الرئيسية » مقالات » المعادلة الصعبة ما بين ذوات الارواح..وذوي العقول

المعادلة الصعبة ما بين ذوات الارواح..وذوي العقول

8-8-2009

مرة اخرى ..وبنجاح منقطع النظير..يتم الاثبات ..وبصورة لا تقبل الشك.. ان الامراض المستعصية والاوبئة الفتاكة والكوارث الطبيعية اقل وطأةً وضرراً وسوء عاقبة على المجتمع من اجتهادات بعض المتأسلمين الذين وضعوا عقولهم في فوهة دهليز مظلم وعميق وطويل لا تفتح نهايته الا على صفحة او اثنتين- او فلنقل ثلاثة – من احد الكتب الصفراءالمغبرة ..هي جل علمهم ومنتهى املهم وآخر معرفتهم بالعلم والمعرفة واحوال الناس .. وهذه الوريقات هي ما تعد لديهم الدين والدنيا ..وهي ما يسعون الى تطبيقها على المجتمع برمته مهمشين من قد يكون مطلعا على صفحات اكثر تحت طائلة التكفير والنفي والاقصاء..

فلقد صادر عدد من أئمة المساجد في مدينة جدة، غرب المملكة العربية السعودية، وبعض المصلين منشورات التوعية التي توزعها وزارة الصحة في مختلف الميادين والشوارع والأسواق وحول المساجد عن طريق متطوعين، يطلق عليهم اسم ‘مثقفون صحيون’ من طلاب الجامعات والمدارس الثانوية، بحجة أن هذه المنشورات تحمل صوراً ورسومات.
ورغم ما تتضمنه هذه المنشورات من معلومات مهمة حول فيروس انفلونزا الخنازير، وطرق الوقاية منه، واكتشاف المصاب، والإجراءات المهمة في علاج المصاب، ووسائل انتقال الفيروس، إلا أن هؤلاء الأئمة والمصلين احتجوا بسبب وجود بعض الصور والرسومات، التي ذكروا أنها من ‘ذوات الأرواح’، على حد تعبيرهم.

ومن الجدير بالذكر ان ارتفاع أصوات بعض المصلين وعدد من المثقفين الصحيين ‘المتطوعين’ حول أحد مساجد حي الرغامة شرق جدة بعد انتهاء صلاة التراويح قد استدعى تدخل عدد من المصلين للسيطرة على الموقف.

واكتشف أن بعض المصلين قد تلفظوا بألفاظ نابية على المتطوعين الصحيين، رغم أنهم يعملون بلا أجر. اي في سبيل الله ..حيث أحد المتطوعين لصحيفة لوسائل الاعلام، أنه قد تلقى كلمات جارحة من بعض المصلين الذين بدأوا مباشرة في مصادرة المنشورات التي تم توزيعها على عدد من المارة، وأنهم ذكروا أنه لايجوز توزيعها حول المساجد لاشتمالها على صور ‘ذوات أرواح’، أي بشر وحيوانات.

وهنا من حقنا ان نتسائل عن تخريج حكم الفقهاء الذين يظهرون في القنوات الفضائية للوعظ والارشاد والدعوة..او حكم مراسم نقل الصلوات الواجبة ..اليست تقدم ذوي الارواح والاجسام ركعا سجدا..وما حكم الهاتف النقال..والمجلات والكتب المصورة..وكيف يدرس طالب الطب وعلوم الحياة.. و ما حكم رفع صورة الحاكم في الدوائر والمؤسسات الرسمية..والاكثر اثارة للاستغراب هو كيف يستسيغ العالم الجليل استلام معونته من الدولة او من الرعاة وهي تحمل صورة السلطان ..او هل يعد الحاكم من غير ذوات الارواح..

ان هذه الاحداث..وما شابهها تقدم الدليل تلو الاخر على حراجة الموقف الذي من الممكن ان يجر اليه بعض المتاسلمين الاعتقاد الديني وعلاقته بالمنظومة الاجتماعية ..وتؤكد ان السماح لسيادة الفكر المنغلق المنفلت والممول باسراف وتغوله داخل مجتمعاتنا الاسلامية هو عمل يستهدف اخراج الإسلام .. كمشروع حضاري.. من منظومة الحضارات الانسانية المتفاعلة وجر المجتمع من تلابيبه والتقهقر به الى قيم البداوة في احط صورها المناهضة للعقلانية والواقعية .. مما يشكل خطرا حقيقيا على مستقبل الدين الاسلامي كثقافة وتأثير بل حتى كوجود.

وهنا قد يكون من المفيد استرجاع مقولة الشيخ محمد الغزالي : “إن الإسلام ليس ديناً إقليمياً لكم وحدكم، إن لكم فقهاً بدوياً ضيق النطاق، وعندما تضعونه مع الإسلام في كفة واحدة وتقولون: هذه الصفقة لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فستطيش كفة الإسلام وينصرف الناس عنه”.