الرئيسية » دراسات » الايزيديون والدولة العراقية الحديثة من التأسيس حتى الاستقلال(1921- 1932)*

الايزيديون والدولة العراقية الحديثة من التأسيس حتى الاستقلال(1921- 1932)*




قادر سليم شمو

مدخل
تمخضت عن الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ولادة العديد من الدول والكيانات القومية والسياسية على أنقاض الدولة العثمانية التي انهزمت أمام دول الحلفاء في تلك الحرب، كانت الدولة العراقية الحديثة التي تأسست في آب 1921 أحدى تلك الدول والتي رسمت حدودها من قبل الحلفاء – خاصة بريطانيا – بما ينسجم مع مطامعها في المنطقة. وكان للأقليات القومية والدينية في العراق مواقف تختلف عنها.




لقد سعى البريطانيون أن يحكموا العراق حكماً مباشراً عن طريق ضباطها السياسيين في العراق(1)، ولكن اندلاع ثورة العشرين أثرت سلباً على الجانبين العسكري والاقتصادي لسلطات الاحتلال البريطاني فقد كلفتها ثمناً باهظا في الأنفس والأموال، وأدركت بريطانيا بان الحكم المباشر للعراق يتطلب تخصيص المزيد من النفقات والتكاليف المالية، التي ترهق دافع الضرائب البريطانية وهو ما دعا الرأي العام البريطاني إلى توجيه الانتقادات العنيفة للحكومة البريطانية والدعوة إلى تغيير سياستها إزاء العراق، هذه العوامل وغيرها أجبرت بريطانيا للبحث عن إيجاد بدائل لهذه السياسة، عبر إشراك العراقيين في حق تقرير مصيرهم، وبما لا يتعارض مع مصالحها من خلال ربط العراق بمعاهدة جديدة. بناءاً على ذلك تم تشكيل أول حكومة عراقية مؤقتة برئاسة عبد الرحمن النقيب من قبل برسي كوكس Percy Cox أول مندوب سامي بريطاني في العراق وكانت خاضعة لأوامره ومراقبته. ثم بدأت بريطانيا تبحث عن إيجاد شخصية معروفة مناسبة لها ومتفاهمة معها لتولي الحكم في العراق، على أن يكون نظام الحكم في العراق نظاماً ملكياً لا جمهورياً، وأخيرا وقع الاختيار على الأمير فيصل بن الحسين (شريف مكة)، وهكذا تم إعلان تأسيس المملكة العراقية في 23  آب 1921(2). وقد اختلفت مواقف الشعب العراقي بكافة أطيافه القومية والدينية من هذا الترشيح.
ولابد من الإشارة إلى أن دراسة هذا الموضوع ومحاولة بيان موقف الإيزيديين من أحداث تلك الحقبة التي نشأت فيها الدولة العراقية، بوصفهم أقلية دينية في العراق وليس من وجهة نظر قومية، لأنه لا ريب فيه إن الإيزيديون هم كورد من الناحية القومية كما أكدت ذلك التقارير الرسمية التابعة لعصبة الأمم حينذاك. ولكن مع ذلك كان لهم موقف مختلف عن مواقف الكورد المسلمين من تأسيس الدولة العراقية الحديثة الاّ انه هذا لا يعني فصل الإيزيديين عن هويتهم القومية، حيث كان هناك عوامل وظروف لها أثرها على سير الأحداث ومواقف السكان منها في تلك الحقبة، لا سيما وان العراق كان يضم العديد من الأقليات الدينية، لذا ما عاناه الإيزيديون من متاعب ومذابح مؤلمة باسم الدين الإسلامي، فضلاَ عن إن السياسة البريطانية في العراق كانت تهدف إلى زرع الشقاق بين القوميات والقبائل والأديان المختلفة بغية تثبيت سيادتها عليها(3).


– موقف الإيزيديون من تنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق
بعد المداولات تم الاتفاق الأخير في مؤتمر القاهرة الذي عقد برئاسة وستن شرشل (وزير المستعمرات آنذاك) في 12 آذار 1921(4)، وبشكل نهائي على ترشيح الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق، رأت الحكومة البريطانية انه من الأفضل إجراء استفتاء شعبي عام للنظر في مدى انسجام هذا القرار مع تطلعات ورغبات الشعب العراقي حول ترشيح الأمير فيصل وحتى لا يتبين بان بريطانيا ترغب في فرض الأمير فيصل حاكماً عليهم رغم إرادتهم، وبعبارة أخرى أرادت بريطانيا أعطاء غطاء ديمقراطي لعملية تنصيب الأمير فيصل على حكم العراق، لذا أوعز مجلس الوزراء إلى وزارة الداخلية بالعمل على إجراء استفتاء شعبي عام، وذلك عن طريق تنظيم مضابط رسمية بهذا الشأن، يتم فيها تسجيل الآراء والرغبات للشعب العراقي بواسطة لجان لسكان النواحي والملحقات الإدارية جميعاً، وعلى متصرفي الألوية (المحافظين) تقديم المضابط إلى مسئولي اللجان وإرسالها إلى العاصمة بغداد فور إكمالها(5).
ومن الجدير بالذكر، أشار الكولونيل لجمن(6)الحاكم السياسي للموصل حينذاك، في تقريره المؤرخ  في 22 كانون الأول 1918 والمتعلق باتجاهات الرأي العام في ولاية الموصل: “لاحظت عند تجوالي في منطقة سنجار شعور الفزع الذي يسود اليزيديين هناك بسبب وجود مندوب الحكومة الفيصلية في دير الزور. وقد قدم اليزيديون طلبا بان لا يعهد أي منصب حكومي في منطقتهم إلى شخص مسلم”(7).
 أجري استفتاء أولي قبل الاستفتاء الرسمي حول رغبات سكان الولاية، ففي 2 كانون الثاني 1919، حرر الإيزيديون مضبطة حملت تواقيع داود الداود وحمو شرو والشيخ علي الرئيس الروحاني للديانة الإيزيدية في الشيخان وإسماعيل بن عبدي، وتم تقديمها إلى الكولونيل لجمن، طالبوا فيها “أن يعدهم رعية دولة بريطانيا…” (8)، حيث قالوا فيها:”…نطلب قلبا ولسانا أن نكون رعية لحكومة بريطانيا العظمى ولا نقبل قطعا أن تحكم علينا دولة عربية…” (9). 
وحسب ما يذكر جون س.كَيست(10)، في ولاية الموصل دُعيت كل أقلية للتعبير عن رأيها بشأن تنصيب الأمير فيصل على حكم العراق، وان البيان الإيزيدي الموقع من قبل حوالي خمسين شخصاً بما فيهم كل زعماء الإيزيديين، أفاد بأنهم يرغبون أن يكونوا من رعايا بريطانيا العظمى، وإنهم سوف لن يقبلوا أبداً بأن تحكمهم حكومة عربية.
وحسب ما يؤكد عدد من المعمرين في شنكَال عن موقف سكانها من ترشيح الأمير فيصل، كان أكثرية المسلمين في قضاء شنكَال من المؤيدين لهذا الترشيح وسعداء، وذلك لأسباب دينية لكون الأمير من عائلة دينية معروفة الحسب والنسب من أشراف الحجاز، لاسيما وان العامل الديني كان يوظف لصالح تأييد ترشيح الأمير فيصل ليكون ملكاً على العراق، أما بالنسبة للايزيديين والمسيحيين في شنكَال، فكانوا مناهضين لترشيح فيصل أو لخضوعهم تحت سيطرة حكومة عربية، إذ كانوا يحبذون بأن يكونوا من رعايا الدولة البريطانية أو أن تكون إدارة شئونهم بيد الحكومة البريطانية، وعلى ما يبدو أنهم بقوا ثابتين على الموقف الذي اتخذوه في إثناء الاستفتاء عام(1918-1919) حول مستقبل العراق، ورفضوا بأن تحكمهم حكومة عربية(11). وبموجب التقرير السري المشار إليه آنفا، فأنه لولا مساعي الكولونيل “نولدر” (لكان موقف أهالي الشمال – ناحية الشمال التابعة لقضاء شنكَال – وعواطفهم عربية في الدرجة الأولى، تركية في الدرجة الثانية استياءً من حمو شرو أحد رؤساء الجنوب – قُبلَة – الموالي للانكَليز. كما ذكر التقرير انه من الممكن تعديل أفكارهم إذا لم يقترن بمعاكسة الحكومة) (12).
مهما يكن من أمر، كانت نتيجة الاستفتاء العام كما جاء في بيان المندوب السامي البريطاني إن فيصل حصل على نسبة (97%)، في حين أكد تقرير بريطاني انه حصل على نسبة (96%)(13).
ويشير الموظف السياسي البريطاني في ولاية الموصل في تعليقه على نتائج الاستفتاء إلى انه ((لو منحت حرية اتخاذ القرار للكُرد والإيزيديين والمسيحيين والفلاحين العرب لعبروا عن رأيهم الحقيقي المعارض لفرض عربي عليهم)). وهذه لم تكن المرة الأولى التي أشارت فيها تقارير بعض الموظفين إلى رفض غالبية سكان ولاية الموصل فرض حكم شريفي- عربي عليها. ففي استفتاء أجراه كولونيل ويلسون في المدة 1918- 1919، أبدى أهالي الولاية المذكورة معارضتهم لإقامة حكم عربي(14).
مهما يكن، جرت في 23 آب 1921 مراسيم تتويج الأمير فيصل ملكاً على العراق، حيث أقيم حفل له بحضور شخصيات ممثلة عن ألوية العراق كافة، باستثناء لوائي كركوك والسليمانية الذين صوتوا ضده وقاطعوا الانتخابات. وكان ضمن تلك الشخصيات الأمير سعيد بك الذي مثل الإيزيديون هناك. وعدّ هذا التتويج بداية العهد الملكي في العراق(15).
وفي الأول من تشرين الأول 1921، قدم الملك فيصل إلى الموصل، وكان برفقته مسئولو الدولة آنذاك، ابتهج أهالي الموصل بهذه الزيارة، حيث أنيرت الشوارع والبيوت بالأضواء، وذهب الملك إلى قصره (دار الضيافة الملاصق لمتحف الموصل حالياً)، وقدمت إليه الوفود المهنئة، وبضمنها وفد من شنكَال الذي كان مؤلفاً من القائمقام يوسف أفندي نمرود وبعض وجهاء شنكَال ضم كل من: درويش حمو شرو، وداود الداود والشيخ خضر القيراني وعتو خضر كهية الهبابي وجار الله العيسى (رئيس عشيرة البومتيوت) وجبور آغا (من أغوات عشيرة البابوات)(16).
يتضح مما سبق إن حمو شرو لم يكن راضياً عن تتويج الأمير فيصل ملكاً على العراق، وغير راضٍ للرضوخ والخضوع لحكمه، لذا لم يقدم إلى الموصل لاستقبال الملك، وإنما أرسل ابنه نيابة عن نفسه(17). كذلك  يجب أن لا ننسى إن وجود داود الداود ضمن أعضاء الوفد، قد دفع بحمو شرو إلى رفض المشاركة فيه، نظراً لما كان في تلك الفترة من عداء عشائري بينهما، ربما هذا السبب نفسه أدى إلى وقوف كل واحد منهما على طرفي النقيض.
تأسيساً على ما سبق، إن الإيزيديون لم يكن يرغبوا بالخضوع لحكم الملك فيصل، وإنما فضلوا أن تحكمهم بريطانيا لكونها دولة مسيحية، وكان هذا الموقف ناتج لكون الملك فيصل من عائلة دينية مسلمة (من أشراف مكة)، لذا فقد رفض الإيزيديون الرضوخ لحكمه، وذلك لما عاناه الإيزيديون من مآسي وقتل جماعي في عهد الدولة العثمانية تحت ستار الدين الإسلامي الذي رفعه السلاطين العثمانيين شعاراً لهم للفتك بالايزيديين وغيرهم من سكنى هذه الدولة من غير المسلمين. ويتضح ذلك جلياً من حديث إسماعيل بك لأهالي شنكَال بعد مقابلته مع ليجمن الحاكم السياسي للموصل، حيث يقول:”…أردنا حكومة مسيحية وخصوصاً حكومة بريطانيا العظمى وهذا ما كنا نتمناه من وقت آباءنا وأجدادنا والآن ما عاد يصير علينا أدنى تعدي من جهة ديانتنا ولا من جهة ناموسنا…” (18). 


– الإيزيديون ومشكلة الموصل


اشتركت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، وفي تشرين الثاني 1914 هاجمت بريطانيا العراق، وكان جزءاً من الدولة العثمانية، وفي 30 تشرين الأول 1918 وقعت الدولة العثمانية هدنة مودروس Mudros مع دول الحلفاء أوقفت بموجبها الحرب بين الطرفين، وعند توقيع هذه الهدنة كانت أكثر ألأراضي التابعة لولاية الموصل غير محتلة بعد من قبل الجيش البريطاني. إلا انه رغم عقد الهدنة استمرت القوات البريطانية نحو احتلال مدينة الموصل وغيرها من المناطق الأخرى التي لم يكونوا قد احتلوها من قبل(19)، وذلك استناداً على بنود الهدنة نفسها. مما أدى إلى خلق مشكلة بين بريطانيا وفرنسا وتركيا والتي عرفت بمشكلة الموصل(20). تمكنت بريطانيا بعد ذلك من إقناع فرنسا على التنازل عن حصتها في ولاية الموصل، وهكذا أصبحت المشكلة محصورة بين بريطانيا وتركيا(21).
عندما طالب الأتراك بولاية الموصل ثم فشل المفاوضات بين الأتراك والبريطانيين للتفاهم على أساس معاهدة لوزان التي عقدت عام 1923 بين الحلفاء والدولة العثمانية، رفعت بريطانيا على اثر ذلك النزاع إلى عصبة الأمم والتي قررت تشكيل لجنة دولية مؤلفة من ثلاثة أعضاء لغرض النظر في القضية والاستفتاء بين سكان ولاية الموصل حول رأيهم ورغبتهم في الانضمام إلى تركيا أو العراق(22). وجمع المعلومات ذات العلاقة بالمسألة وتقديمها إلى مجلس العصبة مع توصياتها لتستعين بها عصبة الأمم على اتخاذ قرار في موضوع النزاع(23).
وصلت اللجنة إلى مدينة الموصل في 27  كانون الثاني 1925، بدأت اللجنة بتقصي الحقائق وتجولت في المناطق التابعة للولاية لاستطلاع آراء سكانها ومن ثم رفع تقريرها على ضوء ذلك، لكي تسهل مهمة عصبة الأمم لإعطاء القرار النهائي بشأن مشكلة الموصل(24).


وفي بداية آذار 1925، توجهت اللجنة لزيارة البلدات والقصبات الشمالية لمدينة الموصل حيث كان غالبية سكانها من الإيزيديين وذلك لإكمال التحقيقات، ويقول رئيس اللجنة ي. اف. فيرسين  E.af. Virseبهذا الصدد: “وخصصنا واحدة من جولاتنا لليزيديين… وعددهم لا يتجاوز ثلاثين ألفاً وموطنهم غرب الموصل وشمالها وأصولهم وتاريخهم يحف بهما الغموض والتعقيد وهم من الناحية العرقية أكراد بدون شك ولغة الكلام المتداولة هي الكردية…”(25). واجتمعت اللجنة بكامل هيئتها مع أمير الإيزيديين في معبد لالش. فقد فضلّ إيزيدية الشيخان حكومة عربية شريطة أن تكون تحت الانتداب الأوربي(26).
وفي نهاية شهر آذار من العام ذاته(27)، زارت اللجنة شنكَال للاستماع إلى رأي الإيزيدية كان موقف حمو شرو موقفاً معارضاً من ادعاءات الأتراك بعائدية ولاية الموصل إليهم. وأكد إن الإيزيدية يريدون الانضمام إلى الدولة العراقية على أن تكون تحت الحماية والانتداب البريطاني بصورة مباشرة أو غير مباشرة(28).
وقد كان لموقف حمو شرو أثره على بقية السكان سواء من الإيزيديين أو المسلمين الذين كانوا يخشون إبداء رأيهم بالانضمام إلى العراق لأنهم كانوا يخشون من عودة السلطات التركية إلى المنطقة، كان موقف حمو شرو هذا طبيعياً لأنه كان حاقداً على الأتراك، نظراً لما كانوا يقومون باضطهاد الإيزيديين طيلة عهد الدولة العثمانية، بالإضافة إلى إن عودة الأتراك يعني فقدان حمو شرو لمكانته المرموقة وامتيازاته التي اكتسبها من مجيء البريطانيين إلى المنطقة(29).
و شارك حمو شرو في ولائه لبريطانيا عدداً آخر من أغوات جبل شنكَال وخاصة الشيخين خلف الهسكاني وخضر القيراني اللذين يتمتعا بنفوذ حكومي واسع منذ احتلال بريطانيا لشنكَال(30).
وفي مقابل هذا التأييد الذي حظيت به الإدارة البريطانية من جانب حمو شرو وأتباعه، فقد وجد من رؤساء الإيزيدية من كان تشكّ بريطانيا في ولائهم، ومن هؤلاء على سبيل المثال، داود الداود (رئيس عشيرة المهركان في شنكَال)(31).
ومن الملاحظ هنا أن قضاء شنكَال كان يقطنه جماعتان متناحرتان من الإيزيدية هما جماعة حمو شرو وجماعة داود الداود وكانت كل جماعة تسعى لنيل الرئاسة على أبناء الديانة الإيزيدية في منطقة شنكَال، ولما حاولت الحكومة العراقية أن تصلح بين الجماعتين رفض داود الداود وساطتها كما رفض مطاليبها بالحضور إلى مركز لواء الموصل، فاضطرت إلى الاستعانة بسلاح الجو البريطاني لقصف قريته يومي 18 و20 نيسان 1925(32)، إلاّ إن الإيزيديون قابلوا الطائرات بالنار واسقطوا إحداهن(33).
درست اللجنة ولاية الموصل من الجوانب التاريخية والجغرافية والقانونية والعنصرية والاقتصادية والسياسية والعسكرية، خلال فترة وجيزة، ولم يكن لأعضائها وقت كاف للتعمق في تلك الجوانب، سيما وأنها أنجزت عملها لمدة شهرين ونصف تقريباً، وخلال فصل الشتاء القارص، ولكن المهم في الأمر أنها رفعت تقريرها إلى عصبة الأمم بناءاً على تلك التحقيقات، وكان من ضمن توصياتها(34): بما إن الإقليم المتنازع عليه سيكون في كلتا الحالتين ضمن سيادة دولة مسلمة (العراق أو تركيا) فإرضاء لأماني الأقليات لا سيما المسيحيين وكذلك اليهود والإيزيديين من الضروري أن تتخذ إجراءات معينة لحمايتهم. ويجب أن يضمن لكل المسيحيين والإيزيديين الحرية الدينية والحق في فتح مدارسهم(35).  ولكن الخطأ الذي وقعت فيه اللجنة إنها عدت الإيزيدية أقلية قائمة بذاتها، ولم تعدهم ضمن الكورد، وبهذا ميزت اللجنة بين القوميات والأقليات الدينية على أسس غير علمية(36). 
والجانب الايجابي في تقرير اللجنة إنها أشارت بأنه في حالة اعتماد النواحي العنصرية وحدها أساساً لحل مشكلة ولاية الموصل، ينبغي تأسيس دولة كوردية مستقلة، لأنهم يشكلون أكثر من 5/8 من سكان الولاية، كما إن الإيزيديين عنصر مشابه للكورد حسب تعبير التقرير، ويجب أن يدخلوا ضمن الكورد، في حالة تشكيل الدولة الكوردية، فتكون نسبة الكورد حينذاك أكثر من 6/8 من السكان(37).
 وفي 8 كانون الأول 1925، وافق أعضاء مجلس عصبة الأمم بالإجماع على رأي لجنة التحقيق الذي فضل إلحاق كل المنطقة الواقعة جنوب خط بروكسل (ولاية الموصل) بالعراق(38).


– الإيزيديون والمجلس النواب العراقي (البرلمان العراقي)


في وزارة جعفر العسكري الأولى ( 22 تشرين الثاني 1923- 2 آب 1924) تقرر إجراء انتخابات نواب مجلس التأسيسي العراقي في 25 شباط 1924، وافتتح المجلس أولى جلساته في 27 آذار من العام ذاته، وانتخب عبد المحسن السعدون رئيساً له. وكان لليهود والمسيحيين ممثلين في المجلس التأسيسي بخمسة مقاعد لكل منهم، بوصفها حصصاً مخصصة لهم، حيث كان عدد اليهود في العراق يقدر بنحو (87) ألف نسمة، والمسيحيون كان يقدر عددهم بنحو (78) ألف نسمة(39)، أما الإيزيديون فعلى الرغم من أن عددهم كان يتراوح ما بين (26-30)ألف نسمة(40)، فانه لم يكن من يمثلهم في المجلس وكان يفترض السماح لهم بتمثيلهم ولو بمقعد واحد في المجلس التأسيسي، ولكن وزارة العسكري وتحت ذريعة الابتعاد عن إثارة النعرات الطائفية تم إقصاء الإيزيديون عن المجلس التأسيسي(41). كما إن أمير الإيزيدية سعيد بن علي بك وإسماعيل جول بك كان يتنازعان حول رئاسة الإيزيديين وكيفية تقسيم واردات معبد لالش فيما بينهما، بالإضافة إلى وجود خلافات بين رؤساء العشائر الإيزيدية سيما العداء الموجود بين حمو شرو وداود الداود، الأمر الذي جعل الإيزيديون منقسمون على أنفسهم،  لذلك لم يكن هناك من يطالب بحق الإيزيديين سواء من حيث تمثيلهم في المجلس التأسيسي أو تثبيت حقوقهم في القانون الأساسي العراقي (الدستور)، بل كان الهَمّ الوحيد لرؤساء الإيزيدية حينذاك هو كيفية الحصول على واردات معبد لالش والطواويس فضلاً عن نيل شرف الرئاسة(42).
فقد نال اليهود مقعد واحد في لواء الموصل والمسيحيون نالوا مقعدين، أما الإيزيديون فلم يحصلوا حتى على مقعد واحد في الموصل، كما ذكرنا آنفا، على الرغم إن عددهم يفوق عدد اليهود في تلك اللواء بستة أضعاف(43).
ولحرص بعض النواب في المجلس التأسيسي على كسب الأقليات وتأييدهم للحكومة العراقية، وعدم التفرقة بين أبناء الوطن الواحد، طالبوا بضرورة تمثيل الإيزيديين في مجلس النواب، وكان امجد العمري من ابرز النواب الذين دافعوا عن حقوق الأقليات الدينية في المجلس، حيث طالب في إحدى جلسات المجلس بتخصيص مقعد للايزيديين عن لواء الموصل لأنهم يشكلون نسبة كبيرة من سكان اللواء، فضلاً عن أنهم يشاركون في دفع الضرائب وأداء الخدمات العامة كغيرهم في الدولة، ولكن اعترض بعض النواب على مقترح النائب امجد العمري بتخصيص مقعد للايزيديين في المجلس التأسيسي، وفي مقدمتهم النائب عبد الرزاق منير حيث تحجج على ذلك بان العراق يسعى لإزالة الفرقة الطائفية والأقلية، كذالك وقف كل من جعفر العسكري وداود ألجلبي ضد مقترح العمري، حيث أشار ألجلبي إن عدد الإيزيديين لا يتجاوز المئات، وإنهم يشكلون الآن كتلة داخل الإسلام لأنهم ينبذون عاداتهم القديمة الباقية من الوثنية وهم يقرءون القرآن ويسمون أولادهم بأسماء المسلمين. والمهم في الأمر، حينما وضعت التقارير المختصة بهذه المناقشة في التصويت، لم يوافق المجلس على اقتراح امجد العمري بتمثيل الإيزيديين في مجلس النواب العراقي(44).
لم يتمكن الإيزيديون بشكل عام وسكان شنكَال بشكل خاص من الفوز في عضوية الانتخابات والتمثيل في مجلس النواب العراقي، الذي بدأ دورته الأولى بجلسته في 16 تموز 1925 ولغاية انتهاء الدورة العاشرة في عام 1946، وذلك رغم مشاركتهم في الانتخابات الأولية، لكنهم لم يتجاوزوا الانتخابات الثانوية(45).


– الإيزيديون والقانون التأسيسي العراقي الأول (الدستور)
تم نشر القانون الأساسي العراقي (الدستور) في الجريدة الرسمية للدولة في 21 آذار 1925، واحتوى هذا القانون على (123) مادة موزعة على مقدمة وعشرة أبواب. وفيما يتعلق بالأقليات غير المسلمة في العراق وبضمنهم الإيزيدية وحفظ حقوقهم، فإن القانون الأساسي العراقي قد تكفل بذلك وبموجب المادة السادسة من الدستور والتي نصت: “لا فرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون، وإن اختلفوا في القومية والدين واللغة”، كما أولى الباب الأول منه، اهتماماً خاصاً بحقوق الشعب وعمل على حفظ حقوق الأقليات غير المسلمة بمختلف أطيافها، ولم يفرق بينهما وبين الأغلبية المسلمة من حيث المبدأ(46).
كانت الحكومة العثمانية تعتبر الديانة الإيزيدية (فرقة من الفرق الإسلامية الضالة)، وتطبق بحق أبناء الإيزيدية أحكام الشريعة الإسلامية، لذلك نظرت إليهم كنظرتها إلى المسلمين، وحاولت إجبارهم على تقديم الخدمة للدولة العثمانية حالهم حال المسلمين، لهذا كانت ترفض قبول البدل النقدي عن الخدمة في الجيش، وهو البدل الذي كانوا يجوزون أخذه من الأمم غير المسلمة الذين يسمونها أهل الذمة(47).
ولما تألفت الحكومة الملكية العراقية التي ورثت الحكم في العراق من العثمانيين، نهجت نهجاً آخر إزاء الأقليات غير المسلمة في العراق، فنصت المادة (13) من قانونها الأساسي على ما يلي: “الإسلام دين الدولة الرسمي، وحرية القيام بشعائره المألوفة في العراق على اختلاف مذاهبه محترمة لا تمس، وتضمن لجميع ساكني البلاد حرية الاعتقاد التامة، وحرية القيام بشعائر العبادة، وفقاً لعاداتهم، ما لم تكن مخلة بالأمن والنظام، وما لم تنافِ الآداب العامة”(48).
هذه المادة من الدستور العراقي تؤكد مسئولية الحكومة العراقية على ضرورة احترام بقية الأديان غير المسلمة في الدولة(49). كما أنها نفت عن الإيزيدية صفت الإسلام، لان طقوسهم الدينية لا تعدّ مخلة بأمن الدولة ونظامها، ولا منافية للآداب العامة(50).
ومن جانب آخر، سمحت الحكومة العراقية للأقليات الدينية حق ممارسة بعض الشئون الإدارية الدينية الخاصة بشئون الجماعة. ويتضح هذا من مواد الباب الخامس من القانون الأساسي المختص بالسلطة القضائية. حيث إن المادة (69) كانت قد قسّمت المحاكم القضائية إلى محاكم مدنية ومحاكم خصوصية. وإن المادة (75) قسمت المحاكم الدينية إلى محاكم شرعية ومجالس روحانية طائفية. وكانت مهام المجالس الروحانية بموجب المادة (79) من القانون الأساسي العراقي النظر في الأمور التالية:
1- النظر في الأمور المتعلقة بالنكاح والصداق والطلاق والتفرقة والنفقة والزوجية وتصديق الوصايات ما لم تكن مصدقة من كاتب عدل خلا الأمور الداخلة ضمن اختصاص المحاكم المدنية في ما يخص أفراد الأقليات الدينية عدا الأجانب منهم.
 2- في غير ذلك من مواد الأحوال الشخصية المتعلقة بأفراد الأقليات الدينية عند موافقة المقايضين(51).
ومن هذا المنطلق أوصت الإدارة في الموصل بإمكانية تكوين المجلس الروحاني للجماعة الدينية الإيزيدية ابتداءً من عام 1928، كما هو حال بقية الأديان، ولكن فيما يبدو إن الحكومة العراقية كانت تبغي وراء تشكيل هذا المجلس دوافع أخرى، خاصة إذا علمنا إن تلك الفترة كان يحتدم صراع بين عائلتين من بيت الإمارة الإيزيدية (عائلة حسين بك وعائلة سعيد بك) على مركز الإمارة والتي أضرت كثيراً بشئون الإيزيدية عامة في تلك الحقبة مما سبب خلق مشاكل ومتاعب للحكومة أيضا، فضلاً عن اشتداد الصراع بين العشائر الإيزيدية في شنكَال وبيت الإمارة عموماً(52).
قدّم عدد من الإيزيديين العديد من العرائض إلى المندوب السامي البريطاني في عام 1931، ثم رفعوا عرائض أخرى إلى مجلس عصبة الأمم مباشرة احتجوا فيها على صعوبة الظروف التي يمرون بها، وعدم ارتياحهم وقناعتهم من أميرهم سعيد بك، وخاصة تلاعبه بالعائدات التي يتم جمعها، وحياته الخاصة التي تشوبها بعض الشوائب. وبتوصية من لجنة الانتدابات عن طريق المندوب السامي، تم تشكيل لجنة من قبل الحكومة العراقية مؤلفة من عدد من المسئولين في الإدارة المحلية في لواء الموصل للنظر في أحوالهم حتى يتسنى لتلك اللجنة اقتراح سن قوانين تتلاءم مع طبيعة طقوسهم الدينية وعاداتهم الاجتماعية، وعلاقاتهم بشيوخهم. لكن الحكومة العراقية في نهاية الأمر أحجمت عن التدخل في القضايا الداخلية للايزيديين وخاصة فيما يتعلق بأمارة الإيزيدية، وحذرت الجميع بأنها لن تسمح باستغلال هذه المسألة والإخلال بالأمن(53).


المصادر والهوامش


(1)  ل.ن.كوتلوف، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ترجمة: عبد الواحد كرم، (بغداد: 1985)، ص128.
( 2 )  محمود شيخ سين حسو الريكاني، سنجار في العهد الملكي(1921-1958)، رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة الى مجلس كلية الاداب جامعة الموصل، 2007، ص ص34-37.
(3 )  ل.ن.كوتلوف، المصدر السابق، ص128.
( 4 ) عبد الرحمن البزاز، العراق من الاحتلال حتى الاستقلال، ط3، (بغداد:1967)، ص126.
(  5)  محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق، 2007، ص37.
( 5 )  ولد الكولونيل دبليو لجمن في ضواحي مدينة بترسفيلد البريطانية في السابع والعشرين من شهر تموز 1880م ومات مقتولاً برصاص ثورة العشرين العراقية يوم الثاني عشر من شهر آب سنة 1920م في خان النقطة الواقع بين بغداد والفلوجة. انظر: د. عبدالله بن إبراهيم العسكر،”رحلة الكولونيل لجمن إلى الجزيرة العربية”، جريدة الرياض اليومية ،الأربعاء 20 صفر 1429هـ -27 فبراير 2008م – العدد 14492.
(7  ) إبراهيم خليل احمد، ولاية الموصل دراسة في تطوراتها السياسية 1908-1922، رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة إلى مجلس كلية الآداب في جامعة بغداد- 1975، ص441.
(8)  عمار يوسف عبدالله عويد العكيدي، السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914-1945، أطروحة دكتوراه غير منشورة مقدمة الى مجلس كلية التربية في جامعة الموصل- 2002، ص235.
(9  ) ابراهيم خليل احمد، المصدر السابق، ص434.
(10)  انظر كتابه: الحياة بين الكرد..تاريخ الايزديين، ترجمة: عماد جميل مزوري، (أربيل:2005)، ص394.
(11 )  محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق، ص39.
(12) إبراهيم خليل احمد، المصدر السابق، ص455.
(13)  غانم محمد الحفو وعبدالفتاح علي البوتاني، الكورد والأحداث الوطنية في العراق خلال العهد الملكي 1921-1958، (أربيل:2005)، ص19.
(14) سعد بشير اسكندر، من التخطيط إلى التجزئة سياسة بريطانيا العظمى تجاه مستقبل كردستان 1915-1923، (السليمانية:2007)، ص295.
(15)  محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق، ص40.
(16)  المصدر نفسه، ص ص40-41.
(17)  المصدر نفسه، ص41.
(18)  اسماعيل جول بك، اليزيدية قديماً وحديثاً، (بيروت: 1934)،ص70.
(19)  عبد الفتاح علي البوتاني، دراسات ومباحث في التاريخ الكورد والعراق المعاصر، (أربيل: 2007)، ص187.
(20)  فاضل حسين، مشكلة الموصل، (بغداد:1977)، ص ص1-2.
(21)  فاضل حسين، المساومات الدولية حول ولاية الموصل (1916-1926)، بحث منشور في موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الخامس، (الموصل:1992)، ص51.
(22 )  عمار يوسف عبدالله عويد العكيدي، المصدر السابق، ص219.
(23)  جرجيس فتح الله، يقظة الكرد تاريخ سياسي 1900- 1925، (اربيل:2002)، ص325.
(24)  محمد حمدي الجعفري، بريطانيا والعراق حقبة من الصراع 1914- 1958، (بغداد:2000)، ص43. جرجيس فتح الله، المصدر السابق، ص448.
(25)  جرجيس فتح الله، المصدر السابق، ص ص360-361.
(26 )  المصدر نفسه، ص 362،ص380.
(27 )  المصدر نفسه، ص 366.
(28)  عمار يوسف عبدالله عويد العكيدي، المصدر السابق، ص219.
(29) عبدو خديده شنكَالي، “حمو شرو حمو ودوره السياسي”، مجلة كَولان العربي، العدد 50، (أربيل:تموز2000)، ص113.
(30)  عمار يوسف عبدالله عويد العكيدي،المصدر السابق، ص220.
(31)  المصدر نفسه، ص220.
(32)  للتفاصيل ينظر: شكري رشيد الخيرافايى،” شنكَال في الفترة مابين (1918-1939)”، مجلة لالش، العدد 17، (دهوك:كانون الثاني2002)، ص ص44-46.
(33)  عمار يوسف عبدالله عويد العكيدي، المصدر السابق، ص220.
(34) محمد صالح زيباري، “تقرير لجنة التحقيق الدولية حول ولاية الموصل 1925″، مجلة متين، العدد70، ( تشرين الثاني 1997)، ص137.
(35)  جرجيس فتح الله، المصدر السابق، ص673.
(36) محمد صالح زيباري، المصدر السابق، ص138.
(37) المصدر نفسه، ص138.
(38)  جرجيس فتح الله، المصدر السابق، ص677.
(39)  محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق، ص ص41-42.
(40)  جرجيس فتح الله، المصدر السابق، ص ص379-577.
(41)  محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق، ص 42.
(42)  للمزيد ينظر: جون س. كَيست، الحياة بين الكرد..تاريخ الايزديين، ترجمة: عماد جميل مزوري، (أربيل:2005)، المصدر السابق، ص ص391-396.
(43  )  محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق، ص 48.
(44  )  محمد مظفر الادهمي، المجلس التأسيسي العراقي دراسة تاريخية سياسية، (بغداد:1976)، ص ص642-645.
(45)  محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق، ص 48.
(46)  المصدر نفسه، ص42-43.
(47 )  عبد الرزاق الحسني، اليزيديون في حاضرهم وماضيهم، (بغداد:1984)، ص 129.
(48)  المصدر نفسه، ص 129.
(49)  كاظم حبيب، الإيزيدية ديانة قديمة تقاوم نوائب الزمن، (أربيل: 2003)، ص97.
(50)  عبد الرزاق الحسني، المصدر السابق، ص 129.
(51)  محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق، ص ص43.
(52) للمزيد ينظر: كاظم حبيب، المصدر السابق، ص ص99-102. محمود شيخ سين حسو الريكاني، المصدر السابق ، ص ص43-46.
(53) عامر سلطان قادر مصطفى الاسحاقي، العراق وعصبة الأمم 1920-1939 دراسة تاريخية – سياسية، رسالة ماجستير غير منشورة مقدمة إلى مجلس كلية التربية في جامعة الموصل- 2000، ص86.


* ملاحظة: نشرت الدراسة في مجلة لالش العدد (29)، تموز 2009.







أرسلت في 2009/08/21 بواسطة lalishduhok