الرئيسية » مقالات » حوار مع الكاتب نزار حيدر

حوار مع الكاتب نزار حيدر

 *انهم يعبثون بمشاعر الناس، ويتاجرون بدماء الابرياء

*انهم يعرضون الامن القومي للخطر

ادناه، نص الحوار الذي اجراه الزميل الاستاذ معد الشمري، مع نــــزار حيدر، مدير مركز الاعلام العراقي في واشنطن، لصحيفة (الطيف) الالكترونية:

توطئة

شخصية سياسية عراقية مستقلة، لها تاريخها النضالي الطويل، كتب نـــــزار حيدر العديد من المقالات والبحوث الإسلامية واصدر مجلة اسلامية في المهجر، ويدير حاليا في العاصمة واشنطن ـ مركز الاعلام العراقي ـ وهو مؤسسة اعلامية مستقلة.

ومعروف عن نــــزار حيدر بأنه محلل سياسي ، وكاتب معروف بحبه للعراق، ومعروف عنه ايضاً سيرته الذاتية العامرة بالنضال من أجل الحرية والكرامة والإنسانية.

( الطيف) إلتقت نـــــزار حيدر وكان لنا معه هذا الحديث الشيق، وفتحت معه العديد من القضايا التي تهم العراق والعراقيين.



نص الحوار



الطيف:

بداية، ما هي قراءتكم للعملية السياسية الجارية في العراق، وهل تستبشرون خيراً بالقادم؟.


نزار حيدر:

لقد طوت العملية السياسية الجديدة الجارية في العراق، الكثير من الخطوات المهمة التي كان يجب ان تطوى على طريق بناء النظام الديمقراطي.

وبالرغم من ان ما انجز هو دون المستوى المطلوب بسبب التحديات والتعقيدات التي رافقت العملية السياسية، الا انني اعتقد بان المنجز امر هام لا يجوز التقليل من قيمته، او التهاون به.

وانني اذ استبشر خيرا بالقادم، على حد قولكم في نص السؤال، لانني اثق بالناخب العراقي الذي اثبت اكثر من مرة خلال الاعوام القليلة التي اعقبت سقوط الصنم، انه يعي ما يدور حوله وانه يحسن الاختيار، كما انه قادر على تغيير الاوضاع اذا ما قرر ذلك، ويكفيه فخرا انه اليوم (البنت) التي يخطب ودها كل الاحزاب السياسية، كلما اقتربت ساعة الانتخابات، سواء النيابية او المحلية، انتخابات مجالس المحافظات، بالرغم من ان الكثير من الزعماء لم يفوا بوعودهم لهذا الناخب، الا انه سوف لن ينساها لمثل هؤلاء، اذ سيردها عليهم بعقوبة شديدة كما حصل للكثير منهم في الانتخابات المحلية الاخيرة.
الطيف:

أنتم كسياسين مستقلين او إعلاميين، ماهو موقفكم من التفجيرات الأخيرة في بغداد والتي عُرفت بتفجيرات الأربعاء الأسود؟.

نزار حيدر:

كوني مواطن عراقي، بغض النظر عن مهنتي او ادواتي المعرفية، نظرت الى العمل الارهابي الذي ضرب العاصمة بغداد في يوم الاربعاء الاسود، كونه حلقة في سلسلة الاعمال الارهابية التي تحاول ان تدمر حلم العراقيين في اقامة نظام سياسي ديمقراطي ينعم الشعب في ظله بالحرية والكرامة والازدهار.

كما نظرت الى هذا العمل الارهابي الوحشي، كنقطة انعطافة في طريقة تعامل الدولة العراقية مع الارهاب بشكل عام، ومع القوى والمؤسسات (المحلية والاقليمية بل وحتى الدولية) التي تقف وراءه، ولذلك بادرت الى كتابة مقالتي الموسومة (خطة للقضاء على الارهاب في العراق) والمنشورة بتاريخ (20 آب 2009) المنصرم، معتبرا ان ما حدث في يوم الاربعاء سيحث الدولة العراقية بكل مؤسساتها الى ان تفصح عن كل ادوات الارهاب من دون تردد او خوف او مجاملة اذ (لا تقية في الدماء) وازيد (لا مجاملة ولا مصانعة ولا مضارعة ولا مقايضة ولا متاجرة بالدماء).

هذا من جانب، ومن جانب آخر، فلقد تعلمت من تجارب التاريخ القديم والحديث، درسا مفاده ان دم المظلوم يتحول عادة الى سبب لرص الصفوف وتوحيد المواقف وتشابك الايادي من اجل مواجهة التحدي بوقفة رجل واحد لا يضعف ولا يهن، ولم اكن اعرف ان العراق بدعا من هذا الدرس التاريخي، وان الزعماء والسياسيين والقادة في العراق (الجديد) يتاجرون بدم المظلوم فيبيعوا ويشتروا به، ويقايضوا به السلطة فاذا بدم المظلوم سلعة للمقايضة، واذا به سبب جديد لتمزق الموقف وتشتت الاراء، وكل ذلك لان الزعماء تعاملوا مع هذا الدم بمنطلقات حزبية ضيقة او طائفية واثنية او بمنافسات انتخابية لم يشهد مثلها التاريخ لا قديما ولا حديثا.

لقد ظننت ان الاربعاء الاسود سيوحد موقف السياسيين، فخاب ظني، انهم يعبثون بمشاعر الناس، ويتاجرون بدماء الابرياء.

انهم يعرضون الامن القومي للخطر.

الطيف:

تسربت مؤخراً معلومات وصفت بالمهمة حول تحالف جديد يضم كلا من العراق وسور يا وتركيا وايران، وهو محور قيل ان سبب التفجيرات الأخيرة جاءت لوأد هذا المحور ، ماهو رأيك بذلك؟.
نزار حيدر:

ربما استطيع القول، وبفخر، انني اول من تحدثت عن مثل هذا المشروع، والذي تحدث فيه الرئيس السوري بشار الاسد بعد شهر من حديثي عنه، اذ كنت قد دعوت الى قيام مثل هذا الحلف في المنطقة لاعتبارات عديدة، اتمنى على من يهمه معرفة التفاصيل ان يعود الى مقالتي الموسومة (تغافل الحكام عن شعوبهم، فتح الباب امام التدخل الخارجي) والمنشور بتاريخ (7 آذار 2009) المنصرم، للاطلاع عليها.

ولا ادري على وجه التحديد، ما اذا كان الهدف من وراء كل هذا التصعيد الاخير مع الجمهورية العربية السورية، هو تخريب مثل هذا المشروع ام لا، الا انني اود القول بان الدعوة لمثل هذا المشروع يجب ان لا تاتي على حساب دماء العراقيين، اذ سيخطئ من يظن بان العراقيين على استعداد للمساهمة والمشاركة بمثل هذه التحالفات باي ثمن كان، ابدا.

انني شخصيا عندما اطلقت مثل هذا المشروع، انما من اجل ان تساعد هذه الدول الجارة، العراقيين على بناء دولتهم الجديدة، لا ان يتقاعسوا في ضبط حدودهم ليتسلل منها الارهابيون الذي يستهدفون تدمير العملية السياسية الجديدة الجارية في العراق، او ان يحتظنوا الارهابيين والقتلة من ايتام النظام البائد، ليصدروا للعراقيين الشر والقتل والتدمير كما حصل في يوم الاربعاء الاسود.

الطيف:

هل تتفق مع القول بإن دول الجوار لاتتعاون في فرض الأمن والاستقرار بالعراق، وإن بعضها يشترك في الكثير من العمليات الإرهابية التي تجري داخل البلد؟!.
نزار حيدر:

لا اشك في ذلك قيد انملة، فجل دول الجوار، وللاسف الشديد، متورطة بالاعمال الارهابية التي يشهدها العراق منذ سقوط الصنم ولحد الان، ان بشكل مباشر او بشكل غير مباشر.

فالمملكة العربية السعودية مثلا، متورطة بالارهاب من خلال سماحها بتسلل الارهابيين الى العراق سواء من خلال حدودها المشتركة مع العراق او عبر حدود مشتركة اخرى، كما ان فتاوى التكفير التي يصدرها وعاظ السلاطين القابعين هناك والتي اباحوا فيها دم العراقيين لعبت دورا خطيرا في اذكاء نار الارهاب في بلدنا، فضلا عن ماكينة الاعلام الطائفي التي يديرها الامراء والمشايخ والتي صنعت من الذباحين والقتلة ابطالا حرضت الشباب المغرر بهم للالتحاق في صفوفهم في العراق من اجل ممارسة الارهاب.

ولا يختلف الحال بالنسبة الى بقية دول الجوار الا في حجم الدور ونوعيته، ولذلك لا يمكن لي، كمواطن عراقي، ان استثني دولة من دول الجوار من هذا التدخل السافر الذي لا زلت اتمنى ان تبادر الحكومة العراقية الى الكشف عنه، بمجموعه وبكل تفاصيله، اسوة بما فعلته مؤخرا فيما يتعلق بالجارة سوريا.

لقد عملت وتعاونت قبل ثلاث سنين، مع عدد من الاخوة، لتنظيم فكرة تقديم الارهابيين المتورطين بدم العراقيين الى المحاكم الدولية لمقاضاتهم، بدءا من فقهاء التكفير وليس انتهاءا بالاعلام المحرض، مرورا بالممولين، ولكن، وبسبب عدم تعامل مؤسسات الدولة العراقية مع المشروع تاخر كل هذه المدة، لتعود الحكومة العراقية اليوم الى اثارته مرة اخرى، وكلي امل في ان لا يكون اطلاق المشروع دعاية انتخابية جديدة، وانما حقيقة واقعية ستاخذ موقعها الصحيح في دهاليز واروقة الامم المتحدة وبقية المؤسسات الدولية، فهو احد اهم ادوات الضغط التي بامكان العراق الاستفادة منها لوقف نزيف الدم العراقي.

الطيف:

إذن هل نستطيع القول إن هنالك محاباة لبعض دول الجوار من قبل الساسة على حساب الوطن والمواطن، أم أن الواقع يقول عكس ذلك؟.

نزار حيدر:

بالتاكيد، فالواقع يقول بان القادة والسياسيين والزعماء العراقيين يحابون دول الجوار كثيرا على حساب الدم العراقي الطاهر الذي يراق ظلما وعدوانا.

خذ مثلا على ذلك، فخلال زيارته الاخيرة الى الجمهورية العربية السورية، وقف السيد رئيس الوزراء نوري المالكي في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره السوري السيد ناجي عطري، يمتدح الدور السوري في مساعدة العراق على استتباب الامن والقضاء على الارهاب، ولقد ظننت انه سيمنح سوريا وسام الاستحقاق العالي على تعاونها مع العراق بهذا الصدد، وما ان رجع الى بغداد حتى ثارت ثائرة الحكومة العراقية لنشهد كل هذا التصعيد ضد سوريا، بعد يوم الاربعاء الاسود، ما دفع المواطن العراقي الى التساؤل باستغراب، ترى اي الموقفين هو الصحيح، دور سوريا في استتباب الامن والقضاء على الارهاب؟ ام دورها في قتل العراقيين؟ وكلنا نعرف جيدا بان ما حصل في يوم الاربعاء لم يكن ليحدث في ليلة وضحاها وانما تم التخطيط له ربما، عندما كان المالكي يقف في دمشق يمتدح الموقف السوري.

كنت اتمنى، وانا اتابع مجريات المؤتمر الصحفي، ان يشير المالكي، ولو يشير، الى عشر، بضم العين والشين، ما افصح عنه في بغداد بعيد عودته من دمشق مباشرة، ليتمتع موقفه اللاحق بمصداقية معقولة، فلا يتناقض موقفه في دمشق مع موقفه في بغداد، بالرغم من ان الفارق الزمني بين الموقفين لا يتجاوز الاسبوعين.

هذا مثال، وقس عليه بقية مواقف الزعماء العراقيين، فعلى الرغم من ان الدماء لا زالت تجري انهارا في العراق على يد مجموعات العنف والارهاب، الا ان الدولة العراقية وبكل مؤسساتها لا زالت تجامل في حديثها عن دور دول الجوار، وللان لم يخرج علينا مسؤول ليضع النقاط على الحروف، فيقول ان الدولة الفلانية متورطة في الارهاب الذي يضرب العراق ويقتل الابرياء، وهذه هي الادلة المادية والمعنوية.

ان الجميع يتعامل مع ملف الارهاب بمنطق اثني او طائفي، ولم نجد احدهم يتعامل معه بمنطق وطني ابدا، وهناك فرق كبير بين المنطقين، فبينما الاول يدافع عن الاخر على حساب مصالح البلد وشعبه، لا يدافع المنطق الثاني الا عن الوطن والمواطن حصرا.

الطيف:

المواطن يتهم الساسة بعدم الإكتراث لهمومه وما يعانيه من مشاكل يومية ومنها هذا العنف الذي لاينتهي، ماهو رأيك بذلك؟.
نزار حيدر:
هذا هو الواقع، وللاسف الشديد، انه ليس تهمة.

لقد صرف السياسيون اموالا طائلة واهدروا وقتا عظيما في الانتخابات الاخيرة، قالوا من اجل تغيير الاوضاع لصالح المواطن العراقي، واليوم وبعد ان مرت قرابة تسعة اشهر على تشكيل مجالس المحافظات، ما الذي لمسه المواطن العراقي من هذا (التغيير)؟.

اسالوا اي مواطن عراقي في اية محافظة عن التغيير المزعوم الذي لمسه من تغيير الوجوه، فسيجيبكم لا شئ، ما يعني ان السياسيين امتطوا لعبة الانتخابات ليس من اجل التغيير الحقيقي وانما من اجل الوصول الى السلطة فقط، وهذا ما يجب ان يكتشفه المواطن ليغير طريقة تفكيره وتاليا خياراته في الانتخابات البرلمانية القادمة.

ما يقوله المواطن، اذن، بشان عدم اكتراث السياسيين بهمومه ومعاناته ليس تهمة وانما حقيقة ملموسه يراها حتى الاعمى.
الطيف:

ماهي الآليات التي يمكن الاعتماد عليها لبلوغ الهدف، هدف الارتقاء بهذا المواطن المتعب؟.
نزار حيدر:

برايي، فان الوضع الحالي بحاجة الى تغيير حقيقي ملموس، والذي يبدا، كما ارى، من قانون الانتخابات الذي يجب ان يتبدل الى طريقة القائمة المفتوحة وان يكون العراق دوائر متعددة، وان يمنح الناخب العراقي فرصة انتخاب العدد المطلوب من المرشحين في كل محافظة، وهذا ما كنت قد تحدثت عنه بشكل مفصل في مقالتي الموسومة (من هنا يبدا المشروع الوطني) والمنشور بتاريخ (8 تموز 2009) المنصرم.

في النظم الديمقراطية عادة ما يجري التغيير على يد الناخب، وذلك هو جوهر الفرق بينها وبين الانظمة الديكتاتورية الشمولية التي لا ينتظر الناس تغييرا الا بحركات انقلابية دموية يموت فيها حاكم ليستخلفه آخر، ولذلك فالتغيير في النظم الديمقراطية جوهري اما في النظم الاستبدادية فصوري.

اذا تغير قانون الانتخابات، فسنضمن:

اولا: اقبال جماهيري اوسع على صندوق الاقتراع.

ثانيا: كسر احتكار السلطة من قبل الاحزاب الحاكمة الحالية والتي اثبتت انها فاشلة في انجاز اهداف الشعب العراقي.

ثالثا: صعود قوى وشخصيات جديدة الى البرلمان، ما يساعد في تحطيم الجمود الذي يكتنف مجلس النواب، بسبب سيطرة نظرية (شيخ العشيرة) على طريقة اعماله وادارته.

وبرايي، فاننا بحاجة الى التغيير على ثلاثة مستويات مهمة، وهي:

اولا: الانتقال من تبني مشروع العائلة او الحزب او الطائفة او الاثنية او الاقلية والاكثرية، الى مشروع الدولة.

ثانيا: تجاوز عقبات الثلاثي المشؤوم (المحاصصة والتوافق والفيتو) من خلال اعتماد مبدا الاكثرية والاقلية السياسية، والتي تفرزها عادة صناديق الاقتراع تحت قبة البرلمان، ليتم اعتماد ذلك في تشكيل الحكومة وبلورة المعارضة على حد سواء.

ثالثا: اعتماد تسجيل الانجاز والنجاحات للدولة وليس للفرد او الحزب الحاكم او الكتلة البرلمانية، فان ذلك يقلل من حدة الصراعات التي عادة ما تعرقل التقدم والانجاز وتحقيق النجاح خوفا من تسجيله لصالح زيد او عبيد، وتاليا للحيلولة دون استغلاله في حملاته الانتخابية.
الطيف:

الانتخابات المقبلة ، حدث مهم، كيف يقرأ نــــزار حيدر تجليات هذا الحدث؟ وماهو رأيك بالتحالفات الجديدة على الساحة السياسية؟.
نزار حيدر:

لا شك ان الانتخابات البرلمانية القادمة ستكون مصيرية وستغير الكثير من قواعد اللعبة، طبعا اذا ما تم تغيير قانون الانتخبات، كما اسلفت قبل قليل، اما اذا بقي القانون على حاله، فسنكون مقبلين على تكرار التجربة الحالية بكل نواقصها ومشاكلها وتعقيداتها للسنوات الاربع القادمة، ولذلك فانا انتهز الفرصة هنا لاحذر من مغبة الاسترسال مع الواقع الحالي للدورة الانتخابية القادمة (اربعة سنوات) لان ذلك سيعرض العراق وكل منجزات الشعب العراقي التي عمدها بالدم والتضحيات، الى مخاطر جمة، سيتحمل مسؤولية ذلك السياسيون اولا اذا ما ابقوا على قانون الانتخابات القديم، فقدموا، بذلك، مصالحهم الشخصية والحزبية الضيقة على المصالح العامة للعراق وشعبه.

لشد ما استغرب لطريقة تفكير هؤلاء، فعندما يرون انهم فشلوا في ادارة البلد بالعناصر الحالية التي تسنمت مواقع المسؤولية، كيف يجيزون لانفسهم ان يكرروا الوجوه والاشخاص ذاتها من دون تغيير، على الاقل في الوجوه، وان كان ذلك لا يكفي؟.

اما بشان التحالفات الجديدة، فان اغلبها التي تشكلت لحد الان لم تعد كونها تجميلية وصورية، اما الجوهر فبقي على حاله، ولذلك فهي، برايي، ستضيف اعباء جديدة للعملية السياسية في فترة ما بعد الانتخابات، ولذلك اتمنى ان تتشكل التحالفات بطريقة صحيحة، قائمة على اساس الانسجام والعدل وقليل من المصالح الحزبية، اما ان تطغى المصالح الحزبية على كل شئ، فذلك ما يهدد مثل هذه التحالفات في مقتل.


الطيف:

“الإصلاح” و”المصالحة ” وغيرها مشاريع بعناوين عريضة، هل يبدو لك ذلك مجرد شعارات لمرحلة تسبق الانتخابات والاستحقاقات المهمة، أم أن المصالحة يمكن ان تكون ناجعة في تحقيق مايصبو إليه الجميع؟.
نزار حيدر:

يجب ان نتعامل مع المصطلحين كلا على انفراد، فالاصلاح امر ضروري وواجب، خاصة بعد ان اكتشف العراقيون الكثير من الاخطاء التي رافقت العملية السياسية الجديدة، فالاصلاح مطلوب بل ضروري وواجب، سواء ما يخص الدستور او العملية السياسية او ادوات ووسائل ادارة الدولة، او حتى على صعيد العلاقة بين مؤسسات الدولية العراقية الحديثة، التي شابها الكثير من التناقض والتضارب، ولعل ما رايناه منها فيما يخص قضية الموقف من سوريا مؤخرا اكبر دليل على ذلك.

اما موضوعة المصالحة، فهو شئ آخر مختلف.

وبهذا الخصوص فانا اعتقد ان هناك عدم وضوح في الرؤية تجاهها حتى عند مؤسسات الدولة العراقية، مجلس الرئاسة ومجلس النواب والحكومة، ولذلك جاءت الكثير من فصولها، وللاسف الشديد، على حساب دم العراقيين، كما انها جاءت في احيان كثيرة على حساب الانجازات المتعلقة بمصالح الناس مباشرة.

اتمنى ان ياخذ هذين المصطلحين (الاصلاح) و (المصالحة) حيزا كافيا في اهتمامات مجلس النواب العراقي للتنظير لها بشكل دقيق وصحيح، من اجل ان يتركا اثرهما في الساحة العراقية بما يتناسب وطموح العراقيين التواقين الى الاصلاح والى تحقيق المصالحة بشكل عادل وسليم.

كما ان بوسع منظمات المجتمع المدني ومراكز الابحاث والتحقيق ان تلعب دورا للتنظير لهذين المصطلحين، فهما يستحقان الوقت والجهد من اجل بلورة افضل، وتاليا نتائج احسن.

الطيف:

كيف تقيم محاربة الحكومة للفساد والفاسدين في عراق اليوم، وماهو رأيك بالإختلاسات والسرقات التي حدثت مؤخراً، وماحصل من سطو مسلح على البنوك والمصارف العراقية؟.
نزار حيدر:

لم نكن ننتظر ممن تصدى للشان العام بعد سقوط الصنم، ان يتورط بمثل هذه المفاسد المالية والادارية المؤسفة.

ان واحدة من اخطر التحديات التي تواجه العراق الجديد هو ظاهرة الفساد المالي والاداري التي لم ينج منها مسؤول، الا من خرج بدليل، وقليل ما هم.

وانا شخصيا، اعتقد بان هذا الملف لا يقل خطورة عن ملف الارهاب، فكلاهما يدمر البلد، وكلاهما يتجاوزان على المواطن، فالاول يبيح دمه والثاني يبيح ماله.

اتمنى على الحكومة العراقية ان تتعامل بجدية اكبر مع هذا الملف، وبكل حزم وقوة وبلا مجاملة، فانه التحدي الاكبر لمصداقيتها ولقدرتها على صيانة حق المواطن، وانتزاعه ممن يعتدي ويتجاوز عليه بغير حق.

ان ما يؤسف له حقا، هو ان هذا الملف، كما هو حال بقية الملفات الخطيرة، دخل حيز المحاصصة، فاخذ كل فريق يتستر على وضعه ملوحا بسيف المحاصصة ومهددا بالكشف عن تورط الاخر (المتربص) به، لتكون النتيجة ان يسكت الجميع فيتستر كل طرف على الطرف الاخر مقابل ان ينجو من الملاحقة والمحاسبة والعقوبة، وهكذا دواليك.

واقول بصراحة، لم يبق بيد الحكومة العراقية الا هذا الملف لتثبت نزاهتها، ولذلك، فان عليها تقع مسؤولية التعامل مع هذا الملف بحزم، والا فهي الاخرى غير نزيهة وانها متورطة مع من تورط بالفساد.

الطيف:

هل السياسي العراقي خط أحمر لايجوز الأقتراب منه او تجاوزه؟!.
نزار حيدر:

ابدا، بل يجب ان يكون السياسي في مرمى قلم الاعلام الحر، الذي يسعى بكل جهده من اجل مراقبته ومحاسبته وملاحقته، فالحصانة تشجع السياسي على المزيد من الفساد، ان الاداري او المالي او حتى السياسي..

ان كل من يضع نفسه في الموقع العام يجب ان يقبل الرقابة وباشد صورها، وان السياسي، خاصة الذي يتصدى لموقع المسؤولية في الدولة العراقية، هو احد ابرز من وضع نفسه في الموقع العام، ولذلك يجب ان يقبل النقد ويتحمل الرقابة ويصبر على الملاحقة والمساءلة، وان كل ذلك لمصلحته ولمصلحة البلد الذي يسعى شعبه من اجل بناء نظام سياسي ديمقراطي، فالديمقراطية اساسها حرية التعبير، طبعا من دون ان يعني ذلك الفوضى والطعن بغير دليل والتسقيط، ابدا، بل في اطار الدستور والقانون العام الذي حدد اخلاقيات هذا العمل.

ان مبدا (القانون فوق الجميع) في دولة القانون، يعني، فيما يعني، ان يعرض كل المسؤولين والسياسيين انفسهم للرقابة والمساءلة، واذا احتاج الامر، للملاحقة والعقاب، اما ان يصنع السياسي من نفسه خطا احمر وملاكا مقدسا لا يجيز لاحد مراقبته، فان ذلك خلاف القانون، بل انه سيشجع على الفساد والانحراف، عندما لا يشعر السياسي ان هناك من يراقبه ويحصي عليه حركاته وسكناته، ويعد عليه انفاسه.

الطيف:

كيف تصف التجاوزات الأخيرة ضد الصحافيين والإعلاميين العراقيين من قبل ساسة كبار؟.
نزار حيدر:

ان الرجال والنساء الذين يعملون في مجال الاعلام والصحافة، هم الجنود المجهولون الحقيقيون الذين يخاطرون بانفسهم وبعوائلهم من اجل المساهمة في صنع غد مشرق للعراق والعراقيين، ولذلك فان اي اعتداء عليهم هو بمثابة الاعتداء على الامل الذي يتلمسونه بقلمهم الحر وبريشتهم الحرة التي يحاولون ان يرسموا بها معالم الغد المشرق.

ان هذه الحالة بحاجة الى وقفة شجاعة من منظمات المجتمع المدني، والتي تقف على راسها المؤسسات الاعلامية، وكذلك من القضاء العراقي الذي يجب ان يقف الى جانب المظلوم في مثل هذه القضايا بعيدا عن التسييس والمحاباة والخوف من تاثيرات الاحزاب والمتنفذين، لايقاف مثل هذه التجاوزات عند حدها والحيلولة دون تكرارها، من خلال فضحها ومعاقبة المتجاوز مهما كان موقعه في السلطة او في الشرطة.
الطيف:

برأيك هل سيعود العراق إلى المربع الأول، أم اننا قد تجاوزنا هذه المرحلة؟.
نزار حيدر:

اذا كان المقصود بالمربع الاول، هو العودة الى نظام الحزب الواحد و(القائد الاوحد) او الى نظام حكم الاقلية، مهما كانت هويتها، لتعود بالعراق الى سلطة الاستبداد التي تهمش هذا وتتجاوز على حقوق ذاك وتقتل وتذبح وتعدم وتشن الحروب العبثية بلا حسيب او رقيب، كما كان الحال فترة نظام الطاغية الذليل، فلا اعتقد بان العراق سيعود الى المربع الاول بهذا المعنى ابدا، فالعراقيون تذوقوا طعم الحرية وتلمسوا فوائد الديمقراطية، ولذلك لا اعتقد ابدا بانهم سيفرطون بكل ذلك، ويلقوا حبل الامور على غاربها.

نعم، هناك مربع اول آخر اخشى ان نعود اليه بعد الانتخابات التشريعية القادمة مطلع العام القادم، وهو مربع الثلاثي المشؤوم (المحاصصة والتوافق والفيتو) فاذا لم يشرع مجلس النواب قانون الانتخابات وبصيغته المعدلة، التي تكفل تغييرا حقيقيا في النتائج، فسنكون مقبلين على تكرار النسخة للسنوات الاربع القادمة، وهذا هو الخطر الذي يجب ان ينتبه اليه المشرعون، فلا يتحملوا وزر الابقاء على الخطا، وعدم المساهمة في تصحيحه من خلال التسويف في تشريع القانون، وهو الامر الذي تدفع باتجاهه الحيتان الكبيرة من الاحزاب الحاكمة التي التصقت مؤخرتها بمقاعد السلطة، فلا تود تركها، وان كان ذلك على حساب المصلحة العليا للبلد والشعب.

الطيف:

أخيراً … يبدو السؤال كلاسيكي، ولكن، هل انت متفائل بمستقبل العراق؟ وماذا تتوقع لمستقبل هذا البلد الذي انهكته الحروب؟.
نزار حيدر:

من طبيعتي انني متفائل، وليس ذلك لهوى في نفسي او ضربا من ضروب الخيال، ابدا، وانما يعتمد تفاؤلي هذا على عدة حقائق، يمكن ان اجملها بما يلي:

وقبل ذلك، يجب ان نضع في الحسبان حقيقة في غاية الاهمية، وهي ان العراق شهد انقلابا تاريخيا بسقوط الصنم في التاسع من نيسان عام 2003، ففي ذلك اليوم منح، بضم الميم، العراقيون فرصة جديدة لبناء بلدهم على اسس جديدة تعتمد الحرية والكرامة والشراكة الحقيقية، بادوات الديمقراطية والتي تقف على راسها صناديق الاقتراع.

اما التفاؤل، فسببه:

اولا: دور المرجعية الدينية في ترشيد العملية السياسية، وتصحيح مساراتها كلما تعرضت للانحراف او واجهت خطا، ولقد اثبتت المرجعية الدينية من خلال تجربة السنوات السبع الاخيرة، انها فوق الميول والاتجاهات، وانها تضع المصلحة الوطنية العليا فوق كل المصالح الاخرى، ما اكسبها ثقة الناس والزعماء في آن واحد.

ثانيا: التعددية الحقيقية، ان على الصعيد الحزبي او السياسي او الفكري والثقافي، فهي صمام امان تحول دون استفراد فرد او طغيان شريحة دون الاخرين.

ثالثا: الاعلام الحر الذي يؤمن انسيابية عالية للمعلومة الصحيحة، والتي تلعب الدور الابرز في صياغة الراي العام المتنور الذي يكبح جماح الاستبداد والديكتاتورية.

رابعا: منظمات المجتمع المدني التي تعتبر المصدات الحقيقية بوجه اي نوع من انواع الاستبداد والاتفراد والطغيان.

خامسا: واخيرا، الناخب الواعي الذي بات يميز مصالحه، ويشخص الافضل من المسؤولين، الناخب القادر على ان يعاقب المسئ فيسقطه ويثيب المحسن فيرفعه، ولعل في تجربة انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة التي جرت مطلع العام الحالي، خير دليل على ما نذهب اليه، فلقد اهلك الناخب زعماء واستخلف آخرين بوعيه وحكمته وحنكته السياسية، وحسن اختياره.

ختاما:

اسمح لي ان اتقدم لصحيفة (الطيف) ولك شخصيا، بوافر الشكر والتقدير لاتاحتها هذه الفرصة الثمينة لاطل بها على القارئ الكريم.

اسال الله تعالى التوفيق والسداد لكل العاملين المخلصين من اجل العراق وشعبه الابي، الذي يستحق منا كل تضحية من اجل حريته وامنه وسعادته، ومن اجل مستقبل افضل.

كما اساله تعالى ان يمن على هذا الشعب بالرحمة والامن والاطمئنان، انه نعم المولى ونعم النصير، وهو القادر على كل شئ.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

11 ايلول 2009