الرئيسية » مقالات » تقارير حرة

تقارير حرة

من جملة “الكبائر” التي مرت علي خلال متابعتي المتواضعة للصحف السويدية, تقرير يتحدث عن مظهر سيدنا المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام), ويدحض فيه الكاتب الصورة التقليدية لمظهره عليه السلام, فبشرته ليست بيضاء ولا شعره اشقر ولا عيونه زرقاء, بل على العكس تماماً وعلى ذمة التقرير, هو اقرب الى العبد منه الى الرجل الاسمر, وللتأكيد على صحة ما جاء في التقرير وصوابه, نشرت الصحيفة السويدية صورة شبه كاريكاتورية, تظهر فيه النبي عيسى (عليه السلام) على شكل رجل اسود ,غليظ الشفتين, ضخم الانف, اجعد الشعر, ومن الكبائر كذلك, وايضاً خلال متابعتي للاعلام السويدي, حدث وان شاهدت بام عيني, لوحة دافنشي المشهورة وقد استبدل فيها وجه الجميلة “جوكوندا” صاحبة اللوحة بوجهه عليه السلام .
اما اخر تقرير مثير للجدل في الصحافة الاسكندنافية, فقد نشر أخيراً في صحيفة “افتون بلادت” السويدية المرموقة, وقد حظي التقرير باهتمام عالمي وعربي واسلامي ومحلي سويدي وغضب اسرائيلي جامح, بسبب ما تعرض له الكاتب بوستروم بالكلمة والصورة من عملية تجارية غير مشروعة لشبكة يهودية تسرق اعضاء بشرية تعود إلى قتلى فلسطينيين بغرض بيعها في الولايات المتحدة الاميركية, هذا التقرير كان له صدى اكبر بكثير من التقارير السالفة الذكر, عدا الصور الكاريكاتورية التي نشرتها الصحيفة الدانماركية “يلاندز بوستن” للرسول (عليه الصلاة والسلام), فقد كانت الاقوى على الاطلاق من حيث الصدى وردود الفعل المبالغ فيها, في شرق العالم وغربه .
التقارير التي تظهر بين الفينة والاخرى في وسائل الاعلام الاسكندنافية, وتكون محل مدح او ذم منا نحن ابناء الشرق, مسلمين وعرب وعجم ويهود,… في الحقيقة هي نتاج طبيعي للحرية التي يتمتع بها الكاتب الاسكندنافي ونضج المتلقي القارئ وهضمه للمعلومة الحرة, فالتجربة الاسكندنافية في مجال الصحافة الحرة ليست وليدة اللحظة الراهنة, بل هي محصلة حتمية لتطور طويل ومتراكم لثقافة اجتماعية انسانية تقوم على الحق الكامل للفرد بحرية التعبير والرأي .
الخلاف والاختلاف الحاصل بيننا وبينهم هؤلاء اصحاب التقارير الحرة, يكمن في عدم استيعابنا لمدى الحرية الواسعة التي يحظى بها الكاتب الاسكندنافي فكراً وممارسة, كما ان التناقض بيننا وبينهم هؤلاء, شاسع وواسع ويتجاوز حدود المعقول, ويشمل حتى النخبة العربية الليبرالية, فالاستاذ الكبير عبد الرحمن الراشد, على سبيل المثال فقط لا الحصر, كتب مقالة قبل ايام في صحيفة “الشرق الاوسط” السعودية تحت عنوان “هل سرق الاسرائيليون كلى الفلسطينيين”, وكعادته كان الاستاذ الراشد رشيداً وموفقاً في تطرقه الى الحدث, الا انه اظهر هذه المرة وللاسف الشديد, عدم المامه الكامل بحقيقة المجتمعات الاسكندنافية وديمقراطيتها الراسخة, حين اختتم مقالته بالكلمات التالية : “عسى ان تحافظ الحكومة السويدية على موقفها من رفض الضغوط الاسرائيلية بلجم اعلامها”, فالحكومة السويدية لا حول ولا قوة لها على اعلامها, فنحن نتحدث عن عالم اخر مختلف عن عالمنا الاسلامي والشرق الاوسطي والعربي, والاختلاف هنا يتجاوز مسألة الحريات وحجمها الى طبيعة المقدس نفسه, وحرية الرأي والكلمة في السويد وبقية دول الاسكندنافية هي من اقدس المقدسات, والتقارير التي تنشر في صحفها قد تعجبنا او لا تعجبنا, لكنها اولاً واخيرا تقارير حرة والى حد كبير تقارير نزيهة .