الرئيسية » مقالات » كفاءات خارج الوطن* علي بداي الجزء الثاني

كفاءات خارج الوطن* علي بداي الجزء الثاني

اجرى اللقاء : صفاء فاخـــر

هو المثابر،عراقي، وطني، من الجيل الحيوي، المجادل، والمشاكس، الجيل الذي عاش طفولته مبهورا باخبار هبوط الانسان على وجه القمر، وهو الذي رسم، ولازال يرسم بريشته الخضراء وطنه بقعة ضوء على جدران القمر، وهو الذي يريد ان يطرد الصيف القائض مجلودا باشعة الشمس من المساكن، والمصانع، والاسواق، ويبني للفقراء بيتا جليديا في تموز العراق.
انه علي بداي، الحاضر للكثير من المشاريع، والجالس ينتظر ساعة الصفر، ليبدا باالانتهاء من رسم لوحته النبيلة.

من الملاحظ في المجتمعات المتحضرة ان العلاقة بين المراة والرجل تدورعلى ان اللياقة، وعدم تخطي الحدود يلتزم بها الرجل في تعامله مع المراة، ولا نرى هذا في المجتعات الشرقية وخصوصا في العراق، وان لكم كتابات مهمة تصب في هذا الصدد وتدعو الى احترام وتحرر المراة، فهل لكم من اضاءات عما تنادون به من اجل النهوض بواقع المراة في العراق؟

– قضية المرأة اكبر واعمق من العلاقات البروتوكولية، المرأة هي واحد من اثنين ، هي ليست واحدا من بين عشرين جنس الى جانب الرجل، البشر رجل وامرأة فقط، وعلى مدى التاريخ البشري كانت مهنة الرجال صنع المشاكل والحروب التي تشتغل بما تنجب ارحام النساء بعد شهورمن العذاب الذي لم يجربه الرجال.
وضيفة تأريخية اخرى مهمة للرجال، هي صناعة القوانين والاديان التي تحدد للمرأة ما تفعل وما لا تفعل. اما ابشع انقضاض على آدمية المراة في العراق الان فهو اقناعها ان ثانوية وجودها هي هبة من السماء لها.
ولان قضية المرأة حساسة ولان المجتمع العراقي حافظ على قدر من التماسك بفضل المرأة ، تستعر الان نار الشعارات ، حتى من كان في الامس القريب يشكل الفرق التي تطارد النساء وتملي عليهن ما يتوجب ان يلبسن ويعملن يزعق الان بالشعارات عن احترام المرأة، ما دمر العراق شئ اكثرمن الشعارات، يتوجب الحكم على اية حركة سياسية من خلال مدى تفهمها لحرية الفرد في الاختيار، وهي حرية مقدسة كفلها القران الكريم حتى في اختيار الدين ” لا اكراه في الدين ”
ماحصل في ايران بعد ثلاثين عام من فرض الاحكام العرفية ومحاكم النفتيش الاسلامية ، هو نداء تحذير
لكل من يحاول تقليد هذه التجربة ، فالجيل الذي ولد ونشأ في ظل هذه الاحكام يرفضها وان كلفه رفضها الدم ، والاعتراض الشعبي العارم على نجاد وتاييد موسوي كان في اغلبه يتمحور حول شخصية زوجة موسوي التي قالت في اجتماع عام بالجامعة ” انني التزم بالحجاب ولذلك ارتديه ، ولكنني لا ارى ضرورة لالزام من لا تريد الالتزام بارتداءه” . ربما تسآل هل يستحق الحجاب او قطعة القماش تلك هذا الاهتمام ؟واقول لك نعم لان قطعة القماش هذه هي شعار سياسي، وساكتفي بذلك لان الحديث عن الموضوع يطول.

ان المتابع لكم يجد في طروحاتكم اهتماما كبيرا بالقضية الكردية، فكيف تقرأون طروحات الاخوة الاكراد في الاستثمارات النفطية؟ وقضية كركوك؟ والى أين ستصل تجربة الفدرالية في اقليم كردستان والعراق عموما؟
– نحن قوم نجهل التاريخ ولدينا علاقة مع الاشاعة اشبه بعلاقة الحب من اول نظرة، نتاثر بها ونصدقها على الفور، لانستطيع في الكثير من الاحيان كسب الاصدقاء، الذين دافعوا دفاعا اسطوريا عن “قلعة الشقيف” اثناء اجتياح بيروت كانوا من حزب العمال الكردستاني، انا بقيت سنة مع المقاتلين وكنت ارى الاكراد في كل الجبهات فتح والشعبية والديمقراطية ، فما الذي تغير؟ ان المشكلة الكردية تعنينا جميعا ، وحلها الديموقراطي سيسهم باستقرار منطقة الشرق الاوسط برمتها.
ولو ان المسالة الكردية قد حلت في العراق حلا ديموقراطيا منذ بداية ظهورها كمشكلة في اربعينيات القرن الماضي، لوفرت على ثورة تموز واحدة من اهم العقبات التي ساهمت لاحقا بتعثرها، ولما كان على الحكومة العراقية التالية التي نحرت ثورة تموز ان تعقد معاهدة الجزائر مع ايران، ولولا تلك المعاهدة لما وجدت الحكومة العراقية انذاك المسوغ لشن الحرب على ايران في 21 ايلول 1980 ،ولولا تلك الحرب المهلكة لما افلس العراق واستنزفت قواه بحيث راح يستدين من معظم دول العالم، ولولا الافلاس المادي، لما استدار صدام الى الكويت، ولولا الكويت وغزوها لما هبت عاصفة الصحراء التي اشرت على بداية تحطم الدولة العراقية وولوجها العصر ماقبل الصناعي ، تلك العاصفة السوداء التي انتهت الى حصارحول ملايين الناس الى متسولين وانتج شريحة من كبار السراق مالبثت ان انتقلت بسرعة الى مواقع السلطة الجديدة.
ولو احصيت الاموال التي انفقت جراء الاصرارعلى تفادي الحل الديموقراطي للقضية الكردية وجراء الاصرار على خوض الحروب، لفاقت ربما بقيمتها الاموال التي استدانها صدام من دول الخليج، والتي كانت سببا في انهيار علاقته بحكام دول الخليج و ادت الى ماادت اليه من غزو الكويت وفتح الابواب رسميا امام التدخل الدولي العسكري في الشان العراقي والعربي . تركيزي على المسالة الكردية اذن يرمي الى الوصول الى مرحلة تضعنا امام حقيقة اننا شركاء ولايمكن ان يقل احدنا عن الاخر.
ان الحل النهائي للقضية الكردية عامة هو في مصلحة العرب ، هذا اذا أمنا حقا ان شيئا ما مازال يجمعنا كعرب. وعلى العرب والكرد ان يكونوا واضحين مع بعضهم وواثقين من نوايا بعضهم ، عندئذ لن تبقى مشكلة بلا حل .

انتم مشغولون الان باخراج مؤلف موسوم بعنوان “الهاربون من الارض” ، فاي القضايا تعالجونها فيه؟ ومتى سيصدر؟ وهل من سبق صحفي حول هذا الكتاب؟

– العقلية العرباسلامية تعاني من وهم يجعلها تستميت من اجل ابدال حقائق الحياة الواقعة بالاماني، كنتيجة لتعارض ماتربت عليه من مسلمات غيبية تؤكد الحياة يوميا تعارضها مع الواقع، ولاتملك هذه العقلية قدر من الشجاعة يؤهلها للتشكيك بهذه المسلمات ذات الجذور المتوغلة في اعماقها، والمكررة يوميا عبر انظمة التعليم والعرف العائلي ، وبذات الوقت لا تتمكن هذه العقلية من حرف اتجاه حركة الواقع بالاتجاه الداعم للمسلمات. وحين تفشل هذه العقلية عن استحصال دعم الواقع لصحة المسلمات، تنتقل الى عملية تأجيل هذا التدعيم الى المستقبل الزاهر ان شاء الله، او الى اجل غير مسمى حين سيقف الله مع الصابرين، وتستمر عملية الهروب من الارض وقوانينها واحكامها الى سماء ضبابية غير واضحة، استمع الى خطاب صدام حسين في “ام المعارك “:
“إن الله معنا، أيها الإخوة. إنه ـ سبحانه ـ مع المؤمنين الصابرين الصامدين المجاهدين، وإنه ناصرهم، لا محالة ـ إن شاء الله ـ.”
واقرا كيف علق عبدالناصر في خطابه التاريخي اثر هزيمة حزيران:
وأنها مشيئة الله -وربما يأتي منها خير…ان تاريخ الأمم مليء بالنكسات، والانتصارات والهزائم
». إننا نثق بالله وهو لن يتخلى عنا. وربما، وبفضل منه، ستأتي الأيام القادمة بالنصر لنا”

ان تجريد النص المقدس من روابطه الزمانية والمكانية واختصاره الى تعويذه تعلق بصدور المتصدين لمهات ارضية {محكومة بعوامل التوازن والكم والكيف } يحمل النص ما لايجوز ان يحمل ويسئ اليه ، هكذا يجر العقل العربي دينه ومقدساته معه، صوب المعارك الخاسرة بلا خوف على سمعة المقدس الذي سينزل من الاعالي الى الارض، ويحاكم بجريرة ذنب اقترفناه نحن! ترى كيف سيبنى عقل الجيل الذي اعقب فترة عبد الناصروعاش الهزائم التي تلت فترته ؟
فالطفل يتعلم منذ سني حياته الاولى الاعتماد السلبي على الله الذي سينصره لانه مسلم يؤدي الفرائض وسرعان ما تنهال الاسئلة على الدماغ الفتي، حين يطلع على حقائق الحياة اليومية ليكتشف ان حصة العالم الاسلامي الذي يضم مئات الالاف من المساجد وملايين المصلين، من الففر والجهل والمرض هي الاوفر. ما ان يستعص علينا امر في بلداننا المتخلفة ، حتي تتجة الرؤوس صوب اوربا واميركا، كل مشاريع التنمية والتطويرمن انشاء السدود و تحلية المياة ونظم مكافحة التصحر واكثر انظمة الكومبيوتر تطورا واكثر الاسلحة حداثة وارقى المستشفيات والجامعات التي يشار في اعلامنا منذ ستين سنة انها ستصنع تطورنا وتقدمنا، وستؤسس لعالمنا السعيد، هي غربية او اميركية، فالكل مجمع على تحضر الغرب، وتقدمه في العلوم والتكنولوجيا والطب والفنون والاداب وكل مجالات الحياة،
وفي ذات الوقت و بتناقض مفضوح، نتكلم عن انحطاط الاخلاق والتفسخ الغربي وانعدام الدين والفضيلة والضمير هناك، وتنسج الاساطير عن هزالة المجتمع وتداعي اركانه وافتقاره الى القيم النبيلة التي ندعي نحن امتلاكها!

من الملفت للنظرفي تاريخنا غياب المنطق و الترابط بين الاشياء، وغلبة العفوية والاضطراب في الحياة، فالحياة تسير هكذا ، البارحة تشبه اليوم والغد سوف لن يكون غير اليوم، لاتغيير تحت شمس صحراءنا العربية والحياة تمضي بلا تخطيط يدفعها قانون الاستمرارية ليس غير.
والذي يدرس حرب العراق والكويت مثلا ،لايجد صعوبة بنسبها الى داحس والغبراء الواقعة قبل الفي سنة فالعقل العرباسلامي كان مستعدا لاعادة انتاجها مدفوعا بذات الطاقة من انعدام المنطق واختلاط حدود الربح والخسارة، ،وكأن الزمن قد توقف ولم تتغير سوى اسماء القبائل!
ولو اردنا ان نحاكم التكنولوجيا التي اصابتنا بخيبة الامل على اساس مقارنة ظروف اشتغالها في بلدانها الاصلية مع ماهوموجود لدينا، لاتضح ان ماكنتنا لاتنتج لان العقل الذي يقف وراءها عقل قدري، لايراكم الخبرة ولاينتظر ان تتحول تراكمات الخبرة في مرحلة ما، الى انتقالة نوعية.
عقل تسيطر علية الخرافة، إن تحرير الارض أسهل من تحرير العقل فانساننا يمضي يومه خائفا، تخترقه الهواجس، وتلاحقه اشباح الهلع على حياته وحياة اسرته، يفتتح يومه بالدعاء كي يمر يومه دون مصيبة لايعلم مصدرها، همه الاول، وغاية طموحه ان يحيا بلا مشاكل، والمقصود هنا بالمشاكل مايفرض عليه من ازمات تجبره على صراع ماهو اقوى منه، المرض او الدولة اومالك الدار التي يسكنها، وهو كائن مطارد، منتهك، ومكشوف وعار، يركض طالبا “الستر” معرض لمفاجاة من الانوار الكاشفة التي ستكشفة على حقيقته التي يتستر عليها ، كائن منطو على اسرار وتطارده غابة من” الحساد” “والعواذل” و”الشمات” و”اللائمين” مما تعج به اغانينا الشعبية ، هو كائن غير متوازن وقلق، ويشتغل لذلك باقل من ربع طاقته.
وحتى حين يصلي فانه يعبد الخوف لا الله ، هو يصلي خائفا ولا يبالي بحقيقة ان اللة لايقبل صلاة الخائفين، لانه لايستطيع مقابلة خالقة باحسن من الصورة التي هو عليها.
ان عالمنا العرباسلامي يوهم نفسة بنظرية مدمرة اخترعها هو بنفسة مفادها: اولا ان هناك تفسخ اجتماعي على كل الصعد في الغرب وثانيا: ان الاسلم لنا ان ناخذ من الحضارة الغربية تكنولوجيتها المتطورة، ونتجنب “تفسخها الاجتماعي”اي ان ننعم بالنتائج متجاوزين الاسباب التي كانت وراء انتاجها
وحين يعجز العقل العرباسلامي عن ادراك ترابط السبب والنتيجة، يكون قد أوصد الباب نهائيا امام التفكير المنطقي واسلم نفسه للخرافة، ووقف عاجزا مستسلما بانتظار المعجزة التي لن تاتي ،حتى اذا ما انجلت الامور عن غير ماكان يتوقع، راح يبحث في الزوايا المعتمة عما يساعده في فهم ما حصل فلايجد امامه سوى ان ” هناك امور غامضة حصلت” وان ” قوى الشر والعدوان” قد ” نفذت مخططاتها الدنيئة للنيل من وجود الامة وكرامتها… وان” هناك مؤامرة قد حيكت بدقة” وبهذا يصر هذا العقل على فك الارتباط بين الظاهرة وجذورها في الواقع .

وكل هذة الدهاليز، صممها العقل العرباسلامي للهروب امام مستحقات النهضة الفكرية التي لابد ان تبدا اولا بتحرير العقل وازالة السدود المحيطة به، ونسف شبكة الاسلاك الشائكة التي تعزله عن المحيط الخارجي، وتحرير العقل يبدا من هز مااصطلح على تسميته بالثوابت الفكرية في التراث والحياة المعاصرة واخضاعها للمسائلة العلمية فيبق عندئذ في الارض ما ينفع الناس وما لاينفعهم يذهب غير ماسوف عليه، فقط بهذة الطريقة نتمكن من فصل حياتناو مقدساتنا وتراثنا عما علق بها من خرافة وتطفل عليهما من طفيليات. انمنى ان اكون قد اشبعت بعضا من فضولك الصحفي!

هل طرقتم فنا أدبيا للتعبير عن افكاركم، واحاسيسكم في يوما ما كالرواية، او القصيدة لاسيما ان بدايات العراقيين غالبا ما تكون شعرية؟ حدثنا عن ذلك ان وجد؟

– نعم ، ولكني احيانا اعجز عن لم النهايات السائبة ، انا اشتغل كثيرا ، واشتغل بدقة لكنني احيانا لا اجيد القفلات! حين ابدا مشروعا ما ، احرص على ان يكون متميزا واسير به الى قمة الجودة ، وحين يكتمل، ويصيح بي كل من حولي ان انتهي منه اجدني منشغلا باضافات ما، تجعله اكمل واجمل و..,ووو
لدي رواية وبضعة كتب احتاج لمن يصيح بي : ضع القلم كما كان يقال لنا حيت ينتهي الوقت المخصص للا متحان، والا فسوف لن انتهي منها.

*” كفاءات خارج الوطن” سلسلة لقاءات تسلط الضوء على طاقات وكفاءات عراقية خارج الوطن، محاولين من خلالها الوقوف عند الرؤى والطموحات العراقية المختلفة من اجل المساهمة ببناء عراق جديد على اساس ديمقراطي حر.