الرئيسية » شؤون كوردستانية » <آمد> و <وستربلات>

<آمد> و <وستربلات>

” الشرقُ شرقٌ، والغربُ غربٌ، ولن يلتقيا ”
مقولة الشاعر الإنكليزي ” روديارد كبلنغ “، التي تتبادرُ إلى الذهن، حين يقارن المرء بين مجريات يوم 1 سبتمبر في أوروبا وتركيا، وتثبتُ ديمومةَ صلاحيتها في الفصلِ بين منحيين في التفكير مُتفارقين، أحدهما يواصل صعوده، والآخرُ يتمرَّغُ أكثر فأكثر في نكوصيته غير المتوائمة مع الراهن العالمي المَوَّار.
ولا يملكُ من تابعَ الصخب الكوردي الاحتفائي بيوم السلام في مدينة ” آمد ” ( ديار بكر )، والحمائم المطلقة، ومناشدات السلام المُطْلَقَة في جُغرافيةٍ تُجيدُ فقط إكرامَ وفادة العنف والقتل والعمليات العسكرية والتجهم ونحر الأمنيات والرغائب باسم اللاءات العظمى، حينَ يُقارنها بالمشهدِ أمامَ نصب ضحايا ” وستربلات ” في بولندا، سوى أن يسأل : متى يصبحُ لدينا حكومات سويِّة، وساسة أسوياء، وعسكر أسوياء بإمكانهم إطلاق الورد ؟.
” آمد ” و” وستربلات ” منطقتان تنتميان إلى خارطتين مختلفتين : ” وستربلات ” يجتمعُ فيها قادة أوروبا، للاعتذار عن ضغائن وأحقاد ماضيهم الدموي، مُراهنينَ على القواسم المشتركة الكثيرة في الفضاء الأوروبي الجامع والمُجرَّد من حقول الألغام وأسلاك الجليد الحدودية، و” آمد ” التي تضربُ بقبضتها على الجغرافية، لتؤكدَ أنَّ السلامَ مُمكنٌ، وأن الشعوب غفورة رحيمة، لو أضربَ الساسةُ الأتراك والعسكر عن اللاءات والأحاديات المتفسخة، واعتصموا بأغصان الزيتون.
” آمد ” و” وستربلات ” تنتميان إلى حقلين مفاهيميين مختلفين : ” آمد ” مدينة كوردية، ومخيال اجتماعي كوردي في الجمهورية التركية الماضيةِ بكاملِ عفونتها السياسية والمفاهيمية إلى الحضن الأوروبي الموَّحد، دونَ أن تفكر في رمي سياساتها الأحادية وقوانينها الأحادية في أقربِ حاويةٍ على قارعة الطريق، ودونَ أن تقطعَ حبل سرتها مع دستور وضعه العسكر فوت انقلابهم على حكومة شرعية منتخبة، فيما ” وستربلات ” تحولت منذ سنوات إلى علامةٍ فارقة في فضاءٍ دولي مُفارق، فمن بلدها بولندا انطلقتْ رياحُ التغيير التي كنست تالياً في أوروبا الشرقية المفاهيم الأحادية القاحلة، المفروضة عنوة من قبل الحزب الأحد والأجهزة الأمنية.
الهوَّاتُ بين الشرق والغرب لا تزالُ عميقة، ففي حين شهدَ نُصبُ ضحايا ” وستربلات ” – التي تقاطرت عليها القذائفُ الأولى في الحرب العالمية الثانية، معلنةً ابتدائها – توافدَ زعامات أوروبية من النخب الأول، في فعلٍ رمزي وتأكيدي على تحويل كل بقعة ممهورة بالدم إلى عشِّ محبة وسلام، ومنصة إطلاق للمصالحة مع الماضي، والاعتذار المتبادل لفتح صفحات جديدة بيضاء، خلت الساحةُ مكانُ الاحتفال في ” آمد ” الكوردية من كل وجه رسمي وحضور رسمي، وحدهم الكوردُ كانوا هناك يُرَّبونَ الأمل، وهم الذين ينتظرونَ على أُهبة الفجر منذ قتل آخر، ومدفعية أخرى، ورصاص آخر، وأقبية أخرى، وإقصاء آخر، وتهميش بالغ آخر، كانوا يفعلونَ ما يفعله ” الصاعدونَ إلى الله ” في نص المبدع الراحل محمود درويش ” حالة حصار “: كانوا يحاولونَ نسيانَ الألم.
” آمد ” في يوم السلام كانت شجرةَ فرحٍ رغم كل شيء، وكان يمكنُ للحكومة التركية لو أرادت التخلي عن تشبثها بغصن الرفض وإنكار الآخر، أن تحتسي السلام في ساحة المحطة بـ ” آمد “، وتصاب بحُمَّى الفرح، ولكن يبدو أن السلام، وإلى إشعار آخر، مجرَّد كلمةٍ ممنوعة من الصرف لدى الحكومة، فرئيس الوزراء أردوغان، ورئيس الأركان باشبوغ، لا ينويان الدخول في السِّلم، ولا يَهِنان، ولا يدعوان إلى السلم، ولا يريدان للحرب أن تضع أوزارها، والرد التركي الرسمي المباشر الوحيد على احتفالية آمد الكوردية السلمية، كانت حملةُ التحقيقات التي أطلقها المدعي العام في المدينة، والتي طالتْ بالتدقيقِ والتمحيصِ والفحصِ، الكلماتَ والهتافاتَ واليافطاتَ والشعارات والأناشيد والأغاني، لإعداد مذكرة دعوى قضائية أخرى، ضدَّ القيادات الكوردية المشاركة في الاحتفالية، فهل من احتفالٍ بالسلام مُحاصراً كما هو الحالُ في تركيا، وهلْ بدأت بولندا بفتح تحقيق قضائي في احتفالية السلام التي جرت في ” وستربلات ” ؟.
كنتُ أتوقعُ أن يكون احتفال الكورد بيوم السلام في ” آمد ” أكثر تنظيماً وإدارة، برغم أن عملية التحضير لها تجري منذ أكثر من شهر، ولكن كانت هنالك ثغرات تنظيمية عديدة، وارتباكات، وتمَّ إطلاقُ الحمائم من قبل برلمانيي وقيادات حزب المجتمع الديمقراطي على عجلٍ وفي أوقات متباينة، أفيعود ذلك إلى ضعفٍ تنظيمي من نوع ما لدى اللجنة التحضيرية للاحتفالية، أمْ يعودُ ذلكَ إلى الملل الذي طال الكورد، وهم يُلدغونَ من الفرح وأجواء الانفتاح ووعود السلام المرَّة تلو الأخرى ؟.
تفاصيلُ ودقائقُ المشهد ليست مهمة، ما يهمُّ حقاً هو أن تشهد ” آمد ” الغدِّ، تماماً كـ ” وستربلات ” البولندية، تقاطرَ أركان الحكومة ومسؤولي الدول الأخرى عليها من كل فَجٍّ عميق، للاحتفال بالسلام وإبراز الندم الرسمي على ما شهدته المدينة ومحيطها الجغرافي الكوردي، من مآس وموت ودمار وهدم وتهجير وترحيل قسري، وذلك أضعف الأيمان المطلوب من الحكومة التركية والحكومات الأوروبية، الذين وقَّعوا في لوزان السويسرية، قبل عقودٍ خلتْ اتفاقيةً، لتجريد الكورد من الفرحِ والأملِ والأوكسجين.