الرئيسية » مقالات » هل قررت بريطانيا اعادة البعثيين للسلطة في العراق؟

هل قررت بريطانيا اعادة البعثيين للسلطة في العراق؟

06/09/2009
البرلمان العراقي

فجأة ودون سابق انذار، تغيرت الاجندة الاعلامية البريطانية حول الشأن العراقي واخذت تشن حربا على السلطة العراقية (المنتخبة) ونتائج التغيير(الذي اختلقت آلآف الأكاذيب و تحدت العالم لاحداثه). فما الذي دفع بريطانيا لهذا التغيير؟ ولماذا بدأ هذا فور تطبيق الانسحاب الامريكي من المدن العراقية وتعهد اوباما باكمال الانسحاب من العراق عام 2011؟ لا شك ان الاجابة على هذا السؤال ليست بالسهولة التي يتصورها البعض، فالسياسية البريطانية اثبتت و على مدى قرون من الزمن انها الأكثر تعقيدا والأكثر تمويها لتحقيق اهدافها. ولكي نقترب من قراءة معقولة مفيدة علينا اولا ان نجري تقييما للدلائل ثم نضع التوقعات الاكثر منطقية لهذا التغيير. ولنبدأ بالدلائل، فالمتابع لما تتناوله الصحافة البريطانية هذه الايام حول الشأن العراقي يجدها تركز على مثل هذه العناوين:(المالكي على وشك الانهيار – الجيش العراقي مفكك – الوضع الامني سيء جدا – الطائفية سيدة الانتخابات القادمة –…. الخ)، فهل كان الوضع افضل في العام الماضي أو الذي قبله؟؟ و لعل المنقول من اخبار الاعلام البريطاني على الصحف والمواقع الالكترونية يوميا دليل واضح على هذا.
ولا شك ان الأمر يزداد تأثيرا حينما يبث على التلفاز ومن محطة كبيرة مثل ال(بي بي سي)، التي ينبغي ان تلتزم المهنية وعدم الافراط في ذكر طائفة كل سياسي عراقي وتقسيم ردود الافعال ليس على الاساس التحزب بل على اساس الطائفة. لكن المتابع لهذه المحطة يشعر ان هنالك من لم يعجبه ما يحدث ويود اعادة العراقيين الى المربع الاول الذي اشعل الحرب الطائفية، وافشال التغيير. وليس من مشكلة في عدم اعجاب هذا الاجنبي بنتائج الانتخابات و توجهات الحكومة، لكن هذا لا يبيح له ان يعمل على ادخال العراق بمخطط تدميري جديد ليجرب تغييرا جديدا.
وسأذكر هنا نموذجين مما قدمه (التلفزيون البريطاني بي بي سي – القسم العربي). الاول كان اجراء مقابلة مع محمد العسكري من الطرف الامني العراقي وبصحبته احد نواب البرلمان من الجهات المعارضة، وذلك بعد الانسحاب الامريكي من المدن باقل من شهر. قدمت المذيعة بداية تقريرا صدر من احدى المؤسسات الامريكية العسكرية يبين ان الجيش العراقي منقسم طائفيا من رأسه حتى قدميه وان الخراب قادم وسيكتسح الجميع، وحين بين لها محمد العسكري ان هذا مبالغ فيه وهو لا يعتقد ان هذا التقرير صحيح، قامت المقدمة بتفجير المفاجأة واتصلت هاتفيا بعراقي عسكري متقاعد يعمل في تلك المؤسسة الامريكية (لم يعلن عنه سابقا) ليبين عظمة التقرير. لكن المفاجأة كانت ما بينه هذا العراقي بكل هدوء بأن هذا ليس تقريرا من الجهة الامريكية بل هو بحث كتبه هو بشكل فردي يتضمن وجهة نظره. وان تلك المؤسسة نشرته كما تنشر اي موضوع عسكري مشابه قد يرسله اي شخص. واضاف انه لم ير بعينه شيئا لأنه يقيم في امريكا اضافة الى ان ما قاله ليس كتابا مقدسا بل هو وجهة نظر فردية ليس الا.. فما كان من المقدمة الا ان قطعت حديثه والبرنامج (بايعاز من المعد او المخرج طبعا). واعتقد ان المهتم يستطيع ان يبحث عن اللقاء في موقع المحطة على الانترنت.. اما النموذج الثاني فكان الخبر عن تشييع جنازة السيد عبد العزيز الحكيم الذي بثته المحطة مع نشرات الاخبار لعدة مرات يوم 28/8/2009، فبعد عرض مقاطع من كلمات السيد الطلباني والسيد المالكي ذكرت المحطة ما هذا نصه: (كما ان الحكيم كان من المؤيدين للفدرالية التي تفضي لتقسيم العراق).. وطبعا هذا خطأ اعلامي كبير، ربما لو صدر عن قناة عراقية مبتدئة يمولها شيخ عشيرة لهان الامر، لكن كيف يصدر عن ال بي بي سي؟؟ هل الفدرالية تقود لتقسيم البلدان؟ الا يعرف القيمون ومعدو الأخبار في المحطة ما هي الفدرالية و عدد الدول الفدرالية في العالم ومدى رقيها وغناها وتأثيرها العالمي؟ وهل ان الحكيم هو فقط الذي أيد الفدرالية؟؟؟ الأغرب ان هذه الجملة بين قوسين لم ترد بأخبار المحطة باللغة الانكليزية!!! هل هذه الجملة مرسلة لنا فقط؟؟
سأكتفي بهذين النموذجين لكي لا أطيل وانتقل الى المرحلة التالية وهي البحث عن الاسباب التي يمكن ان تدفع بريطانيا لهذا التوجه او ان صح التعبير (التغيير). خصوصا وانها دفعت ثمن التغيير الذي حدث بالعراق من دماء ابنائها.
ولكي لا اتعجل بالكتابة اخذت رأي صديق (سياسي من الجيل السابق) فكان رأيه:- ان القوى اليمينية البريطانية تشعر ان القادة العراقيين خذلوها واخذوا يتصرفون كما يعتقدون بدون الرجوع للمرجعية الامريكية – البريطانية التي اوصلتهم للحكم. لذا فانها ستعمد الى سياستها القديمة(فرق تسد) وربما تعيد نفس السيناريو الذي تبنته حينما ارادت ازاحة عبد الكريم قاسم لأنه رفض وصايتهم فجاءت بالقوميين والبعثيين بعد ان مارست تشويها اعلاميا منظما لسياسة الحكم القاسمي. وربما تأتي هذه المرة ببعثيين غير معروفين وليس اياد علاوي بعد أن احترقت اوراقه.
ورغم احترامي لرأي صديقي صاحب الخبرة السياسية الكبيرة وتوافقها مع الاحداث الاخيرة، الا اني اعتقد انه ربما تكون هنالك اسباب اخرى لماحدث، منها دغدغة رأس المال الخليجي الرافض للتغيير العراقي، أو رغبة بتولي الملف وعقود النفط بعد أن عزف عنه الامريكان بقيادة اوباما.. واكتفي بهذه التوقعات لأترك للقاريء وضع توقعاته اذا اتفق اساسا ان هذا الفعل مقصود.
اخيرا اود القول، انه قد لا يكون هناك اي مؤامرة أو تغير، وان ما تصورته أنا مجرد وهم وماحدث ليس أكثر من توجه يحمله البعض من معدي الاخبار في الفرع العربي. وان اختيار البريطانيين لموظفيهم ليس بأفضل من اختيار الامريكان الذين حين دخلوا العراق جلبوا الكثير من المترجمين العرب الذين خدعوهم وجعلوهم يعتقلون من يؤيد دخولهم للعراق وازالة صدام حسين. خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار التوجه القومي المتطرف للكثير من العرب المقيمين في بريطانيا..
ولكن بغض النظر عن حقيقة الدوافع فان الامر بحاجة لانتباه من السياسيين العراقيين و المعنيين بالشأن الاعلامي، فالسياسة لا تحمي المغفلين.
محمد الجوراني
Jurany5@yahoo.ca