الرئيسية » مقالات » حماس…من المأزق السياسي إلى المأزق الفكري

حماس…من المأزق السياسي إلى المأزق الفكري

في أعقاب فوز حركة حماس في انتخابات البلديات في قطاع غزة أوائل العام 2005م، و في الانتخابات التشريعية عام 2006م ،ساد الاعتقاد لدى قيادات حركة حماس بأن فوزهم في تلك الانتخابات قد هيأ الطريق لحماس لاستلام زمام السلطة الفلسطينية، وإدارة شؤون البلاد بنموذج مميز في الحكم ،بناءا على برنامج انتخابي قدمته الحركة للجمهور الفلسطيني، إلا أنه ما لم يكن في حساب قيادات حركة حماس بأنها في ظل انتقالها من المعارضة إلى السلطة ستقع في مآزق سياسي وأيدلوجي واجتماعي، لا سيما وأن البرنامج الانتخابي الذي قدمته الحركة للناخب الفلسطيني سيقع في معضلة التنفيذ بين ثنائية البرنامج السياسي للسلطة بجميع أعمدتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية…، والذي اعتمدته منظمة التحرير الفلسطينية، واقر بحل الدولتين، بناء على قرارات الشرعية الدولية، في الوقت الذي لا تعترف فيه حماس بمنظمة التحرير كمرجعية سياسية للشعب الفلسطيني، ولا بالاتفاقات التي وقعتها، وبين ميثاق حركة حماس الأيدلوجي الذي ينص في مادته الثامنة على أنها حركة مقاومة إسلامية سبيلها الجهاد.
حركة حماس وبمجرد انتقالها من المعارضة إلى السلطة، واستلامها زمام السلطة 25/يناير من العام 2006م قد دخلت في مأزق الاختيار ما بين الحكم ببرنامجها الانتخابي بالتوافق مع برنامج سياسي واقعي مقبول إقليميا ودوليا قد يفتح الباب أمام الاعتراف بها سياسياً، بالمقابل سيضعها في موضع اتهام بأنها قد خالفت منهجها، وتخلت عن طريقها من قبل من أخذ بفكرتها من الحركات الإسلامية ،وبعض الجماعات الإسلامية التي برزت على الساحة الفلسطينية،وما بين الحكم ببرنامجها الانتخابي بالتوافق مع البرنامج الأيدلوجي ،مع استبعاد البرنامج السياسي، ما يغلق الباب أمام أي اعتراف سياسي بها، وما بين الجمع ما بين البرنامج الأيدلوجي للحركة والبرنامج السياسي، استنساخاً لتجارب الغير وهذا أمر صعب المنال لعدة أسباب، فحركة حماس في بداياتها حاولت أن تخوض تجربة حكم إسلام سياسي بقواعد لعب سياسية مستمدة من اتجاهات فكرية إسلامية، قد تكون في بداياتها نجحت في كسب تأييد بعض الأحزاب والجماعات الإسلامية ممن هي في دائرة التماثل الفكري لحماس، مثل الجهاد الإسلامي، وألوية الناصر صلاح الدين وجيش الإسلام….وغيرهما، حتى باتت حماس في بداية حكمها تنفذ عمليات مشتركة مع بعض هذه الجماعات كان من أبرزها عملية (الوهم المبتبدد) 25/06/2006م والتي تم خلالها اسر الجندي الصهيوني(جلعاط شاليط )، إلا أن حركة حماس وبسبب تقديرها الخاطئ لطبيعة الحالة الفلسطينية زماناً ومكاناً، والظروف السياسية محلياً وإقليميا ودوليا، وطبيعة المتغيرات الدولية، واستفرادها بالحكم الذي تلاه انقساما جغرافياً وسياسياً ،فيما أتبعته بانقلاب على السلطة في قطاع غزة 14/6/2007، والذي استغلته إسرائيل في التهرب من استحقاقات عملية السلام، والاستفحال في بناء المستوطنات،والتهام الأراضي، قد سجلت فشلاً سياسيا ذريعا، وفيما لم تحقق حماس أي اختراق في جدار العزلة السياسية التي فرضت عليها، وعندما لم تستطع فك الحصار الذي فرض على قطاع غزة، والذي تسبب في انهيار الأوضاع الاقتصادية الفلسطينية إلى الحضيض، فقد سجلت حماس فشلاً أخراً لا سيما في إدارة شؤون المجتمع الفلسطيني اقتصاديا.
جميع هذه العوامل أفقدت حماس الثقة، وأضعفت مكانتها، وفي محاولة منها للخروج من هذا المأزق، وبدلا من أن تتعامل بانفتاح مع الداخل الفلسطيني للخروج من مأزقها دأبت إلى التعامل بانفتاح مع الخارج، ومن خلال مغازلة المجتمع الدولي لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، حيث بدأت في إرسال إشارات لهذه الأطراف بان حركة حماس حركة وسطية معتدلة تحمل فكراً تحريرياً في أطار الشرعية الدولية، وأنها قادرة على لعب دور مميز في صنع السلام، وأنها تدعم الحل القائم على دولتين على حدود 67، حتى وصل الأمر للحديث أحياناً عن حركة حماس كحركة تحرر وطني بدلاً من( حركة المقاومة الإسلامية)، فيما أنها غازلت إسرائيل بقدرتها على فرض الأمن في قطاع غزة، وأنها تسعى إلى إبرام هدنة طويلة مع معها، مما أعطى انطباع لدى الجماعات الإسلامية المتشددة التي تعارض هذا التوجه، والتي تتبنى منهج المقاومة كخط وحيد لتحرير فلسطين، بأن حماس حادت عن طريقها، ما عكس عدم ثقة هذه الجماعات بنظام حماس وبمنهجها الفكري، فبدأت بالتكاثر ،وبالبحث عن هوية فكرية خلاف لهوية حماس، وبدأت باستقطاب العديد من الشباب الرافضين لهذا النهج من داخل حماس، ومن خارجها، ما أدى إلى حالة احتقان بين حماس وهذه الجماعات بدايتة لم تكن ظاهرة، ما لبث أن تصاعدت وتيرتها تدريجياً، حيث الصدام مع ‘جيش الإسلام’ ثم انفجرت في مدينة رفح مع إعلان جماعة ‘جند أنصار الله’ السلفية عن ولادة الإمارة الإسلامية، أدت إلى مواجهة عسكرية مع حماس، أطاحت بقائد هذه الجماعة ومجموعة من أنصاره، وعدد من أبناء حماس، على أثرها توعدت هذه الجماعة بالانتقام، من خلال العديد من البيانات التي ملأت الصحافة الالكترونية، تبعها عمليات تفجير في عدة أماكن في قطاع غزة،نسبت لهذه الجماعة، في إشارات تحذيرية واضحة لحماس، هنا تكون حماس قد دخلت في دائرة مغلقة تحكمها السياسة من ناحية، والأيدلوجية من ناحية أخرى، فكلما إتجهت حماس نحو تطبيق برنامجها الأيدلوجي ضعف موقفها السياسي، وأوصدت الأبواب أمام الاعتراف بكيانها السياسي، وكلما حاولت الاتجاه نحو السياسة والمفاوضات ضعف موقفها الداخلي والأيدلوجي، وجوبهت بمواقف رافضة لهذه الخطوات من قبل المتشددين الرافضين لهذا النهج، الذين قد يزداد عددهم يوماً بعد يوم.
إذا كيف ستخرج من هذه المتناقضات؟، وبأي خط ستسجل نجاحها؟، هل بالخط السياسي،أم بالخط الأيدلوجي؟؟، وهل ستستطيع إيقاف مد وتفريخ هذه الجماعات؟؟، وكيف؟، وبأي طريقة؟، هل بالاستقطاب؟، أم بالمواجهة على غرار ما حدث في حي الصبرة، وما حدث في مسجد ابن تيمية في مدينة رفح؟ أم كيف؟.
الأيام كفيلة بالإجابة على كل هذه الأسئلة