الرئيسية » مقالات » اليمين الديني حليف أم نقيض لليمين المالي والنظام المالي الرأسمالي العالمي

اليمين الديني حليف أم نقيض لليمين المالي والنظام المالي الرأسمالي العالمي

(2)

لعل السؤال الهام والشائك في آن هو ذلك السؤال المبني على أن الغرب وحده القادر على إنتاج الحداثة، فيما الشعوب الأخرى ولا سيما المسلمة (العربية منها آساسا) هي أسيرة الانغلاق في إطار تقاليد جامدة لا تسمح لها بفهم وتقدير حجم التغييرات الضرورية، وبالتالي فهي غير قادرة على إنتاج حداثتها الخاصة أو حتى على مواكبة الحداثة الغربية ولو بجزئيات محدودة منها إلا فيما ندر وعلى يد أفراد من المثقفين منها.
هنا يبرز أيضاً سؤال آخر عن ماهية الحداثة، فمعظم المثقفين “المتنورين” اليوم يرون بها مجموعة أفكار حداثية ثقافية حضارية ودعوة لتبني أفكار العلمانية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني … الخ، أي تبني الشمولية الفلسفية والفكرية التي نشأت مع نشوء النظام الرأسمالي في الغرب وترعرعت وتطورت بتوازي مع تطور بنيانه الاقتصادي على مجتمعات متخلفة اقتصادياً، وتملك منظومة فكرية وفلسفية هي عبارة عن مزيج وخليط من أفكار متنورة وحداثية وأخرى سائدة تقوم على الرؤية المغلقة للعالم، هذا المزيج والخليط والذي هو نفسه تعبير عن خليط ومزيج من علاقات إنتاج رأسمالية (تتبلور) بذهنية علاقات الإنتاج الإقطاعية بتلاوينها المختلفة القبلية والبداوية والفردية والتي لا زالت مسيطرة.
معظم المثقفين “المتنورين” اليوم “بمجملهم مرتبط فكرياً واقتصادياً بالمؤسسات الإعلامية للنظام المالي الرأسمالي العالمي”، يفصلون ميكانيكياً بين الحداثة بمضمونها السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، الثقافي، الفكري الشامل، واعتبارها فقط مضموناً ثقافياً حضارياً. وعلى الرغم من السقوط المدوي لفكرة “صراع الحضارات” لا زال بعض مثقفينا يصرون أن الصراع بين الغرب والشرق صراعاً حضارياً بين الحداثة في الغرب والتخلف (بمضمونه الثقافي) في الشرق؛ بديلاً عن الجوهر الحقيقي وهو الصراع الاقتصادي الاجتماعي وتعبيراته الثقافية والسيكولوجية.
يشير المفكر المصري الكبير سمير أمين إلى أن “الإيديولوجية الجماعية على الطريقة الأمريكية تعمل على إخفاء الوعي والصراع الاجتماعي لتحل محلها توافقات جماعية مزعومة تتجاهل هذا الصراع، وإستراتيجية مسيطرة على رأس المال تستخدم هذه الإيديولوجيا لأنها تنقل الصراع من مجال التناقضات الاجتماعية الحقيقية إلى العالم الخيالي، الذي يوصف بأنه ثقافي مطلق عابر للتاريخ”.
إن اختزال الحداثة ـ بحسب بعض المثقفين ـ على الجانب الثقافي بمعزل عن مضمونها الاقتصادي ـ الاجتماعي، يعفي المثقفين من ضرورة المشاركة بالنشاط العام (وهو أحد شروط التغيير) ويضفي من الجانب الآخر الشرعية على النظم السياسية الاقتصادية القائمة.
“يشير حواتمة في كتاب “السار العربي”: إن التأمل العميق في الأحوال العربية المعاصرة، يعني مباشرة إدراك أزمة النخب والمجتمعات ـ قل الجماهير ـ معاً، كلاهما يفتقد إلى مؤشرات قياس التقدم وتجلياته في “تحرير العقل” لا تحريمه “بالنقل” وفتح المجال الديمقراطي، أما النتيجة فهي أنه لا يمكن إنتاج وإنجاز الانفتاح، الإصلاح الديمقراطي الاجتماعي السياسي، دون أن يترافق معه إصلاح ثقافي فكري شامل، والمتناقض مع السائد الذي عجز عن إنجاز مراجعة نقدية وتشخيص للأزمة المزمنة العربية، في مواقعها عبر إستراتيجيات محددة للخروج منها” (ص30).
إن وظيفة المثقف عموماً هي أن يكون نقدياً، وهو يخسر الموقع الخاص به في المجتمع إذا ما فقد وظيفته النقدية، أما أن يتحول النقد إلى نقد انتقائي فإنه يحول المثقف من أداة تغييرية إلى أداة ترويجية.
إن ماهية الحداثة وموقعها في الصراع الدائر حالياً، ربما يعتبر من الأسئلة الأكثر أشكالاً في كتاب حواتمة الأخير “اليسار العربي ـ رؤيا النهوض الكبير” الصادر مؤخراً عن دار الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع ـ دمشق، ودار بيسان للنشر والتوزيع ـ بيروت.
“تمر البشرية بمرحلة انتقال جديدة وربما طويلة الأمد بفعل التناقض الجديد بين “المليار الذهبي” ومليارات الأطراف، والذي تفاقم بعد تفكك وانهيار التجربة الاشتراكية السوفييتية، وبعد الأزمة الطاحنة في العولمة الرأسمالية المتوحشة وانهيارات النظام المالي الرأسمالي العالمي” (ص55).
المسؤولية في تخلف الشعوب العربية والمسلمة عن الحداثة ومواكبة العصر في الفكر والثقافة، أم في الإنتاج ومواكبة التطور العلمي والاقتصادي (الصناعي) بحسب حواتمة تقع على “النخب الطبقية الاجتماعية السياسية الحاكمة المتعاقبة في تاريخنا، وخاصة منذ انهيار “دار الحكمة وتقديم العقل على النقل”، و “طغيان النقل على العقل” بحرب أهلية شاملة زمن الخليفة المأمون (813 ـ 833) أدت إلى الإطاحة به وقتله، وتفكيك الدولة والمجتمع إلى ممالك وإقطاعات (ص18).
منذ فجر الإسلام وحتى انهيار دار الحكمة، شكل الدين القوة المحركة للحداثة بمستوياتها المختلفة الفكرية والاقتصادية في سياق الزمان والمكان حينذاك، لأنه اعتمد منهج العقل والنقد، فشكلت روحية الدين القائمة على سعادة الإنسان بما هي في إطار جماعي قائمة على التوزيع العادل للثروات والخيرات الاجتماعية، أما بعد انهيار دار الحكمة وإمساك قوى طبقية اجتماعية واقتصادية همها الإثراء على حساب الآخرين، وتغيير معادلات توزيع الثروات، فعمدت من أجل تأمين الأرضية الروحية والفلسفية لمثل هذا الأمر ولتسريع عملية الفرز الطبقي، للاستعانة بالدين باعتباره دستوراً يجري تفسيره وفق أهواء ومصالح الفئات الطبقية الحاكمة. وفي هذه المرحلة بالضبط تحول الإسلام من دين للناس إلى إيديولوجية مستخدمة، وكانت بدايات تحول الإسلام إلى إسلام سياسي، أي “تديين السياسة” و”تسييس الدين” في خدمة الفئات الطبقية الحاكمة على مر القرون العشرة الماضية.
منذ ذلك التاريخ وحتى هيمنة الإمبراطورية العثمانية الإقطاعية يؤكد حواتمة “أن التخلف التاريخي الطويل الأمد حتى مطلع القرن العشرين، الاستعمار القديم والجديد تجاور بل تساكن واعتمد الموروث التاريخي، والتشكيلات الطبقية الإقطاعية الكومبرادورية حليفاً وقاعدة اجتماعية ثقافية وسيكولوجية قدرية فكرية وسياسية، وحارب كل عناصر المشروع النهضوي العربي الحديث، واحتضن “طغيان النقل على العقل” في خدمة الهيمنة الإمبريالية (أعلى مراحل الرأسمالية) (ص18).
لقد استطاع الأوروبيون وبعدهم الأمريكيون من تجاوز تأثير الكنيسة في إعاقة تطور القوى المنتجة وتالياً علاقات الإنتاج بسبب ماهية الدين المسيحي (طابعه الروحي وعدم شموليته). لقد جاءت الحداثة في الغرب نتيجة تطور مذهل في قوى الإنتاج وتخلف علاقات الإنتاج الإقطاعية، فظهرت أفكار الحرية والمساواة وحقوق الإنسان والعلمانية لتشكل الأساس الفلسفي للحرية الاقتصادية، وما بداية بزوغ النظام الرأسمالي إلا نتيجة لوجود الحرية الاقتصادية للقوى المنتجة (الفلاحين المتعبدين) من براثن العلاقات الإقطاعية ومقدرتهم على بيع قوة عملهم في السوق.
أما في الشرق فإن “مشروع التنوير تحول على يد الثقافة القدرية التاريخية والراهنة، التي تنخر مجتمعاتنا إلى محنة للتنوير، بدلاً من فضله ـ التنوير ـ البحث عن أكثر المبادئ تنوراً نحو تكوين منتوج الرأي العام المتنور. لقد شكلت وتشكل الثقافة القدرية أبرز أعمدة أنظمة الاستبداد الطبقية الضيقة والمغلقة على مساحة عشرات القرون، وآخرها القرن العشرين قرن التحولات العظمى في تاريخ البشرية، القرن الاستثنائي الذي ضاع على الشعوب العربية، وإنجاز الحقوق الوطنية الفلسطينية، والمطلوب تدارك الحالة العربية قبل أن تصل إلى الأفق التاريخي المسدود كأبرز النتائج المترتبة على هذه الأزمة التي تمسي بها الحداثة (تمادياًً) على الموروث القدري وأقانيمه والمستوحى من القروسطية المتناقض والمتصادم مع عصر الأنوار وقيمه التحررية” (ص19).
منذ القرن التاسع الميلادي وحتى اليوم (استثناء دول المعسكر الاشتراكي خلال القرن العشرين)، فإن مضمون السلطة الطبقية الاجتماعية وطبيعة النظام السياسي الاقتصادي في الغرب والشرق، بما في ذلك البرامج المتخيلة للحركات الإسلامية المعتدلة منها والمتطرفة لشكل النظام السياسي الاقتصادي الموعود يتشابه، فكلاها قائم على الفرز الطبقي وكلاهما قائم على التوزيع غير العادل للثروات الاجتماعية.
نحن أمام برنامجين متشابهين في الجوهر والمضمون، نقيضان في الشكل، الأول القائم في الغرب والمعتمد على الثقافة الحداثية وحق الفرد والديمقراطية (كشكل كاذب لتشكيل السلطة)، أما الآخر فيعتمد على الثقافة القدرية الموروثة منذ قرون وجوهرها الخضوع (لله والسلطة القائمة).
إذ كانت الديمقراطية في الغرب لا تشكل خطراً على تغيير السلطة بل تسمح بتداولها، فإن الدين والشريعة القائمة على فكرة النقل لا العقل، الداعية إلى رفض لا بل تحريم فكرة الإبداع وسن الإنسان (المواطن) لتشريعاته بنفسه، فإنها تضمن خلودية السلطة وتداولها بالتوريث في العالم العربي.
إن تبعية الأنظمة السياسية الاقتصادية في البلدان العربية للنظام المالي الرأسمالي العالمي هي مصلحة مشتركة للقوى الطبقية المهيمنة هنا وهناك.
“انطلاقاً من الطابع الاقتصادي والأهمية الإستراتيجية للمنطقة العربية، يتوافر أهم مصادر الطاقة في العالم، عصب الاقتصاد العالمي، وربطاً بالعولمة الرأسمالية الأمريكية وتراكم القوى الجبرية لرأس المال ـ المركز والأطراف ـ فإن هذه المنطقة ستبقى تحت الموجات العاتية لها وبأشكال متعددة، نظراً لحيازتها على الطاقة الإستراتيجية” (ص74).
إذا كانت الطاقة هي مصلحة النظام المالي الرأسمالي العالمي، فإن الاحتفاظ بالقوى السياسية والطبقية المهيمنة والحاكمة حالياً هو ما يضمن هذا الموضوع.
الإسلام السياسي بتلاوينه المعتدل (أنظمة وحركات) والمتطرف (حركات ومنظمات) في تحالف وثيق (معلن قبل الحرب الباردة) و (سرياً) بعدها لا همّ له سوى الحفاظ على السلطة، وإذا كانت التناقضات التناحرية حالياً تعبر عن شيء فإنها تعبر عن حلول لتداول السلطة في منطقتنا، فالشيء الذي يسير في الغرب بشكل ديمقراطي (انتخابي) إنما يحدث عندنا بفضل الإسلام السياسي بالعنف، وما التسريبات الإعلامية المتواصلة عن لقاءات وتعاون سياسي واستخباري بين قوى إسلامية “متطرفة ومعتدلة” ودول غربية أو أنظمة محلية إلا لمحاربة قوى التغيير وإجهاض محاولاتها.
“واستخدام الإسلام السياسي اليميني في العالمين العربي والمسلم، وأدلجة الدين عقدياً، واستخدام جماعاته في العنف السياسي داخل البلدان العربية والإسلامية ضد قوى التحرر الوطني والتقدمي واليسار الديمقراطي (جامعات، أحزاب، نقابات، تحركات اجتماعية، مثقفين ثوريين في المدينة ـ الريف) وكرصيد عندما يتطلب الأمر ذلك، والاصطدام بحركة التحرر والتقدم العربية وقيمها، ساهمت في تعميم بؤس الثقافة واستحضار الموروث من قعره التاريخي المضاف على المشهد القائم ثقافة قدرية مؤدلجة بترك شؤون الدنيا التي لم يَحُزْ على فتاتها المواطن وربح ثواب الآخرة للحصول على السعادة الكاملة” (ص27).