الرئيسية » مقالات » اين الحكمة في وضع الأكراد في دائرة الأعداء وهم اصدقاء لشعبنا ؟

اين الحكمة في وضع الأكراد في دائرة الأعداء وهم اصدقاء لشعبنا ؟

إن ما ينشر على بعض المواقع ، وبعض ما يصلني عبر التعليقات او الرسائل الألكترونية ، فيها العتب الكبير، بل فيها كيل التهم ، لما اقترفه من اثم او عمالة ، حينما امد يد الصداقة والأخوة مع الشعب الكوردي ، وسرعان ما يسرد لي احدهم شئ من التاريخ او عما سمعه ، ليذكّرني بالماضي الأليم ووطأة احداثه في مجمل العلاقة بين قسم من شعبنا وبين الأكراد فيما مضى .
إذا اردنا بشئ من التفصيل بالتمييز بين مكونات شعبنا بشأن علاقاتهم مع الأكراد ، فسنلاحظ عدم وجود تبعات تاريخية او محطات تعمل على تعكير تلك العلاقة بين شعبنا الكلداني والأكراد ، فسهل نينوى بمجمل قراه وبلداته الكلدانيــــــة كانت تربطهم علاقات تجارية واجتماعية مع الأكراد ، ولعل القوش هي خير مثال لهذه العلاقة ، وإن كانت تحدث مسائل او مشاكل فردية فلم يكن لها تأثير على مجرى العلاقات العامة الطيبة التي كانت تتسم بحسن الجوار وتبادل المصالح ، ولقد تعززت تلك العلاقات بعد الثورة الكوردية التي انطلقت في ايلول عام 1961 تحت قيادة القائــد الكوردي المعاصر ملا مصطفى البارزاني .
في الوقت الحاضر يشعر الكلدانيون بنوع من الأسف لعدم إنصاف شعبنا الكلداني بما يستحقه في وضع اسم قوميته الكلدانية في دستور كردستان ، وإن الشعب الكلداني سيعمل بالطرق الأصولية والقانونية لاسترجاع هذا الحق وكما هو مذكور في دستور الدولة العراقية الأتحادية .
شريحة اخرى من شعبنا وهم الآشوريون ( او بالأحرى قسم من هذه الشريحة ) لهم رأي آخر ، فهم يعودون الى التاريخ لاذكاء عقدة تاريخية ، جرت احداثها في حقبة من الزمن الماضي ، وللوقوف على مجرياتها بشكل صحيح بعيداً عن العاطفة لا بد من العودة الى جذورها الجيوسياسية التي كانت سائدة عبر حوالي قرنين من الزمن .
بالعودة الى اصل هذه القبائل هنالك نظريات كثيرة تبحث عن اصل المسيحيين النساطرة في جبال حكاري وتسميتهم في مطاوي الحرب العالمية الأولى بالآثوريين من من قبل رئيس بعثة اساقفة كنتربري عام 1886م .
الدراسة التي اطلقها الباحث الدكتور غرانت في اصل النساطرة حيث عاش بينهم حوالي ست سنوات وكان على اتصال بمار شمعون الذي كان مقره في قوجانوس التابعة لقضاء جولامرك ، وقد اعتبر هذا الباحث ان اصل هذا القوم هم من اليهود من الأسباط العشرة التي اعتبرت في حكم الأسباط المفقودة والتي اسرها الأشوريون ، اي ان وجود هذا القوم في تلك الأراضي يعود الى عصور ما قبل الميلاد ، والأثوريون لا يقبلون بتفسير الدكتور كرانت ، وهنالك من يقول انهم من المسيحيين الكلدان الذين هاجروا الى تلك الأصقاع كنتيجة للغزو المغولي في اواخر القرن الرابع عشر . المهم في مقالنا هذا انهم كانوا متوطنين في تلك المناطق منذ ازمان قديمة .
وما نريد استخلاصه ان هذا القوم ظلوا يعيشون مع جيرانهم من الأكراد عبر قرون طويلة من الزمن ، ولم يكن ثمة مشاكل جدية تذكر طيلة تلك القرون . برأيي المتواضع ان تلك المشاكل بدأت مع تناكف البعثات التبشيرية والعمل على استمالتهم لهذه الكنيسة او تلك هذا اولاً ، وثانياً كان استغلالهم بدواعي دينية من اجل اهداف سياسية وعسكرية من قبل القوى الكبرى الفاعلة على ساحة الدولة العثمانية والتي وصفت بالرجل المريض .
كان هذا القوم قبل البعثات التبشيرية راضياً بواقعه منظماً لعلاقاته مع جيرانه الأكراد ومع الدولة العثمانية وفق قوانين الدولة السائدة مع الأقليات ، لكن البعثات التبشيرية نظرت الى القوم بمنظار آخر حيث يقول ويكرام في مهد البشرية :
وقد وجدت البعثة ان الشعب جاهل جهلاً مطبقاً وحتى الأساقفة لا يحسنون القراءة والكتابة ، فهم أعرف بأقسام البندقية من معرفتهم بفلسفة الدين …
هكذا اصبح هذا القوم في مطاوي الحرب العالمية الأولى من ضحايا الحرب ومن الأوراق التي كان كل جانب يحاول استخدامها ويلعب بها وفق مصالحه ، المهم كباقي الحروب يكون لها نتائج محفوفة بالمآسي الأنسانية ، وكان نصيب هذا القوم تهجيرهم من اراضيهم ، وبعد نهاية الحرب فشلت الجهود الرامية الى إعادتهم الى مناطقهم التاريخية ، وقسماً منهم يلقون باللائمة على الأكراد فيما حصل لهم .
أقول :
إن الحروب هي محطات المآسي في تاريخ البشرية وينبغي علينا ان لا نعيش في الماضي ونترك الحاضر والمستقبل ، فالأنسان ليس ابن ماضيه ، اما حاضره فهو لحظة طارئة ، ولهذا ينبغي النظر الى المستقبل والى الأمام ، من هذا المنطلق نرى الدول الأوروبية التي خاضت اشرس الحروب فيما بينها نشاهدها اليوم قد شكلت الأتحاد الأوروبي المبني على التفاهم من اوسع ابوابه .
وفي هذا السياق ايضاً طالعتنا وكالات الأنباء في الأيام القليلة الماضية بقرار تركيا وأرمينيا بوضع حد لخلافاتهما المستمرة منذ قرن من الزمن واتفقتا ، وسط ترحيب دولي ، على تبادل العلاقات الدبوماسية وفتح الحدود بينهما ، وأعلن ذلك عبر بيان مشترك من قبل وزراة الخارجية لكل من تركيا وأرمينيا لوضع حد لحقبة تاريخية مليئة بالمآسي كما هو معروف عن إبادة الأرمن في عهد الدولة العثمانية .
بقي ان نقول :
ان اقليم كورستان يعتبر اليوم من مناطق التعايش المشترك المثالي للمكونات العراقية ، وينعم هذا الأقليم بمظاهر ونعم الأمن والأستقرار ، كما ان الوجه العلماني للحكم في الأقليم ، وما افرزته النتائج الأنتخابية الأخيرة لبرلمان اقليم كوردستان حيث ساد الطابع التنافس السياسي البحت بعيداً عن الأصطفافات الدينية والعرقية والطائفية .
ونأتي الى المهم حيث كان التعامل مع المسيحيين بشكل عام إن كانوا من الآشوريين او الكلدان او السريان او الأرمن بمنطلق انساني وبمعايير ديمقراطية لا لبس فيها ، وحتى التعامل المجتمعي في اقليم كوردستان يبدو اكثر تسامحاً وانفتاحاً على الآخر إن كان من دين آخر أو من قومية أخرى .
هذا هو الواقع ، وفي الحقيقة ان التعامل مع شعبنا إن كان من قبل الحكومة او من قبل الشعب كان يسير في هذا السياق لا سيما وقد تعرض شعبنا في مدن العراق للعمليات الأرهابية والى الخطف والتهجير ، وقدم الى اقليم كوردستان ليعيش كمواطن من الدرجة الأولى ، ولا اقول اكثر من ذلك .
إن الشعب الكوردي شعب صديق ونحن من مصلحة شعبنا توطيد اواصر الصداقة هذه فأتساءل لمصلحة من تثار حملات التشكيك بهذا الشعب وهذه الحكومة ؟
إن شعبنا يحتاج الى تجسير اواصر الصداقة والمحبة مع كل مكونات الشعب العراقي وفي مقدمتهم يأتي الشعب الكوردي ، وليس من الحكمة ان نعيش في العقلية الماضوية الى ما لا نهاية وننسى المستقبل .
إن الحكمة والعقلانية كما قلت تقتضي تمتين الروابط الأجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية وتمتين اواصر العلاقات الأخوية مع كل مكونات الشعب العراقي وفي مقدمتهم الشعب الكوردي الصديق الحميم لشعبنا من الكلدان والسريان والأشوريين والأرمن .

حبيب تومي / اوسلو في 5 / 9 /2009