة والأساليب العلمية الصحيحة. وتخضع للرقابة التي تكون بالقرب من موقع الخزن. بسبب إحتواء هذه النفايات على نظائر ذات أعمار نصفيّة قصيرة نسبياً ممّا يؤدّي إلى تسرّب إشعاعاتها إلى المحيط البيئي في حالة الخزن الرديء وبالتالي تدخل في السلسلة الغذائيّة للإنسان والحيوان فتحدث الضرر الكبير فتخزّن هذه النفايات لفترة من 10 ألى 50 سنة حينها تسمح لأغلب النظائر المشعّة للإنحلال وتتحول هذه النفايات إلى صيغة نفايات عادية إلى حدّ ما. أمّا النفايات المشعّة ذات المستوى المتوسّط من الإشعاع فتأتي من معالجة اليورانيوم ومحطات الإغناء (التخصيب) (حين تبريد المفاعل بالماء يصبح الماء من الملوّثات ويمكن تصنيفه من النفايات ذات المستوى المتعدد الإشعاع). ويتمّ التعامل مع هذا النوع من النفايات بأن تحاط بمواد من الخرسانة وبإسلوب هندسي متقدم لحماية الإنسان والمحيط من تأثير الأشعة المؤيِّنة وكذلك تخضع للرقابة القريبة المستمرّة والرقابة البعيدة لنفس السبب السابق. أما النفايات ذات المستوى الإشعاعي العالي فتأتي من الوقود المستهلك الذي تمّ إستخدامه في المفاعلات النووية وكذلك من وسائل ومعدّات الأسلحة النووية ومن بعض حلقات العمل في محطات الطاقة النووية (ومنها اليورانيوم والبلوتونيوم وعناصر أخرى ذات فعّالية إشعاعية عالية ناتجة من الإنحلال) حيث تعزل وتحمى ويتمّ تخفيض درجة حرارتها في موقع المفاعل النووي كإجراء أوّلي(تتضمّن بعض الأعمار النصفية للنظائر من هذا النوع 100000 سنة) . وتعد عمليات التعامل مع هذا النوع من النفايات وإدارتها مشكلة كبرى لم يتمّ حلّها إلى الوقت الحالي. وهناك طرق متعددة للتعامل مع هذا النوع. حيث أنّ الكميات التي تفرز من هذا النوع وبالخصوص من المفاعلات العاملة كمّيات كبيرة تصل إلى 30 كيلوغراماً أو أكثر لكلّ محطة من محطات الطاقة النووية سنوياً. وحين تتمّ عملية إنتاج وقود المفاعل (وبالذات في عملية الإغناء لليورانيوم 235) تتحرر كميات كبيرة من النفايات ذات المستوى الإشعاعي العالي. وهناك نفايات من هذا النوع تظهر في عمليات التعدين والطحن والتحويل لأوكسيد اليورانيوم. وينبغي أن نشير إلى أنّ المحطة النووية تتحول إلى نفاية من هذا النوع حين إنتهاء العمل بها.

عند إستخدام اليورانيوم كوقود في المفاعلات النووية يصبح بعد ذلك وقوداً مستهلكاً وهو مشع بشكل كبير إلى الدرجة التي لايمكن أن يغلف أو يخزّن دون التعامل معه قبل هاتين العمليتين. فيخزّن في أغلب الأحيان في برك خاصة تسمح له بإنخفاض درجة حرارته وإضعاف بعض من نشاطه الإشعاعي. وأحياناً تنشأ برك خاصة لخزنه لفترات طويلة (بإعتبار العمل بهذه الطريقة عملاً أولياً لحين وضع طريقة مناسبة للتعامل مع هذا النوع من النفايات). فتتّخذ إجرآت مضاعفة من الحماية والمراقبة بسبب الخطورة العالية بهذا النوع من النفايات.
لكلّ هذا نلاحظ أنّ للمفاعل المصري إدارة لتلك النفايات بحيث تتم عملية تخزين الوقود المستهلك والخارج من المفاعل في صناديق خاصة بالقرب من المفاعل في مكان يعتبر من الاماكن الملحقة بالمفاعل ويتمّ التعامل مع أصناف الوقود بحيث لا يحدث لها التلف أو التسرب الإشعاعي الصادر منها والذي يؤثّر في المحيط عموما وبالعاملين خصوصاً. وتتم عملية التعامل مع النفايات المشعة السائلة بحيث تصنّف وتجمع وتخزّن بشكل وقتي وفق القواعد العلمية التي تشير لها وثائق الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

تقع منظومة الادارة لتلك النفايات في الطابق السفلي من المفاعل. وتوجد كذلك أحواض خاصة لخزن الراتنجات المشعة المستهلكة والتي تستخدم في تنقية مياه المفاعل. وتتوفر منظومة لكشف التسرّب في حالة حصوله. ويتم التعامل مع النفايات الاخرى بأن توضع في أوعية خاصة وخزانات مهيأة لهذا الغرض والتي تخزّن فيها كلّ النفايات الناتجة من معامل الكيمياء الإشعاعية وغيرها.

تعتبر القواعد التي تطرحها الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أهم ما يمكن بل يجب أن تلتزم به الدول المنتجة للنشاط النووي. لذلك نلاحظ أنّ الدول التي تسعى الى عملية التطوير المستمر لنشاطها النووي إن كان سرياً أو علنياً لا تستغني عن قواعد الالتزام فيما يخصّ المخلفات النووية من تقنية التعامل معها لا من نواح أخرى!((حيث نلاحظ بعض الدول تقوم بعمليات قرصنة واضحة لنشر نفاياتها النووية في مناطق عديدة من العالم لابعاد خطرها عن مناطقها ليظهر الخطر والاصابات المتعددة على سكان آخرين كما حصل مع كيان إسرائيل حيث نشرت نفايات نووية قادمة من مفاعل ديمونة في جبال منطقة الخليل حيث بدأ السكان يعانون من حالات إصابة كبيرة حيث تسببت هذه الإشعاعات الصادرة من النفايات النووية حالات عقم وسرطان سجلتها مستشفى بيت جالا بعدد وصل الى 70 حالة سرطان في الظاهرية لوحدها وإرتفع العقم بنسبة %62 كما يصرح الدكتور محمود سعادة في ((أخبار النقب)).

لذلك نلاحظ أنّ هناك إلتزاماً الى حدّ ما بهذه القواعد من قبل مصر فهناك منظومة دقيقة لادارة النفايات المشعّة بأنواعها الثلاثة. فمنها السائلة التي يتم التعامل معها بالتصنيف والتخزين المؤقت لفسح المجال لها في حالة التصريف الكامل لمياه وعاء التخزين الرئيس والوعاء المساعد. فتسمح التسهيلات المتوفرة الى إنحلال النفايات المشعة السائلة ومن هذه التسهيلات وجود نظام الجدار المزدوج ووسائل الاكتشاف الفوري لايّ تسرب إن حصل.

يشرف على العمل متخصصون في عدة مجالات من التخصص النووي والبيئة وغير ذلك. كما تعمل منظومة متقدمة للسيطرة والتحكّم مستخدمة الحاسب الآلي بالاضافة الى غرف التحكم الرئيسة والثانوية ومراكز للاشراف والمتابعة وتصدر هذه المجاميع البيانات المناسبة في كل فترة زمنية وتسجل بسجلاتها الخاصة. فيكون التحكم بجميع تفاصيل العمل من التحكم من قدرة المفاعل والسيطرة على عملية الضغط والتحكم بعمل قضبان الوقود كما تقوم عملية التحكم بضبط قدرة المفاعل ومراقبة الوضع النيوتروني والحراري وغير ذلك. يستعمل المفاعل المصري لأغراض متعددة كما أشرنا في الحلقة الماضية، فمن هذه الأغراض الاستفادة من الفيض النيوتروني الموجّه خارج المفاعل وهو الغرض المهم الذي تستخدمه الكوادر الطبية داخل غرفة خاصة أنشئت لهذا الغرض، حيث تستخدم الأشعة النيوترونية للعلاج والتصوير النيوتروني. تمرّ هذه النيوترونات من خلال قناة خاصة الى المكان المخصص لها ويسجّل الفيض النيوتروني خلال فترة تسريب وتمرير هذه النيوترونات حتى وصولها الى مكانها المناسب.

يقوم المفاعل المصري بإنتاج العديد من النظائر المشعة لإغراض الدراسة والتدريب، كما يستخدم لتنشيط العديد من العينات داخل قلب المفاعل وكذلك حول القلب. وتنقل هذه العينات بعد تشعيعها الى أماكنها المطلوبة وفق حماية عالية من الدروع الرصاصية وفي علب خاصة محكمة. من ضمن النظائر التي تنتج في المفاعل المصري الكوبلت 60 المشع بقدرة تصل الى 50 ألف كوري.

يتبع..

د.مؤيد الحسيني العابد