الرئيسية » التاريخ » المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الرابعة والعشرون بعد المئة

المجتمع الكردي في المنظور الاستشراقي الحلقة الرابعة والعشرون بعد المئة

كما تذكر لنا هانسن ان مهنة التمريض نادرة في السليمانية ولم تكن من المهن المستساغة اجتماعياً وكان النقص في الكوادر الطبية المؤهلة واضحاً (89).ان ما تقدم يوضح صورة الحالة الصحية لأطفال هذه المدينة والتي بالرغم من كونها اكبر المدن الكردية العراقية كانت معاناتها كبيرة صحياً .
لأننا نعتقد انها في الوقت الذي تشترك مع سائر المدن الاخرى بنقص الوعي الصحي او قلة الخدمات الصحية المتاحة فان نظام اسالة الماء لديها آنذاك يتحمل مسؤولية كبيرة في الازمة الصحية بخلاف المدن الاخرى التي كانت تستقي الماء من ابار محفورة داخل البيوت وبعض المدن الاخرى تستقيه من الينابيع مباشرة او من نهر واسع سريع الجريان تكون نسبة التعامل البشري معه قليلة.
اما هنري فيلد فيضعنا امام تقرير صحي مهم عن الحالة التي كانت تعاني منها كردستان – ولم تزل في كثير من المناطق – وهو يصور لنا الحالة الصحية عام 1926 اذ يذكر ان أي شيء يتعلق بالاهتمام الصحي في كردستان كان مفقوداً تماماً الى عام 1920 والمرض ينهش في الناس والذي كان يحصد حياة من لا يتحمل ذلك الواقع ويبقى من له القدرة على مواجهة وتحدي تلك الحياة.
ان نسبة عالية من مصادر المياه في المدن الكردية ملوثة وبشكل سيئ جداً، ويحذر فيلد في مقدمة كتابه من استخدام المياه التي تمر من الجوامع وما بعدها فليس من الغريب ان تجد الكرد يرمون بنفاياتهم في النهر وهم في منطقة لها قدسية!! ونعتقد ان فيلد لم ير او ربما غض الطرف عن مراحيض بعض الجوامع التي تصب عبر أنابيب معدنية او قنوات ملأى بالقذارة مباشرة في النهر الذي يسبح تحته او ربما بعده الناس وبعضهم اطفال في عمر الزهور فضلاً عما تصبه المجاري الاخرى.
وينصح فيلد عدم شرب الماء إلا من مصادر الينابيع او من المناطق البعيدة عن المدينة أي قبل دخول النهر المدينة بعد غليه او إضافة مادة الكلور له.
ثم يضيف ان بيوتاً كثيرة قد ابتليت بالبراغيث التي تسبب إزعاجا كبيراً وتنقل معها الامراض وان مناطق التلوث التي يقل ارتفاعها عن 2000 قدم لا تستطيع الاحتفاظ بالثلوج المتساقطة لاية مدة من الزمن، وفي مثل هذا المناخ الرطب والبارد يمكن ان تعود أعراض الملاريا وكذلك الحمى الروماتيزمية تتفاقم أعراضها.
وخلال اشهر الصيف فان المناطق الكردية المنخفضة تصبح مناطق غير صحية تماماً للأجانب بدءاً من نيسان (ابريل) والى تشرين الثاني (نوفمبر) فالملاريا والدزانتري ينتشران بشكل واسع. ان الملاريا تسود في الوديان وان بعوض الانفلونس يمكن ان يشاهد حتى على مستوى سبعة آلاف قدم. ولهذه البعوضة دورتان في (مايو) مايس وفي تشرين الاول (اكتوبر).
وفي مناطق كركوك نجدها تبدأ في كانون الثاني والى حزيران نجد الملاريا الربيعية تظهر وهي حمى الملاريا التي تصيب الشخص يوماً وتتركه يوماً اخر أي المعاودة، كما تظهر في نفس المنطقة بين نهاية آب (أغسطس) وتشرين الثاني (نوفمبر) ولكن الفصل الرئيس لمرض الملاريا يكون بين شهر حزيران ومنتصف اب حيث تنشط الملاريا الثلثية.
وتزداد الملاريا في المناطق التي يكثر فيها سقي الزرع لاسيما الرز، وان الدواء الرئيس هو الكنين وما من مزرعة رز في المنطقة الا وهي مليئة باليرقات وتصبح الحياة مزعجة جداً للأجانب في البيوت الكردية في المناطق الموبوءة، وعلى الحدود الإيرانية تجد بكثرة حشرة تهوى امتصاص دم الإنسان في الليل وهي تؤدي الى الإصابة بالحمى الناكسة او الراجعة، والحشرة اسمها (Argus persicus) أي القراد. اما البعوض الناعم جداً فموجود في كل مكان الا في المناطق المرتفعة، وحالات التيفوس والحمى الراجعة من الحالات المسجلة في المنطقة اما الكوليرا فهي تبقى عامل تهديد يمكن ان تظهر بينما لم تسجل حالات الطاعون في المناطق المرتفعة، في حين نجد حالات الجدري تظهر في مناطق متفرقة ولكنها عندما تظهر فان نسبة الوفيات تكون عالية. اما البلهارزيا والانكلستوما فهي نادرة في كردستان. وحالات المعاناة من الطفيليات هي من الحالات التي سجلت في المنطقة فضلا عن الديدان الطفيلية المعوية فهي شائعة Intestinal parastic worms وتكون اعلى النسب بين الاطفال والبالغين، والمقصود بالبالغين هنا “Adults” سن المراهقة والشباب ويبدو ان الحالة تقل مع تقادم العمر.
ان الاجانب يتعرضون بسهولة الى الاسهال او مرض الدزانتري كذلك نجد امراض العيون متفشية لاسيما التراخوما (5-6).
لقد تحدث عدد غير قليل عن الملاريا في كردستان وبالرغم من ان هنري فيلد يذكر ان الملاريا تتوطن في الارتفاعات التي تقل عن 2000 قدم في مناطق زاخو فان سايكس مارك لاحظ انتشار الأوبئة ومنها الملاريا في ارتفاع 7000 قدم في منطقة جبال ووديان ساسون وتنتشر في الحقول التي تتحول الى مستنقعات تنمو فيها الذرة وعلى المرتفعات تجد بيوت الفلاحين مشيدة وهي تطل على هذه الحقول الخضر الباهرة من ارتفاع آلاف الأقدام وعلى قمم صخرية عظيمة ولكن هؤلاء المواطنين يدفعون لقاء هذه الحقول الكثير من صحتهم، ويعانون من المرض والآلام. ان سكان ساسون تداهمهم الحمى وجميعهم يرتعشون بسبب الملاريا، النساء شاحبات والرجال تعلو وجوههم الصفرة والأطفال مصابون بالكساح والشيوخ يعانون من الخرف بسبب كثرة الامراض.
ويؤكد سايكس انه لم يجد قبلاً اناساً مرضى بهذا المستوى من التدني الصحي في منطقة جميلة ورصينة البناء مثلما وجد في هذه المنطقة (411).
اما شميدت، فيصف لنا احد المستشفيات الخاص بالمقاتلين الكرد عندما كانوا قد ثاروا ضد نظام عبد الكريم قاسم (1961)، والمستشفى كما يذكر شميدت قائم في واد جميل المنظر حسن التخفي ولولا الروح المرحة التي يتحلى بها الجميع وبضمنهم المرضى فان هذا المستشفى سيكون اقرب الى المأساة فليس فيه طبيب ذو شهادة ولا أسرة ولا تجهيزات ولا معدات، الا اقل من النزر اليسير، وقد وجد شميدت تسعة عشر رجلاً مضطجعين فوق مطارح بالقرب من طنف جبلي تحت مظلة من اغصان الشجر مدت فوقهم وكان ثم عين جارية لألاءة يسيل ماؤها على امتداد قاعدة الطنف، وكان الجو بارداً وربما كان الموضع اميناً من الغارات الجوية في تلك البقعة.
ثم يصف شميدت الرجل المسؤول عن هذا المستشفى واسمه (موشي) وقد وجد فيه شخصية رائعة وكان قد تلقى بعض التدريب الطبي في مستشفيات شركة النفط العراقية والقوة الجوية البريطانية (73).
ان مؤلف هذا الكتاب كان قد التقى بهذا الشخص (الطبيب) او كما يسميه شميدت بالشخصية الرائعة، والحقيقة فان اسمه (ميشى) مع تخفيف الياء الأخيرة وهو اثوري ومن قرية تقع وراء قرية مؤلف هذا الكتاب ويفصل بين القريتين نهر الخابور.
Taakhi