الرئيسية » مقالات » ستوكهولم: ندوة استذكارية لشهيد الثقافة كامل شياع

ستوكهولم: ندوة استذكارية لشهيد الثقافة كامل شياع

د. صالح ياسر: تلك الرصاصاتُ الغادرةُ لم تكن موجهة لكامل، كفرد، بل كانت موجهة ضد رِهان الثقافة الوطنية الحرة والديمقراطية
وئام الملا سلمان: لتورق فوق ضريحك كل الحروف وتزهر كل النقاط




محمد الكحط –ستوكهولم-
تصوير: مرتضى حسن
نظمت مجموعة من المثقفين العراقيين ندوة استذكارية بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد المثقف المبدع كامل شياع، بضيافة نادي 14 تموز الديمقراطي العراقي في ستوكهولم يوم الجمعة 4 /9 أيلول- سبتمبر/2009 وعلى قاعة النادي في آلفيك. حضرها جمهور كبير من أبناء الجالية العراقية ومن المثقفين العراقيين المتواجدين في ستوكهولم، حيث زينت القاعة بصور الفقيد الذي غدا رمزا وطنيا للثقافة التنويرية، كما سجلت بعض الفضائيات العراقية وقائع الاستذكارية التي شارك فيها كل من، الدكتور صالح ياسر رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة و الدكتور ثائر كريم والشاعرة وئام ملا سلمان والروائي برهان الخطيب، أدار الحوار الدكتور عقيل الناصري، الذي أستهل الجلسة بكلمات معبرة عن القيمة الكبيرة والمثل الكبيرة التي خلفها الفقيد الغالي كامل شياع.
فكامل شياع كان يؤمن برسالته بإعادة هيكلة الثقافة العراقية وتخليصها من الخراب الذي أصابها ومن العقلية المتخلفة من تبعات النظام الدكتاتوري، ليبني مشروعه الثقافي الحر الديمقراطي، لذا أغتاله الظلاميون، لكنهم لن يستطيعوا أن يقتلوا مشاريعه.
في كلمة الدكتور صالح ياسر ، التي عنونها “كامل…. نشتاقُ إليكَ لتباغِتَنا ببسمتك الدافئة” انسابت الكلمات بدفء المعايشة القريبة مع الشهيد التي ترك بصماته على البعيدين عنه فكيف من عاش معه، فقال، “عام يمر على رحيله كأنه بطول الدهر. ففي الثالث والعشرين من شهر آب 2008 اغتال قتلةٌ محترفون عن سَبق إصرار وترصد، المفكر والمناضل والباحث كامل شياع، المستشار في وزارة الثقافة وعضو هيئة تحرير مجلة (الثقافة الجديدة) وعضو لجنة الإعلام المركزي في الحزب الشيوعي العراقي بمسدسات كاتمة للصوت وهو في ذروةِ عطائه الفكري والمهني. يا للعار! ، تلك الرصاصاتُ الغادرةُ لم تكن موجهة لكامل، كفرد، بل كانت موجهة ضد رِهان الثقافة الوطنية الحرة والديمقراطية، وضد الفكر التنويري والعقلاني، ضد رهان الوطنية العراقية الأصيلة، بإزاء ملوك الطوائف. ويبدو أن من كان يقفُ وراءَ تلك الرصاصات الغادرة… أراد أن يقول لنا ان تلك الرصاصات أقوى منا، إنها السيدة. غير أن التأريخ لن تكتبه هذه الرصاصاتُ، الملثمةُ، المرتزقةُ، الجبانة. التأريخ لن يكتبه الجلاد، كما درجت أدبيات الخنوع على أن تقوله لنا، بل يكتبه الشهداء كما يكتبه أولئك الذين يواصلون مواجهة مشاريع التدمير والإرهاب والمحاصصات.
وأختتم كلمته بالعبارات التالية،”ها قد مار عام ونيف على استشهاد كامل وما زال القتلة مطلقي السراح… وحتى لا تسجل قضية استشهاده ضد مجهول، كما جرت العادة في بلادنا، ندعو الجميع مجددا الى ان بذل كل الجهود لكي تظل قضية كامل حاضرة وذلك من خلال مطالبة الحكومة العراقية بتكثيف جهودها وتحمل مسؤولياتها للكشف عن قتله الشهيد كامل وإلقاء القبض عليهم وإحالتهم الى القضاء لينالوا جزائهم العادل على فعلتهم النكراء هذه. ” أبا الياس “… لن ننساك أيها الذاهب في شِتاء البياض، فأنت من سيفاجئنا خارج مساءاتِنا الموحشة بدونك!، لن ننساك لأنّ الوردَ يظلُّ يعبقُ برائحةِ الحياة ولا يشيخ !”

أما الدكتور ثائر كريم فتحدث عن دور المثقفين في التغيير الاجتماعي منوها إلى ان مفهوم المثقفين لا ينحصر في شريحة اجتماعية محددة هم التنويريون الديمقراطيون العلمانيون، بل ان هناك للأسف أنماطا مختلفة من المثقفين هم السائدون الآن في بلادنا منهم الطائفيون والقومانيون والعشائريون والمهرجون ومثقفو السلطة الخ. وبسبب مزيج من العوامل الموضوعية الاجتماعية كالتخلف الاقتصادي وخصوصا انحطاط المستوى التعليمي في العراق وكذلك عوامل ذاتية داخلية لاسيما تغليب النرجسية والنخبوية والخطاب التجريدي فان شريحة المثقفين الديمقراطيين العلمانيين وهم الشريحة التي يمكن ان تلعب دورا مهما في عملية التغيير الاجتماعي في العراق هم شريحة مهمشة ومعزولة اجتماعيا وفاقدة للقدرة على التحويل.
ولحد اللحظة فان دعاة الثقافة التنويرية الديمقراطية العلمانية قد فشلوا في استثمار الفرصة الذهبية لتحويل سقوط نظام الطاغية صدام لخلق أسس مجتمع قائم على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدل والشفافية والمسؤولية واحترام الآخر.
لا بديل اليوم الا إلى ان يتحمل دعاة التنويرية الديمقراطية العلمانية مسؤوليتهم والبدء أولا وقبل كل شىء من الاستماع للناس وليس لأصوات الذات فقط، ان نستمع للآخر ونطور فضيلة النقد الذاتي ونبتعد كليا عن النرجسية ونتخلى عن النخبوية وان نطور استعداداتنا وقدراتنا المشتركة من أجل التغيير. لابد علينا جميعا من إثارة الأسئلة النقدية ومساعدة أنفسنا والناس معنا على انتهاج سبل التفكير النقدي الحر المستقل. ان دعاة الثقافة التنويرية الديمقراطية العلمانية هم حملة مسؤولية اجتماعية اتجاه أنفسهم وعلاقاتهم ومحيطهم الاجتماعي من حيث مدى قدرتهم ليس على التأمل النقدي للعالم والنفس والقدرة على أنتاج وتوظيف المعرفة والتحليل بل من حيث مدى جديتهم في التعاون على تغيير الواقع الاجتماعي. وهذا يتطلب أولا وقبل كل شىء مصداقية فكرية وسلوكية غير ازدواجية وتفاعلات اجتماعية مبنية على مبادئ التكافؤ الإنساني والاحترام المتبادل والمساواة التامة من حيث القيمة الإنسانية.
قد تكون هناك الآن فرصة أخرى أمام حاملي الثقافة الديمقراطية العلمانية للنجاح في معركة تغيير المجتمع وتحويل الوعي السياسي والاجتماعي وسحبه كليا من بساط القوى القومانية والدينية والطائفية والمناطقية والجهوية. لعل الحوارات ما بين مثقفي التنوير الديمقراطي العلماني من مختلف الاتجاهات والالتزام بأسس عمل مشترك قائم كليا على قيم العدل والحريات المدنية والحقوق الأساسية والمشاركة الحقيقية هي مقدمات مهمة للمساهمة في قيادة حركة التنوير الديمقراطي العلماني.

وكان للشاعرة وئام ملا سلمان موقفا آخر من موضوعة الثقافة والسلطة، وتطرقت إلى جدلية العلاقة بينهما، التي تدور في مضماري الرفض والانصياع وأن المسافة بين هراوة السلطة (كاتم الصوت، المفخخة، جرعة السم، عجلة سيارة…الخ) وقلم المثقف أو صوته ونتاجه الإبداعي هي مسافة الفزع العصي لكليهما، لكن السلطة تبقى هي الأشد فزعا، والتي تحاول دائما إلى تجيير المؤسسة الثقافية لصالحها من أجل تحقيق مآربها، المرحلة اليوم هي امتداد لسلفها بل هي فوضى رغم مساحات الحرية والديمقراطية، فبقي المثقف يشكل هاجس القلق والخطورة لدى السلطة، بما يلعبه بخطابه من دور كبير في الوصول به إلى القاعدة الجماهيرية الاجتماعية العريضة وسيكون المثقف هو اللاعب المهم في تشكيل الخطاب السياسي والاجتماعي خاصة في حقب المخاضات والتغييرات، ومن هنا أتت جريمة كاتم الصوت ضد كامل شياع المثقف الأنموذج الذي أسميته المثقف الفدائي البعيد عن البندقية، إضافة إلى كونه المثقف العضوي والكوني، وهو أراد أن يروج لثقافة الحياة الكريمة والجمال أمام من يروج لثقافة الموت والدمار، كامل شياع كان النسمة التي ما طلبت مجدا ولا عرفانا، كان الإنسان الذي التزم الدفاع عن قضايا مجتمعه العادلة، غير آبه بالخطر المحق به، وهو في داخل الكرنفال، وكانت الرصاصة هي التي دونت بلغة الدم رحيل جسدٍ وبقاء فكر مثقف لا يقتله كل الرصاص، وختمت كلمتها بالقول: (لتورق فوق ضريحك كل الحروف وتزهر كل النقاط…)

وتناولت كلمة الروائي برهان الخطيب الجانب الفكري للعلاقة بين المثقف والسلطة، أيضا سلطة المثقف نفسه، وبأسلوبه الروائي المميز بدأ بالتساؤل، لماذا النكوص الذي شهده العراق، كيف النهوض به، مركزا على تشريح شخصية المثقف، قال مثلا، تفكيرنا من نوايانا، ونوايانا من تفكيرنا، لكن هناك تفكير سابق، قد ينقضه تفكير لاحق من غربلة تجربة ووعيها أفضل، من ظهور حقائق جديدة، هكذا تتغير النوايا والتفاهمات وتتجاوز شعوب محنَها. نحن في العراق ما راجعنا كما ينبغي تجربتَنا، وتساءل قالا: هل تبقت جدوى من الكلمات؟ لماذا نواصل الكلام؟ نعم، اليأس قد يطغي على هذه الذات، لكنه باق في أخرى، هكذا تبقى ذات الوطن حية دائما، تدافع عن نفسها بكل الطرق والأساليب.
وبعد استراحة قصيرة عاد الحضور ليدور نقاش مع المتحدثين ووجهت لهم العديد من الأسئلة، وجاء مقترح تقديم مذكرة باسم الحاضرين إلى الحكومة العراقية للمطالبة بمتابعة التحقيق لكشف القتلة ولينالوا جزائهم العادل، بعدها شكر الدكتور عقيل الناصري النادي على استضافته الجميلة، كما قدم النادي باقات من الزهور للمساهمين في الحوارية.
أتسم الحوار بالروح الوطنية الحريصة على القيم الإنسانية والثقافة التنويرية، التي غدا كامل شياع رمزا لها وبجدارة.