الرئيسية » مقالات » الى اوباما الرئيس

الى اوباما الرئيس

توالت الاخبار منذ ان تسلّم الرئيس الامريكي باراك اوباما مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الامريكية خلفاً للرئيس السابق جورج دبليو بوش وحتى هذه اللحظة، من ان هناك مؤسسات وقوى وشخصيات نافذة في مراكز صنع القرار الامريكي تطالب بوقف كافة انواع الدعم والاسناد لدولة العراق خصوصاً الدعم المادي على اعتبار ان العراق بلد غني بموارده وامكاناته ويستطيع ان يفي بالتزاماته ولو على المستقبل البعيد.

من بين الصيحات المستمرة التي لا تأتي فقط من الاعضاء الديمقراطيين داخل الكونغرس بل حتى من بعض الاصوات الجمهورية، تلك التي تنادي بوقف نشاطات المنظمات الامريكية العاملة على الاراضي العراقية وتحديداً المعنية بدعم البنية التحتية ومنظمات المجتمع المدني العراقي من خلال برامجها ومشاريعها التمويلية.

ومن بين هذه المنظمات والمؤسسات فريق اعمار المحافظات الامريكي التابع للسفارة الامريكية (Provincial Reconstruction Team) او ما يُرمز له (PRT) حيث لهذا الفريق في كل محافظة مكتب خاص يعمل بالتنسيق مع حكومتها المحلية ودوائرها التنفيذية في دعم مشاريع وخطط الاعمار داخل حدود المحافظة نفسها .. فمثلاً فريق اعمار بغداد الامريكي (Baghdad PRT) يعمل بالتنسيق والتعاون مع مجلس محافظة بغداد ودائرة المحافظة وامانة بغداد بالاضافة الى المجالس والدوائر البلدية العاملة في بغداد في مجال دعم واسناد مشاريع الاعمار والبنية التحتية البغدادية.

وتخصّص الحكومة الامريكية سنوياً مبالغ مادية للفرق الثمانية عشر العاملة في كافة المحافظات العراقية من اجل القيام بمهامها والتي من بينها دعم وتمويل نشاطات منظمات المجتمع المدني الفتية في مجالات عدة اهمها المنظمات التي تُعنى بالدفاع عن حقوق الصحفيين والمنظمات النسوية ومؤسسات قانونية وانسانية اخرى.

ونظرة بسيطة الى ما قام به فريق اعمار بغداد الامريكي لمواطني بغداد سنجد من الظلم والاجحاف ان يُقلّص عدد كادر هذا الفريق وتنحسر ميزانيته بصورة ملحوظة عن السنين السابقة بدعوى رجوع السيادة الى العراقيين بعد توقيع الاتفاقية الامريكية العراقية وبضغط من الاصوات العالية المُطالبة بفك الارتباط الامريكي العراقي في قضايا التمويل والدعم المؤسساتي، والتي تنطلق من وجهة نظر امريكية بان العراق بلد غني ولا داعي الاستمرار في دعمه الى ما لانهاية، وهي وجهة نظر وطنية امريكية محترمة على اية حال سوى ان التوقيت ليس صحيحاً.

اذ ان العراق ليس غنياً بالفعل بل غنياً ربما بالقوة، وطالما لم يستعد عافيته في مجال اعادة اعمار بناه التحتية او مؤسساته ومصانعه المنتجة، فلا يعني هذا الغنى شيئاً .. وان كان ثمّة موارد يحتويها هذا البلد فهو ليس باحسن حالاته لاستخراجها والاستفادة منها في دعم مسيرة الدولة وتقوية مؤسساتها التنموية ولازال هناك وقت طويل ليعود العراق من جديد بلداً مُنتجاً غنياً غير محتاج لبلد آخر.

وحتى ذلك الوقت فان العراق محتاج لدعم الاصدقاء ولاشك ان حكومة الولايات المتحدة الامريكية وعلى رأسها الرئيس اوباما تتحمل المسؤولية الاخلاقية في هذا الصدد وليس غيرها مَن يدعم العراق على الاقل في هذه الفترة المهمة التي يمر بها البلد بمؤسساته ومنظماته.

سأوجز فقط ما قام به فريق اعمار بغداد الامريكي من نشاطات داخل حدود العاصمة وسأترك قرار حل الفريق او تقليصه وانهاء مهامه الى الرئيس اوباما نفسه ومؤسسات الحكومة الامريكية بضمنها الكونغرس الامريكي .. مَن يدري ربما لم تنقل نشاطات الفريق بصورة واضحة للرئيس الامريكي بجانب عمل العشرات من المؤسسات الامريكية الاخرى التي تعمل في العراق كالوكالة الامريكية للتنمية الدولية (USAID) ووكالة الاغاثة والتمنية (IRD) ومعهد مثلث الابحاث (RTI) وغيرها العديد.

في مجال العمل الصحافي ودعم المؤسسات العراقية المهتمة بالدفاع عن حقوق وحريات الصحفيين في العراق، قام فريق الاعمار بتمويل ودعم دورات تدريبية كثيرة بالتنسيق مع منظمات عراقية مرموقة في هذا الصدد، وبلغ عدد المتدربين اكثر من 250 صحفي وصحفية على نحو تقريبي خلال فقط عام 2008، بجانب تزويد تلك المنظمات بالمستلزمات والاجهزة المطلوبة لانجاح عملها الرقابي كواحدة من منظمات المجتمع المدني العراقي.

عمل الفريق ايضاً بالتنسيق مع كليات القانون الثلاثة لجامعات بغداد على تنقيح المناهج الدراسية وانشاء مختبرات كمبيوتر ومعدات ضرورية لعملية التدريس، وليس هذا فحسب بل دعم بشكل مباشر العديد من الجامعات والكليات الاخرى في انشاء وتطوير القاعات والمختبرات والمناهج الدراسية الحديثة لاجل الارتقاء بالمستوى العلمي للطالب العراقي ومساعدته في مواكبة احدث الجامعات العالمية.

اما في مجال المرأة فقد كان الفريق سباقاً في دعم انشطة المرأة العراقية وفعالياتها من خلال المنظمات النسوية وقد دعم العديد وموّل الكثير من ورشات التدريب لتعليم الخياطة وتقنية الحاسوب، اضافة الى تقديم الاستشارات القانونية للمرأة وتقوية دورها لاخذ مكانتها الطبيعية في العملية السياسية العراقية ودفع عجلة نمو الاقتصاد في البلد.

الفريق كانت له بصمات واضحة في دعم الرياضة العراقية والحركة الشبابية حيث جهّز اكثر من الف شاباً من شباب بغداد بين اعمار 7 الى 18 سنة بتجهيزات رياضية من كرات قدم واحذية رياضية وواقيات ساق وبدلات موحدة بالتنسيق والتعاون مع نادي الكرخ الرياضي ولجنة الرياضة والشباب في مجلس محافظة بغداد، ناهيك عن مساهمته في تدريب اكثر من 130 رجل اطفاء كثمرة شراكة مع مديرية الدفاع المدني في بغداد، وقد ركّزت هذه الدورات على فنون ادارة وتحرّي الحريق والسلامة ونظام ادارة الحوادث حسب احدث التقنيات العالمية، وهو مستمر في توفير الكوادر الاستشارية لتلك الدورات التي تشمل اساسيات مكافحة الحريق وتدريب العناصر التقنية الطبية للطوارئ.

وفي مجال البيزينيس والتجارة فقد نظم الفريق بالتنسيق مع غرفة التجارة والصناعة العراقية الامريكية معرضاً تجارياً ضمّ اكثر من 260 ممثل شركة وحضره اكثر من 9000 شخصاً من اجل توسيع المشاريع الصناعية والتجارية التي من شأنها ان تعزّز استقراراً ونمواً اقتصادياً طويل الامد في البلاد.
اما في القضية الانتخابية فلاشك ان حضور الفريق كان هو الابرز على صعيد دعم المفوضية العليا المستقلة للانتخابات من خلال طبع بوسترات ومنشورات ودعم برامج راديو واعلانات تثقيفية وتوعوية للمواطن العراقي بخصوص العملية الانتخابية وكيفية اجرائها وانجاحها مهنياً واعلامياً.

ليس هذا فحسب، بل كان للفريق حضور فني رائد في دعم العملية الثقافية في العراق سيما المسرح العراقي، فقد دعم وانتج مسرحيتين عراقيتين شهيرتين قام بادوار التمثيل فيها ممثلون كبار جلّهم من مسلسل بيت الطين العراقي الشهير، وقد عُرضت المسرحيتين اللتين ركزتا على مواضيع الشفافية ومحاربة الفساد المالي والاداري في المؤسسات العراقية، على ساحات متنزه الزوراء وفي الهواء الطلق، وحضرها اكثر من 5000 متفرجاً في وقتها وطُبعت على اقراص مدمجة متوفرة في الاسواق حالياً.

اما العمل الاهم والهدف الحقيقي لوجود فريق اعمار بغداد الامريكي هو كما قلنا العمل جنباً الى جنب محافظة بغداد وامانتها ومجلسها في تمويل ودعم المشاريع والخطط التنموية المحلية في العاصمة من خلال العديد من مذكرات التفاهم التي وُقعت بين اطراف الحكومة المحلية البغدادية وممثلي الفريق ومنها على سبيل المثال لا الحصر، اتفاقية التوأمة التي لعب فيها الفريق دور الوسيط بين مدينة سيدار بلافيس في ولاية ايوا الامريكية ومنطقة الكرادة في بغداد.

ومن بين اهم المشاريع التي عمل عليها الفريق ايضاً هو تمويل تدريب وبرمجة نظام المعلومات الجغرافي في امانة بغداد والذي يركز على تقنية التصوير بالاقمار الصناعية في عملية التخطيط لاي مشروع خدمي داخل العاصمة بغداد، مثل مد انابيب مياه او مجاري الصرف الصحي مثلاً، حيث تؤخذ صورة المشروع المُراد تطبيقه على الارض وتنقل للاقمار الصناعية لبيان كل تفاصيلها واجزائها، ومن ثم تتم عملية ادخال المعلومات عن قطر الانبوب ومساحة المد وغيرها من المعلومات التي تساهم في تسهيل نمو الخدمات الاساسية وتطوير عملية التصميم والانشاء الحضري.

هذا غيض من فيض ممّا عمله ويعمله حالياً فريق الاعمار الامريكي وبصراحة لا توجد خبرات عراقية وامكانات تستطيع القيام بمثل هذه الامور مالم يكن هناك دعم من الدولة الاعظم في العالم، وان لم يكن هذا الدعم مادياً فلا بأس ان يأتي بالخبرات والمعدات الامريكية من خلال عمل هذه الفرق وانشطتها داخل حدود العراق الجغرافية .. وهو ما يلتمسه المواطن العراقي الغريق في آفة التخلف والاندثار العمراني والتنموي.

ليس سراً ان العراق بحاجة للدعم الامريكي، بل ماهو غير طبيعي هو التظاهر بالكبرياء الزائف وعدم الرضوخ للقول بان الكفاءة العراقية مازالت في طور المراهقة وتحتاج للاجنبي مالاً وآلة ً …

البلد بحاجة لفرق الاعمار الامريكي وبقية مؤسسات الدعم .. والقرار قرارك يا اوباما الرئيس.