الرئيسية » التاريخ » وقائع معركة بياندور 2-4

وقائع معركة بياندور 2-4

نقدم لكم تكملة الوثيقة الفرنسية الخاصة بوقائع معركة بياندو الجزء الرابع, وهي تقرير الليوتنان موريل .

( هجوم الشيتية على قلعة بياندور )

خلال المعركة كانت الواجهة الشرقية والغربية والشمالية كلها تحت نيران العدو الذي لم يقترب بعد . ولم أرد على ذلك إلا بشكل متقطع وكل مرة بنيران غزيرة ومرتين فتحت النار بشكل عام وبإستعمال الرشاشات (المتريوز) والبندقية الرشاشة ( ف – م ) والمدفعية ( ف – ب ) وأيضاً الصواريخ وذلك لتخويف العدو وأيضاً خداعه بإظهار قوتنا .

لم يتجرؤا على هدم أوكسر باب الإسطبل صالة ( السراي )حيث كنت أحميه بنيران البنادق الرشاشة ( ف- م ) والذي كان يتواجد أمامه عدة جثامين منهم , فانتظروا حتى وقع الباب تحت النيران, فعند ذلك دخلوا بكل هدوء وشجاعة رغم نيران البندقية الرشاشة و15 بندقية أخرى , وأخذوا الخيول الثمانية التي أخذناها كضريبة على سليمان عباس آغا , وأخذوا خيلي وأيضاً خيول كلٍ من الليتونان روبيرتو وكارير .

المعركة دامت بهذا الشكل كل الليل وأحياناً كانت حامية جداً .

ثم جاء ضوء الصباح ليغطي سواد هذا الليل الحزين, لينتقل الأمل بيوم هادئ, لندفن قتلانا ونعتني بجرحانا, ولتقويتنا من أجل الليلة القادمة أيضاً , وأيضاً تمنياتي برؤية شيخ الطئ الذي أرسلت ورائه وذلك لينقل إلى أصدقائي الذي كنت أتصورهم يغادرون الدمر قابو بإتجاه بياندور .

ولكن في ذلك الوقت كانوا مايزالون على ضفاف الدجلة ولم يأتي إليَّ الشيخ نايف والحصار حولنا دام طوال النهار .

شروق الشمس أمحا هذا الليل الحزين ولكن أتى إلينا بنهارٍ أكثر حزناً .

29 تموز في الساعة الخامسة صباحاً هكذا كان الوضع :

بالشمال وعلى بعد 2 كم 200م التل بقرية التل الشعير كان محتلاً وبكثافة كما يبدوا لنا من هذه النقطة .

رتل طويل من الرجال حوالي مئة يتجهون نحو القرية يحملون القتلى والجرحى ( يظهر ذلك من سيرهم ببطء ) فضربت عدة مجموعات منهم بالرشاش متريوز .

وبالشمال أيضاً الشيتية متمركزين وراء مرتفع خط الحديد, ومجموعة منها حمت البير الذي بين التل وخط الحديد بنيرانها .

بالغرب لايتواجد أية مجموعة بالقرب ولكن على بعد 2 كم هناك حركة كبيرة بقرية بويرة .

بالشرق كانوا هناك عدة قناصة يختبون في الحفر, وأيضاً تواجد مجموعات عديدة في قرية حلوة .

بالجنوب قرية بياندور محتلة بكثافة أيضاً وفيها حوالي 100 من الشيتية يأكلون ويشربون القهوة تحت حماية القناصة المختبئين على أسطح المنازل ووراء الستائر أو القصبات وأكوام القش وذلك أصعب علينا كل النهار لمراقبة الواجهة الجنوبية وأيضاً حماية جنوب القلعة الصغيرة .

وبجنوب بياندور وعلى بعد 2 كم ونصف تقريباً على تل السوار ( قرية صديقة) رأيت خمسون شخصاً وهم فقط مشاهدون ليس إلا , وحاولوا التحرك أمام الشيتية وخمسة خيالة منهم أتجهوا نحو بياندور فاستقبلوا بعدة طلقات فتراجعوا .

بالشرق مجموعة من 15 خيالة إقتربوا بسرعة وعلى بعد 2 كم رجعوا إلى الوراء تحت نيران بنادق الكردية وكانوا حسب توقعاتنا هم من رجال الشيخ نايف الذي أشرت له بالصواريخ نارية (فتاشات ) ولكن بدون جدوى .

وفي كل الإتجاهات يتواجد ويدور مجموعات من الخيالة الكرد والترك والشمر والطئ ولا أميز بينهم (لا أستطيع أن أتعرض لهم ) ( لا يميز الصديق من العدو . المترجم )

حوالي الساعة التاسعة , مجموعة من عشرون خيالاً شكلوا رتلين على خيولٍ رائعة بجنوب حلوة متجهين إلى قرية السوار بالسرعة الخفيفة, فتلقوا نيران البنادق من هذه القرية ويبدوا أنهم مترددون ومن ثم تقدموا ولكنهم بعد أن ترجلوا وساروا مشياً , ثم إختبؤا تحت الحفر ووراء المرتفعات , وبالقرب من القرية بحوالي عدة مئات من الأمتار بشمالها, يظهر أن القرية لا تستطيع أن تدافع عن نفسها , المهاجمون فتحوا النيران عليهم, فتصورتهم أنهم قد يكونوا رجال شمر المشعل , وبعد لحظات من مراقبتهم للمركز, ركبوا خيولهم وإتجهوا نحو بويرة ومن ثم فجأتاً وبحركة مرعبة وسرعة كبيرة توجهوا نحو جمالنا التي كانت ترعى بحرية نحو 300 – 400 من التل , لأنني لم أكن أعرف ماكان يحدث فمنعت إطلاق النار عليهم, بهذا الوقت كان يأتي من الخزنة وبسرعة كبيرة عدة مجموعات من الخيالة ( تصورتهم أنهم من المسنين من الشمر) .

المجموعة الأولى المحتمل أنهم كانوا من الأتراك النظاميين وذلك لحركتهم النظامية المدروسة .

ضربتهم بالرشاش متريوز خلال إنسحابهم بإتجاه الأراضي التركية ومعهم حوالي 15 جملاً ( أي أخذوا الجمال وتركوا أرض المعركة – المترجم )

المجموعة الثانية كانوا بالتأكيد من الشمر جائول وأخذوا 6 – 7 جمال بعد أن إقتربوا من التل ومن ثم ذهبوا بإتجاه قرية خزنة , ولكنني لم أفتح عليهم النار, وذلك لأنني كنت أعلق عليهم بعض الأمل , ولكن بعد هذه الغزوة لم أراهم بعد ذلك قط .

خلال هذا الوقت, المعركة كانت تدور مع المتواجدين في القرية( الشيتية –المترجم ) حوالي 50 شخصاً جاؤوا من حلوة وبويرة لتقويتهم وكان من بينهم عدة نساء .

وبشكل مفاجئ إرتفعت أصواتهم وأغانيهم, والمهاجمون كانوا يحاولون الهجوم ولكن نيران الحامية أدت إلى هدوئهم, وفي هذا الوقت خرجت مجموعة من 8 – 10 رجال وبينهم رجل طويل القامة نحيف لابساً عباية خاكي صفراء ومن المحتمل أن يكون مختار قرية حلوة ( يقصد علي العيسى – المترجم ) إقترب حوالي 15 إلى 20 م من القلعة من وراء الحائط صاح بحديث, فتوقفنا عن إطلاق النار وإستمعنا .

لم أفهم ماذا قال , ولكن الواجهة الجنوبية للقلعة ردت بنيران غزيرة , بعد لحظات قيل لي أنه أعطى وعد الأمان على حياتهم عند تسليمهم للضابط , بعد هذا الرفض , بدأت الزلاغيط والتهديد بالموت ضد الجمَّالة, وشيئاً فشيئاً كان الشمس يصعد في السماء, ويأست على عدم إستطاعتي مساعدتهم .

الإمدادات كانت تأتيهم شيئاً فشيئاً لتحل محل المحاصرين الذين كانوا يمنعوننا من الذهاب إلى البئر, وكانوا يبدلون اشحاصهم ثلاث مرات بعدد من البنادق بين 20 و50 بندقية .

الحرارة بدأت خانقة بشكل سريع في هذا المكان بين أربعة جدران منخفضة ومتقاربة و الرجال كانوا مجبرين إما على الوقوف أو متسطحين أو راكعين , وبدأت بتوزيع الماء , أصبح الماء في قنينة ربع ليتر لكل شخص في الساعة .

المعركة دارت بشكل رئيسي بعد الظهر تقريباُ بواسطة الرشاش ميتريوز التي غيرت المكان عدة مرات والتي إستعملت بشكل عظيم ودون توقف من قبل الرقيب لياندري التي أصيبت بعدة شظايا ( يقصد الرشاش – المترجم ) , وفقدت قاعدتها ( المثلث لإرتفاع الرشاش) وفقد الرقيب من بين رجاله : 1 قتيل و4 جرحى بشظايا من النحاس أتت من البندقية الرشاشة / م- ف / التي لم تتوقف واستعملت بشكل بطولي , فتحت النار بكل الأوقات وبكل الإتجاهات حسب الأوامر المعطية , وب 3 أو 4 قناصة على كل إتجاه وخاصة بالجنوب حيث كانت المعركة تدور من 60 م , كانوا بقلب قوي وعيون حادة النظر ولكن للأسف إثنين منهم قتلا بطلقات في الرأس وآخرين جرحوا أو إحترقوا في راسهم وذلك من لمسات الرصاص .

حوالي الساعة 14 لاحظت إن المياه المخزونة لن تكفينا حتى المساء , قواتي حتى حين ذاك 100 شخص ومنهم 3 نساء , فقررت الخروج للتزود بالماء من البئر, محمياً بنار الرشاشة ميتريوز والبندقية الرشاشة ف- م التي كانت تضرب على الإرتفاعات خط الحديد .

4 مدنيين نزلوا بسرعة المنحدر الشمالي , مرافقاً بمجموعة من : 1 عريف و6 جمّالة وبعد نصف ساعة من الإقتتال والجهد رجعوا مع 20 ليتراً من الماء و4 جرحى . رجال الحامية القلعة العطشى أخذوا يتقاتلون على صفائح الماء فأستعملت مسدسي الشخصي لإعادة النظام , من ذلك الوقت عرفت ضرورة الخروج من هذا الوضع والمكان ومحاولة خرق الحصار . وعملت من تلك اللحظة على تحضير كميات قليلة من الماء لنتحمل حتى المساء , ووضعت بجانب الجرحى عدة صفائح من الماء .

خلال ذلك كانت المعركة تدور وفي الساعة السادسة مساءاً بدأ الهجوم من الأهالي القرية وكانوا حوالي 200 شخص تقريباُ وقذفونا بكل شئ تقريباُ وحوالي 15 منهم حاولوا الهجوم والدخول علينا من الجهة الغربية , محميأً وراء حائط المركز حتى حوالي 10 أمتار من الرشاش , إرتفع الصخب مصطحباُ بزغاريد النساء وهم ينصحون الجمَّالة ليقرؤا شهادتهم الأخيرة قبل الموت .

في البعيد الخيالة كانوا يخرجون من القرى , والمرابطين خلف خط سكة الحديد كانوا واقفين وهم يرددون الأغاني والتشجيع المتادل للتقدم نحونا , وعندها أعطيت أوامري بإطلاق نيران كثيفة, والقلعة أيضاً أطلقت ضرباتها الأخيرة للمدفعية قاذفة القنابل ( ب- ف)

المتريوز والبنادق الرشاشة ( م – ب ) و60 بندقية , كل ذلك أطلقوا بدون توقف خلال 5 دقائق . الخيالة تراجعوا وكل شئ عاد إلى الهدوء بطرف العدو .

المحاصرون في القلعة أنشدوا غناءاً بشكل صارخ , ليعلنوا للعدو على إرادتهم بالصمود, ثم طلبت الراحة خلال نصف ساعة, عدت طلقات قطعت هذا الصمت , وذلك ليدلي إلى العدو بإننا سنرتاح وسنأكل, والمهاجمون عملوا نفس الشئ .

بهذا الوقت أتلفت الأرشيف الذي كان الليتونان روكار ( ضابط الإسخبارات في المركز وقاتل عباس أغا – المترجم ) والذي كان يتوقع الهجوم على المركز , فأتى بها إلى القلعة قبل مغادرته . ( ملاحظة : درجت العادة في فرنسا أن تحتفظ لكل ضابط غير حي بمذكراته وتقاريره تحت إسمه , إلا أنني وخلال بحثي في الأرشيف الفرنسي تبين أن عدد قليل من ضباطهم لا أثر لمذكراتهم أو تقاريرهم, وكان الليتونان روكار من ضمن أولئك الضباط , وهنا الليتونان موريل الضابط المحاصر يفسر سبب ذلك – المترجم )

خلال هذا الوقت كان هناك عدد من الرجال كادوا يموتون من العطش, فإنكبوا على صفائح الماء الثمانية التي كانت إحتياطنا الأخير من الماء , ولم أعثر إلا على ثلاثة صفائح فوزعتها كالتالي : 1 للضباط , 1 للرقيب جيون , و1 للرقيب محمد أمين ( جزائري )

وهكذا كل شئ كان جاهزاً , أعطيت أوامري الأخيرة للإخلاء , وإتجاه المشي هو غرب بويرة , غرب خزنة , نقطة الوصول إليها هي تل الناصور , مكان تمركز خيم مشعل باشا على بعد 7 – 8 كم من المركز .

(يتبع )