الرئيسية » شؤون كوردستانية » ثورة أيلول المجيدة مظهر ثوري لنهج البارزاني الخالد

ثورة أيلول المجيدة مظهر ثوري لنهج البارزاني الخالد

يتسائل الكثير عن نهج البارزاني الخالد – عبر تاريخه الكفاحي , ومسيرته النضالية العامرة -, ما مدى صواب هذا الاصطلاح وعمقه السياسي والفكري ؟! وما مدى درجته العاطفية في الطرح من أنصاره وكوادره وتلامذته ؟؟! وما هي – لو صح الاصطلاح – جوانب وآفاق ومقتضيات هذا النهج ؟؟! .
أسئلة مشروعة لأهمية وخطورة هذا الطرح في التاريخ الكوردي الحديث والمعاصر وتاريخ الحركة التحررية والإنسانية عامة, لأن من شأنه أن يضيف إلى هذا التاريخ نصف قرن من الكفاح والجهاد المتواصلين في سبيل قضية عادلة ومشروعة هي – بكل تأكيد- جزء من التراث النضالي الحديث لأمة استغرقت التاريخ بكل أبعاده وإشراقاته وإبداعاته , لتجد نفسها بين براثن الفتك ومحاولة الإبادة والمحو من الوجود الإنساني , بما تحرمه قيم السماء وقوانين الأرض وسنن الحياة وقواعد بناء الكون القائمة على العدل والمساواة بين أمم الأرض وشعوبها , وحرمة القتل والسفك بغير حق , فكان هذا النهج – بعمقه وأصالة توجهه , ونبل دفاعه وصواب منطلقه – جوابا حاسما وعمليا , ومن خلال كفاح ميداني مستميت , على نداء الحياة , ورفض قيم الفناء ودعوة التشريد والإبادة , وكل محاولات الصهر والتذويب , ليخرج من النطاق الفردي والرؤية الفلسفية الجانحة إلى التقعيد النظري , وطرح مفاهيم ونظريات تهوم في عوالم خاصة لاتكاد تصطدم بصلادة الواقع وعسفه وجور الأنظمة وجلافة وعنجهية الطغاة وبغيهم على الناس , وسلب إرادتهم , ونهب ذخائرهم الظاهرة والباطنة , وإعلان الحرب على وجودهم وسحق تطلعاتهم نحو عيش متوازن ورخي في ظل جنان, جاد بها الخالق في بقعة كوردستانية مباركة سخية بالحياة مع نبضات دفقها .. من خلال أنهار كبرى جارية وآلاف من ينابيع وجداول وشلالات متدفقة , وخصوبة متألقة وثروات زاخرة , لتعود على أبنائها المبدعين وبالا وشرا مستطيرا , ودما ونارا ودخانا وتدميرا شاملا, فكان النهوض العارم وكان نهج البارزاني الخالد مواجهة كبرى وذراعا فولاذية لا تلين , بما أوتي من تحد وقوة فداء وإخلاص , وإيمان بالحياة وترجمة ميدانية ليقين بالنصر , وثقة بعدالة المنطلق وبسالة الخائضين غماره, والمتجلى في ثورة عارمة, انطلقت من جبال شامخة عصية على الخنوع يلذ بها المقاتلون العظام , متمردين على الهوان والذل.. لتشكلهذه الثورة امتدادة طبيعية , وعصارة فكرية لثورات القادة العظام من الساسة الكورد , بدءا من ثمانينات القرن التاسع عشر على يد النهريين والشمزينان إلى ثلاثينات القرن العشرين في ثورات الحفيد البرزنجي, وشيخ سعيد بيران والبارزانيين( 1932-1945 ) , لتكون ثورة أيلول التعبير العميق عن امتداد طموح الحياة في ظل العزة , وإباء القهر , ورفض كل مظاهر الوصاية والاستعباد والاستعلاء العنصري , وصنوفه الوحشية المرفوضة والمدانة , وليكون الجواب المشروع عن الأسئلة حول النهج ومداه وعمقه جزءا من حقيقة حياتية , لا يمكن الصبر على رفض حقيقة هذا الوجود وتمريغه وإذلال أبناء أمة جديرة بالحياة, وهي تتطلع – كسائر الأمم , بل كأعرقها , وأكثرها حيوية _ إلى حياة مقرونة بعيش كريم, كم لا يمكن قبول مرغم, وإيثار لظلال السيوف وشفراتها إلا تحت وطأة السحق والنكران وخطر الإبادة , ليكون قدر هذه الأمة تفجير هذه الثورة العارمة التي وصفها الرحالة العالم ” دانا شمدث ” بأنها أعظم ثورة على الأرض” وعلى يد قائد تصدى لصناعة تاريخ جديد لأمته عنوانها النصر أو الشهادة.
لقد استطاعت ثورة أيلول أن تترجم بشكل واقعي حركي طموحات زعيمها وقائدها ورؤيته الاستراتيجية القائمة على الاستفادة القصوى من معطيات الثورات الكوردستانية السالفة , والاستفادة من تجاربها ونجاحاتها وإخفاقاتها, ومن تجارب حركات التحرر العالمية , و معطيات الفكر الإنساني والقيمي الحر , وقيم العدل والتكافؤ والمساواة بين الناس جميعا, ومن نبل وعظمة الكفاح المبين, دون مواربة وتردد وخنوع و دون إرهاب وقتل الآمنين في ديارهم ,رافضا تحويل الصراع إلى صراع القوميات وأجيالها, وبخاصة بين العرب والكورد مما أراد وخطط له الفاشيون , لتكون الثورة معقل أحرار العراق والكورد في كل مكان , ومنعطفا إلى بناء السلم والإصلاح وعمارة العراق والإخاء بين أبنائه , بمختلف الانتماءات والمذاهب والأعراق , في صيغة رفيعة من القيم والمثل العالية, واحترام كامل لحقوق الإنسان , وإسناد لكل دواعي السلم ووقف القتال مع التجاوب مع كل مبادرة سلمية سانحة ولو كانت مجرد خدعة لالتقاط الأنفاس كما حدث في (1965,1962 و1969 و1970..) , كما اتسمت معاهداته واتفاقاته بالالتزام المطلق بكل بند , ما لم يخرق الآخرون عهودهم ومواثيقهم , وهو ما فعلوه , كلما آنسوا من أنفسهم القوة , و سنحت لهم فرصة الالتفاف والخرق دون رادع أو قيمة ملزمة, مما وهب نهجه ورؤيته المصداقية والثبات والاحترام وثقة أبناء العراق والمنطقة , ودعوته السلمية والجنوح إليها صفة عالمية , تجلت فيما بعد رمزا عالميا في مركز سمي باسمه ( مركز السلام للبارزاني ) في العاصمة ” واشنطن ” ليكون البارزاني الخالد المرشح الأوفر حظا في ذلك من بين ثلاثة وأربعين شخصية عالمية مرموقة , ولتكون ثورته المجيدة من أنصع الثورات وأكثرها نظافة من بين ثورات وانتفاضات العالم , حيث لم تلطخ بدماء الأبرياء والعزل , ولم تهدم منزلا آمنا ولم تدمرقرية كما فعل الآخرون بآلاف القرى الكوردية, ولم تأت على مزرعة أو غابة أو حديقة قطعا وحرقا ,كما أتى الآخرون في شناعة دفن الأطفال والشيوخ والنساء أحياء وفي مقابر جماعية مرعبة ولم ترتكب شناعات الحروب الانتقامية , وردودها العنيفة , ولم تخرج عن قواعد القتال الشريف الذي كتب عليها وهو كره لها , وإن وصل القتال إلى أعلى درجات ضراوته وشدته , ليتسم البارزاني ومقاتلوه الأشداء بالشجاعة, ولتبرزحنكة وبراعة الاقتدار لدى قائدهم, وهويرسم الصفوف ويضع الخطط ويعد لقتال عظيم , ببسالة المقاتلين الأشاوس , مع ترفع كامل عن السفح والفتك واستباحة المحارم , ورغبة حقيقية في الدفاع عن حرمات العراق وشرفه إن حزبه أمر , أو ضاقت به المسالك والدروب في المحن والشدائد , في تفرقة واضحة بين ما هو وطني أصيل , وما هو دفاع مشروع عن حياة مهددة ووجود مستباح .
لقد استطاع قائد الثورة بمقاتليه الصناديد , وخيرة كوادره , وإصراره وصبره المنقطع النظير أن يكسب احترام المنطقة والعالم, وأن يحقق نصرا سياسيا مبينا من خلال الاعتراف الرسمي – ولأول مرة في التاريخ الحديث – بشراكة العرب والكورد دستوريا في وطن اسمه العراق , في إبرام تاريخي لاتفاقية آذار عام /1970 مما يعد إنجازا كبيرا ونقلة نوعية بإخراج الثورة إلى طابع حياتي حي من عزلة وحصار خانقين , وهمجية قومية بدائية لا تعرف الحوار مع الآخر , وإن أداروا ظهر المجن وخرقوا بنود الاتفاق في اتفاقية الجزائر الخيانية , إلا أن اتفاقية آذار تركت بصماتها الكبرى في نفوس العراقيين الشرفاء , لتكون مقدمة لمكاسب وطنية وقومية لاحقة , نشهد آثارها اليوم في عراق آنس من نفسه القدرة على فهم الديمقراطية – وإن بتلجلج وتعثر وفي ظل حراب الإرهاب المسلط – , وخرج إلى عراق تعددي فيدرالي, بعد تلك المقدمة التي خاض إليها قتالا ضاريا , وبذل في الوصول إلى مكاسبها تضحيات جمة وهائلة , ليطرح بجدارة بعد القائد وفهمه لدقائق المرحلة ومعادلاتها السياسية في حينها , لتكون هذه الثورة ميدانا عمليا فسيحا لامتحان القدرة, وفهم معضلات المرحلة والصبر على لأوائها والخروج من المحنة بجدارة , رغم جسامة التحدي وقوة التآمر وشدة الخرق لكل اتفاق مبرم ومشهود , وتجاوز الآخرين لكل القيم والأعراف والتقاليد الوطنية و الدولية والإنسانية.
لقد عبر نهج البارزاني الخالد عن نفسه في جانبه السياسي والفكري, و الملمين بجدارة بكل ملابسات الموقف المطلوب وضروراته – في تحليل عميق للحدث – وفهم دقائقه وتعقيداته حيث يقول صاحب ” رحلة إلى رجال شجعان ” : ” لقد كان البارزاني يخرج بقرارات تعجز عنها كبريات المؤتمرات ” ليعكس رؤية عبقرية فذة, تجعله من القادة العظام , إلى جانب مقدرة قتالية فائقة , وتفان مطلق , وخطط دفاعية وهجومية رفيعة , ومعرفة دقيقة بالتضاريس ومزياتها الفريدة , وعنصر المباغتة والفجاءة , والمرونة البالغة حد الإحكام والتطويق , شهدت عليها معارك ” هندرين,وبيطاس, وكلالة, وكليي علي بك , بل كان من أبرزها المعركة الخالدة في 27/ من حزيران , التي خاضها البارزاني بنفسه بعد حصار قلعة ” رايات” .. حيث باغتت قوات الثورة الجيش العراقي في منطقة جيفة دري, ودولو ميدان, وهرني بالكيا, ليشتت شملهم بعد معارك حامية دامت ثلاثة أيام متوالية و وطاردت فلولهم عبر الحدود إلى إيران, ولاذ آخرون بشعب لولان , ورفع الجيش العلم الأبيض مستسلما …” هذا إلى جانب مئات الوقائع الخالدة والمعامع الساخنة,التي خاض غمارها القائد الملهم بجدارة وصبر فولاذي لا ينازع , لتدخل ثورته التاريخ من أوسع أبوابه, مجيدة عظيمة معبرة عن نهجه, في غير صلف أو اغترار بالنصر, مؤكدا دائما على فضل البيشمركة الأشاوس في نيل شرف النصر , وفي تواضع جم , وقدرة فائقة على توظيف أي نصر, للدعوة إلى السلم والجنوح إليه , ورفع راية ا لإخاء الوطني والإنساني العميق .
– تحية إلى ثورة أيلول في ذكراها العظيمة ..
– المجد والخلود للبارزاني , وشهداء الكورد وكوردستان .