الرئيسية » مقالات » العراقيون والأحزاب الدينية

العراقيون والأحزاب الدينية

لظروف متنوعة مختلفة صوَّت كثير من العراقيين للأحزاب الدينية. تلك الأحزاب التي كسبت معركة التصويت الأولى ببرامجها التي استغلت “التخويف” من هول احتمال عودة النظام الدكتاتوري اعتمادا على تضخيم وجوده التنظيمي وعلى دمغ تشكيلات الإرهاب وعصاباته كافة، بالطمغة البعثفاشية لبقايا الصداميين.. وكان عنف التجربة الدموية وأصابع الدعم اللوجستي الإقليمية الكبيرة سببا آخر لقناعة عجلى مرتبكة، في إطار مزيد من الخشية ومن تعطيل فرص التفكير الجدي بنتائج تأييد برامج الأحزاب الدينية وكل ذلك في ظرف انتقالي من دون استعداد القوى الديموقراطية التي جابهت مجددا قمعا إرهابيا وميدانا لم يحرث بعدُ.

ولكن تجربة السنوات الست المنصرمة ونتائج حكومة المحاصصة [التي ركنت من حيث الجوهر فكرة حكومة الوحدة الوطنية على الرف]، قد أوقعت فضيع الخسائر في العراقيين وآمالهم وتطلعاتهم.. لقد انشغلت تلك الحكومة وقادة الأحزاب الدينية بموضوعة الحصص ودورها في صياغة القرار. كما انشغلت بــ(مغانم!) حزبية فئوية ضيقة.. فــ ـغير مجموعة بطانيات لم تكفِ ليلتحف الفقراء بها لم ينل المواطن حتى الفتات..

لقد تأكد العراقي في هذي السنوات العجاف، أنه بلا أمان ولا وجود لمؤسسة تحميه وتكون مؤسسة حقيقية مكتملة شروط العمل المؤسسي. كما تيقن العراقي من أنّ وعود الإعمار والخدمات الرئيسة ظلت وهما وهي كريشة خفيفة ذهبت أدراج ريح صرصر عاتية دمرت ما تبقى مما كان بين يديه!

إذن التجربة الملموسة أكدت أنّ خيار الأحزاب الدينية ليس مؤداه إلا إلى حيث (الطائفية بكل أمراضها) التي نالت [وستنال أكثر] من الاستقرار والأمن وفرص الحياة الكريمة. وبدل الادعاء بكونها فرصة لحماية طائفة أو أخرى اكتشف العراقي جوهرها الكريه الذي وضعه قسرا في مواجهة أخيه العراقي بحجج وذرائع لا منطق لها سوى اللعب على ذقون الناس من جهة وخدمة نخبة من المستغلين الجدد ممن احتفلوا بكرنفالات الدم بوساطة (ميليشيات الطائفية) التي لم تخرج من الميدان حتى هذه اللحظة وإن غيرت بعض أشكال عملها سيء الصيت من مثل التخفي وراء مؤسسات الداخلية والدفاع..

وبافتضاح أمر “الأحزاب الدينية وفلسفتها” ونتائج برامجها وسياساتها، تعالى صوت الاحتجاج الشعبي مما حلَّ به من كوارث مأساوية تسببت بها تلك الأحزاب وتوجهاتها التراجيدية.. وتحت ضغط الصوت الشعبي وحقوق الناس وخروجهم إلى الميادين دفاعا عن الكرامة الإنسانية وعن الشرف وعن حقوق العراقيين نساء وأطفالا وكهولا، شيبا وشبيبة.. تحت هذا الضغط المتأتي من سبق شعبي لوعي بطبيعة المرحلة، غيرت مرجعيات عديدة موقفها وسارعت لنفض الأيادي من أحزاب الطائفية واتصل بعضها بالعلمانيين ليكونوا أدواتها الجديدة! وضاق الحال بقيادات التيار السياسي الديني فأُكرِه على اتخاذ قرار مستعجل بتغيير ثوبه [كما جرى في انتخابات مجالس المحافظات] مدعيا ركوبه قطار التيار الوطني الديموقراطي ودولة المؤسسات والقانون..!؟

ولكن كيف يمكن لمواطن ذاق الأمَرَّيْنِ من شدائد أمسه ويومه، أن تنطلي عليه حال ارتداء الذئب لصوف الخراف؟ بلى حصل أن جرى تضليل في المرة الأولى بوساطة استغلال فتاوى ومرجعيات وعجالة استبقت لملمة جهود الديموقراطيين من ممثلي الشعب الحقيقيين… وحصل تضليل آخر في المرة التالية بارتداء ثياب دولة القانون مع بضع إجراءات كفلت هدوءا نسبيا لأيام التصويت وقديما قيل لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.. أما وقد لُدِغ مرتين فماذا ستكون ثالثته؟؟؟

لقد تحدى الشعب رصاص الغدر والإرهاب وتصدى لمن اختار طريقا غير العملية السياسية مسارا لبناء مؤسسات الدولة التي تخدم العراقي مواطنا كريما ملبى الحقوق والمطالب.. وقد انصاعت الأيام لخياره العملية السياسية. لكن مثلبة الطائفية فتحت ثغرة في خياره وسمحت باختراق الإرهاب ليوميات المواطن العراقي.. وسيكون على هذا المواطن كيما لا تكون اللدغة الثالثة في قابل خياره قاتلة ألا يقع فريسة تضليل جديد، صرنا نسمع ونرى الاستعدادت له ليل نهار…

فقوى الطائفية وزعاماتها ارتدت ثياب الوطنية الديموقراطية المزيفة من تصنيع غير محلي؛ ولكنها في حقيقتها هي هي.. لم تنزع عنها جوهرها ومعدنها وهويتها ومطامعها ومستهدفاتها.. ومن ثمَّ فهي حمَّالة رصاصة الرحمة القاتلة التالية وهي حمَّالة وحشية الزمن الجديد.. فهي الأفعى بل التنين القادم إلينا من الشرق.. انظروا في وفود تلك القيادات لمرجعياتها علنا وفي وضح النهار تسارع إلى مقراتها الإقليمية بلا مواربة …

ولقد بات التيار الديني في التجربة الوطنية العراقية يهدد الديموقراطية في عقر دارها واحتل هذا التيار مؤسسات الديموقراطية زورا وبهتانا وبتضليل متستر وهو في حقيقته العدو اللدود الأول للديموقراطية.. فالمواطن يحيى يوميا؛ حكاية لا تناقش فهذا أمر [السيد].. وحكاية ((ولاية الفقيه)) عمليا وعلنيا يمارسونها بالعودة المستمرة المتصلة للمراجع الدينية في أمور السياسة والبناء وفي كل مفترق طرق وإشكالية وقضية.. حتى باتت تلك المراجع نفسها تتحرج مرارا من التدخل بعد أن ضجت القوى الشعبية من هذا السلوك…

ومن هدَّد الديموقراطية يهدد ركنها الأساس في فديرالية كوردستان.. التي اختارها الشعب العراقي بكل أطيافه ومكوناته اعتزازا بحلفها الاستراتيجي الاختياري واتخاذها مسيرة وحدة الوطن والشعب أداة للعيش المشترك.. والتهديد هنا بيِّن مفضوح عبر الضرب على وتيرة تأزيم الأوضاع وإشعال نيران الخلاف المفتعل وتعطيل المواد الدستورية بخصوص الحلول الحاسمة في عديد من مجالات العمل الاتحادي…

إنَّ الخيار الشعبي الذي سيمنح الديموقراطية الحقة لجميع العراقيين ويزيح غمة البلاء الذي ساد في الوطن وفشى في الناس هو برفض كل الشخوص التي مارست فلسفة الطائفية وضربت على أوتار الاحتراب والتقسيم والتشظي وإرهاب الناس ومصادرتهم في رؤاهم وحقوقهم باسم المقدس الديني والدين نفسه منهم براء وهو الأبعد عن تيار الإسلام السياسي إسلام الطائفية وشرذمة الشعب ووضع طيف منه ضد آخر؛ تمريرا لمخططات النهب والسلب والتحكم في رقاب العباد ظلما وضيما…

الخيار الشعبي الجديد، سينتخب الديموقراطيين ممن همشهم رصاص القتلة من ميليشيات الطائفية وعصابات الإرهاب ومافيات الفساد وأضاليلهم.. صحيح أن الديموقراطيين ام يلتئموا بعد في حركة موحدة تتطلبها المرحلة إلا أنهم الخيار الشعبي الرئيس هذه المرة كيما نبني العراق الديموقراطي الفديرالي الموحد بحق…

يتبع