الرئيسية » مقالات » من تراث الراحل علي محمد الشبيبي/ رنين على الأجداث 6

من تراث الراحل علي محمد الشبيبي/ رنين على الأجداث 6

(رنين على الأجداث) هذا هو عنوان القسم الثاني من ديوان الوالد (أنا والعذاب). وهي مجموعة قصائد في رثاء الأهل والأحبة، ما عدا القصيدة الأولى والتي كانت في رثاء الملك غازي وقد وضح والدي ظروف وأسباب ودوافع الرثاء.
بعد رثاء الملك غازي أنقطع والدي عن كتابة الشعر عقداً كاملا! وهذا الانقطاع أثر سلبا (وهذا ما يؤكده والدي في أحد هوامشه) على أسلوبه وإمكاناته الشعرية بعد مزاولة النظم مجدداً، وخاصة في قصائده الأولى في رثاء أخيه الشهيد. وبعد هذا الانقطاع عاود النظم مجدداً (عام 1949) في ظرف مؤلم وقاسي وذلك بعد إعدام شقيقه حسين الشبيبي (صارم). فنظم مجموعة قصائد في رثاء شقيقه الشهيد تناولت وصفا دقيقا، لمشاعره وأحاسيسه وما تركته هذه المأساة من ألم ولوعة في نفوس عائلته (ألأم والأب والشقيق)، كما يصف معاناة العائلة بسبب مضايقات الأجهزة الأمنية.
كما نجده يؤكد في جميع قصائده في هذه المجموعة أو في غيرها من الديوان على إيمانه الشديد والمطلق بانتصار إرادة الشعب على كل المستبدين في مختلف العهود. ويؤكد تعهده، المرة تلوى الأخرى بالتزامه بالمبادئ التي أستشهد من أجلها شقيقه. ومنذ أن وعيت كواحد من أبنائه عرفت الوالد أنساناً مخلصاً ومدافعا صلباً عما يحمله من فكر وطني تقدمي، وهو أول من زرع في قلوبنا حب الشعب والوطن والإخلاص لمبادئنا. ولم تكسر شوكته أساليب الأنظمة المستبدة لذلك عانى من الفصل، والأعتقال والتعذيب والسجن في مختلف العهود (منذ العهد الملكي وحتى وفاته عام 1997).
ارتأيت أن أنشر قصيدة (ننعاك غازي) في (رنين على الأجداث 1) منفصلة لأنها تمثل مرحلة زمنية من تفكير الوالد أولا، وثانياً أنها آخر قصيدة له تلتها فترة انقطاع دامت عقدا كاملاً. حيث يبدأ حياته الشعرية بمرحلة جديدة فكراً ومضمونا وأسلوباً. أما القصائد التي في الحلقات (رنين على الأجداث 2 و 3 و4) جميعها في رثاء أخيه الشهيد حسين محمد الشبيبي (صارم). وفي الحلقات (رنين على الأجداث 5 و 6) رثاء للعلامة الجليل الشيخ محمد رضا الشبيبي، وشقيقه الأصغر محمد علي، وأبنه همام، وصهره علي عبد الحسين جعفر الكاظمي (أبو زينب). / ألناشر


وَلـدي هـمـــام

كثيرة هي الآلام والفواجع التي تلقيتها كسهام تواترت على قلبي ونفذت إلى لُبه، وكادت أن تطيح بصبري. كنت أتلقاها برباطة جأش، ذلك لأني، وما أزال، أدرك أن الحياة تسير دون أن تتلفت إلى الوراء، إلى الذي يسقط تحت أقدامها خائر القوى، مسلوب الإرادة، وأن الموت حتم، وكما قيل خط على ابن ادم مخط القلادة على جيد الفتاة..
أنا إنسان أعتد برجولتي وإنسانيتي فلن أفقد اتزاني لضربة أتتني عن خطأ في سيرتي، ومقاييسي التي أسير وأعمل بموجبها، أو عن أمر خارج عن إرادتي وتدبيري. أو أنه نتيجة حتمية لمواقف وحدود أومن بها والتزمها.
والموت أمر حتمي ينتهي إليه أمر كل حي. يُعَير فيه الشامت، ويُسَفه الحسود. ومع ذلك فقد أدمى قلبي جرحان لا أعتقد أنهما سيلتئمان ولن أنسى ولن أسلو فجيعتي وأساي بأخي وأبني أبداً.
لقد مر 29 عام على إعدام أخي حتى كتابة هذه السطور، ولكني لم أنسه في أية لحظة، وما وضعت رأسي على الوسادة إلا وتصورته ماثلا أمام عيني بقده الفارع وابتسامته، ونظرته الصارمة.
وها هو ولدي همام الذي فارق الحياة وله من العمر بقدر ما لعمه تماما 32 سنة. وكان عمه حسين يحبه حبا جما وهو في الأشهر الأولى من حياته، حتى لقد كان يأتي إلى الكوفة مفاجأة صباحا أو عصرا ولا يسأل عن أحد آخر قبله. وأخذ له عدة صور ومع الأسف لم تنجح.
ولا أكتم القارئ أني رثيت شقيقي بسبع قصائد، بينما لم أرث ولدي بغير قصيدتين. كلاهما عزيز عليّ، ولكن منزلة أخي وما لقي من عذاب والحكم الفاجع الذي انتهت به حياته ترك أثراً لم تمحه السنين من ذاكرتي أبداً.
مصابي بولدي همام مصاب، هدّ قواي لأنه حل بعد كوارث ومتاعب من فصل عن الوظيفة مرتين وأنا لا املك لهذه العائلة شيئا من حطام الدنيا غير مرتب الوظيفة. ومن توقيفات متعددة ثم السجن عامين.
كان همام أكثر التصاقا بي من شقيقه الأكبر منه (كفاح). ولا أقول: أنه لم يرتكب معي خطأ، ولكنه كان يعود –بلا عذر- ليمسح غلطته ويكفر عن سيئته، وفيه تتمثل رجولته وشهامته، فهو يتفقدني ويراسلني.
لقد اختطفت يد المنون مني همام على حين غرة. في الساعة الثامنة من صباح الخميس الثلاثين من آب 1973 نوديت إلى تلفون أحد جيراننا، وأنا أضطرب قبل أن أفهم شيئاً. كان كلام المتكلم قصيراً (همام في خطر) وما عدت إلى البيت حتى ورد آخر يخبر أن نداء من الكوت يقول: (ليتوجه أبو همام، فهمام في خطر). أسرعت بالسفر معتقداً أن الأمر كالعادة عارض ويزول. ولكن وأسفاه. وصلت إلى هناك وقد انتهى كل شيء. لقد عاد من أوربا في 17/8/1973 وهو على أتم ما يرام من الصحة، فماذا حدث يا ترى؟ قال أن أهم ما أوصاه به الأطباء، أن يبتعد عن الانفعالات النفسية! وكنا جميعا في وجل دائم على حياته، وكأننا نلمح شبح الموت يتربص به.
فغاب عن عيوننا ولم يبرحني خياله، فيعتصر الدمع العصي مني اعتصارا. كلما زرت قبره لأداري شجيرات جعلتها في روضة القبر لأنه كان يحبها! وأسفاه على همام وقد حرم منه صغيراه عمار ويسار.

علي الشبيبي
كربلاء/ الجمعة 21/07/1978


أنة الموجـــوع

شــددتُ على صدري وقـد رن هـاتف . . . . . . فـطــار فــؤادي وهــو حيــران لائـبُ
وأنبــــأني في إن همـــــام عــــــــاده . . . . . . من الداءِ مـا تخشى لـديه العواقبُ(1)
ولـم يمهـــل المــوت اللئيــم شـــبابه . . . . . . تــوخــاه عجــلانا فمــن ذا أعـــــاتبُ
(تــرشــفـتُ أيــامي وهــن كــوالـــح . . . . . . عليه وغــالبت الــردى وهــو غالب)
(ودافعتُ في صــدر الــزمان ونحـره . . . . . . وأي يــدٍ لـي والــزمان محـــارب)(2)
فهــل نـافـــع إني أغـص بـعـبــــرتي . . . . . . وان دمــوعي دهــرهــن ســــواكــبُ * * *
رحلتَ وخلفتَ الأســى في مضـاجعي . . . . . . وغبــــتَ ومـا عني خـيـــالكَ غـــائبُ
ومكنـتَ مني الـحـــزن يـأكل مهجتـي . . . . . . ويـوري بهــا النيــران فهي ثـــواقبُ * * *
غـواليـكَ غطـت بالسـواد جســومهـا . . . . . . وأدمت نـواصيهــا عليــك الـحبـــائبُ
أنبيـــك إن الـبيــت بــعـــدك عـــامــر . . . . . . فقـد جمــع الشـملَ الأسى والمصائبُ
يـرن على جـــدرانـه صـــوت ثـاكــل . . . . . . يــرد عليه صــوت أخــرى تجــــاوبُ
ويــعـــول إخـــوان عـليــك أعــــــزة . . . . . . فينشــج ذو شــجــو يجــاريه نـاحـبُ
* * *
بُـني أبــا عمـــار يــومــك هـــــــدني . . . . . . فلي أنة المــوجــوع أدمـاه حــاصـبُ
ولــم ينــدمل جـرح لعمك “صــارم” . . . . . . وهــذي ســهــام البيـن في نـواشــبُ
فـتــى وهــــب الأوطـــان كل حـيــاته . . . . . . تــــزكيــه أفكــــار لــه ومـــــواهـــبُ
فتى دب في حضن النضال وشـب في . . . . . . معــاركــه مـا فـي خطــاه شـــوائــبُ
تجــرع مـر المـوت من اجـل شــعـبه . . . . . . نمــاه إلى العليــا جــدود أطـــــايـــبُ * * *
ولسـت اقـــر الـنـــواح فهـــو مــذلـة . . . . . . ولكن جــراحي في حيــاتي غــــرائبُ
تـحــديتهــا بـالـصبـــر فهي نـــوازق . . . . . . وصبــري بلب القلــب كالنــار لاهـبُ
يقــولـون لي يـكفيــك من ظـل بعــده . . . . . . مـا حــصتي إلا الـضنــا والـمتـاعــبُ
فقـد كان صـلبَ العـود والـزهر طبعه . . . . . . أبــاعــدنـــا يـهــــوونـه والأقـــــاربُ
وفــارقـنــا غـض الأهـــــاب طــــريه . . . . . . فــلا جسمـه نضـو ولا الوجه شاحبُ
ولاحت على الـثغــر الجميـل ابتسامة . . . . . . ومن فـوق ذاك الثغـر تـزهو شواربُ
* * *
فــديتـك ما معنى الـفــداء وقـد جـثــا . . . . . . عليـك حمـام الموت والموت غاصـبُ
أتـحــرم من شـــم النســيم ويـنـتـشي . . . . . . به من هـوام الأرض يا ابني عنـاكبُ
وتمسي رهين الترب في ميعة الصبا . . . . . . وأبـقى حليـف الهـم حـزيـــن دائــــبُ
فيا لي شـــيخـا بعـد ســتين عشــتهـا . . . . . . مـا حــصتي إلا الـضنى والـمتـاعــبُ
* * *
غـرسـت ووفيـت الغــراس حـقــوقـه . . . . . . فمــا بيـــدي إن داهـمـتــه الـنـــوائبُ
وان مــدّ غــول المــوت كفــاً لـئيمـة . . . . . . فـلـيـس يــرد الـمــوت راج وعــاتـبُ

أيلول 1973

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1– لم يكن إخباري بأمر وفاته صريحا. إنما كان انه في حال خطرة.
2– الأبيات المقوسة لديك الجن ألحمصي في رثاء أخيه.


* * * * * * * * *


أيـها الراحـل*

كيف قـد أزمعت يا ابني ســــفـرا . . . . . . تـاركا جـســمي يـضـنى ســــهرا
كيــف عَـجــــلتَ ومـا ودعـتـنــي . . . . . . وأنــا الــوالـــد لــســتُ حـجــــرا
أيــهــا الــراحــــل عـنّي أبـــــــدا . . . . . . قـِف تــريث واحكِ لي ماذا جرى
احــك لي عــن قـدرٍ حـــلّ بـنـــــا . . . . . . آه مـا اظـلــم ذاك الـــقـــــــــــدرا
احـك لي عــن خـــافـق تـحـمـلـه . . . . . . بين جـنـبـيك فهــل ملّ السُــــرى
* * *
نـحن مـازلـنـا نُـغـذ الســــيـر في . . . . . . هــذه الأرض ونـَقْـفــوا الأثـــــرا
نـحمـــل الــهــم على أكتـافــنــــا . . . . . . ومـع الأســـقــام زدنـا ضـجــــرا
قـد قطعنــاهــا طـريقــا شـــائـكـا . . . . . . موحـــش الليــل ملـيـئـا حــفـــرا
تـعـصـــف الــــريـــح به عـاتـيـة . . . . . . تـرجع الخطـو قصيــرا أعســــرا
* * *
كــم عــثــرنــا وعثــرنـا ثــم لــم . . . . . . نـتـخــــذ مـن عثـــراتٍ عـبـــــرا
ولـكــم قــد غــرَّنـا بـرق أضـــــا . . . . . . فـحســبنـاه صــباحــا أســـفــــرا
مـا لهــذي الارض جُنـت مـالهــا . . . . . . وإلــه الشـــر فـيهــــا اســتـأثـرا
كل شـــبـر من ثــراهــا ملـغـــــم . . . . . . منـذرا بـالمـوت من فوق الثـرى
* * *
أيـهــا الـغـــائـب جـفــت ادمعــي . . . . . . وذوى عودي وأضناني السُــرى
أنـا في ليـــل فـهــــلا يـنـقــضـي . . . . . . ومتى يبــزغ فجــــري يـا تـــرى
يا حبيبي ضــاع عمري وانطوت . . . . . . كل آمـالـي وصــــــارت خـبـــــرا
غيــر أشـــواقي فقد عاشت معي . . . . . . بين أضـــلاعي أبتْ أن تـفـتــــرا
يا غدي المجهول لن أخشاك جئ . . . . . . ســتـراني بـاللـقــا مســـتـبـشــرا

27/02/1980
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- لم أنس همام يوما لا بل ولا ساعة. وفي 27/02/1980 كنت في الوادي في المقبرة الخاصة، عاودني الحنين وأخذت أنظم هذه القصيدة ارتلها بعبرتي ونشيجي.


* * * * * * * * *



إلى ابنتي العزيزة أم زينب رعاك الله

ثقي بل ربما أنت تدركين هذا عني دون أن أقوله. كنت أحب علياً حبا جما، لا لأنه زوج ابنتي إنما لروحية أحسها في كل حركاته والتزاماته وسلوكه، وكنت اعتبره بالنسبة لي أكثر من ابن واعتبر فقده ثغرة في حياتي تحز في نفسي. ولا أبالغ إذا قلت لك إني لم انسه وكأنه ليس بمفقود!! إذ انه لم يبرح خاطري عن الشعر! الشعر هو يحركني ويدعوني لتسجيله، لا أنا. لذا لم اقل شيئا من حين وفاته! ولكن اليوم وأنت مشغولة، وأنا على الأريكة، داهمتني هذه الأبيات (حلو الشمائل)! إنها غير مفتعلة، إنها نبع عاطفي نحوه موجة من حبي له.

أبـــــوك
كربلاء 14/11/1989


حلو الشمائل*

الـيــــوم عــاودني حـنيــن . . . . . . مذ قـيــل حــان الأربـعيــن
أعَليَ يــا حلـوَ الشــمـائــل . . . . . . أيـهـــا الــحـــــر الأمــيــن
صــارعت داءك لــم تهــن . . . . . . بــصـــــلابـة لك لا تـلـيــن
* * *
أعليُ يــا ولــدي الــحبـيب . . . . . . أنـا ذا يــؤرقني الــحــنيـن
قــد كنت لي الــولـد الإبــر . . . . . . وكنــت عـيني والـيميـــــن
والله لم يبـرح خيالك خــــ . . . . . . ــــاطــري فـانـا حــــــزين
وأئــنُ لـــكـن هـــل تـــرى . . . . . . يجدي على المضني الأنين
* * *
لــو يرتضي المـوتُ البديل . . . . . . لـكنت طـــوعا مَن يكـــون
وكأنني أجــد الـفـراغ عَليَ . . . . . . طُــبـق والـحيـاة عليَ دون
أنـا كلمــا أبصـــرت زيـنب . . . . . . ثُـرنَ في صـدري شــجون
هي في رعــاية أمهــا الـــثَــــــــــكلى الشــــجيـــة والأمـــيـــــن
عهــد الـــــوفـيــة للـــوفي . . . . . . بــربـهــا هي تـــسـتعــين
والــصبــر شـــيمة أهلهــا . . . . . . وبـحسـبهــا صبــر وديــن


ألناشر
محمد علي الشبيبي
2009-09-07
السويد
alshibiby45@hotmail.com