الرئيسية » مقالات » محطات الحلوائي

محطات الحلوائي

عن دار الرواد للطباعة والنشر والتوزيع صدر للكاتب المحقق الرفيق جاسم الحلوائي كتابه الموسوم”محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي”وهو مجموعة ملاحظات واستدراكات وتصحيحات وردود على السفر القيم الذي كتبه الرفيق عزيز سباهي “عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي “بأجزائه 1-3 ،ومحطات الحلوائي جاءت أكمال للكمال وإضافة مهمة لهذا السفر ،وإضاءة لا غنى عنها لدارسي تاريخ الحزب لأن المؤلف الفاضل قد واكب الحركة الشيوعية في العراق لعقود طويلة وخاض غمار النضال في أحلك الظروف السياسية،وله أسهامه في مراحل النضال الشيوعي المختلفة،كادرا محترفا مجربا تربى في أحضان المدرسة الشيوعية الخالدة ليكون شيئا في تاريخها،بما قدم وبذل وأرسى من دعائم في البناء الشيوعي ، لذلك فان انطباعاته وملاحظاته جاءت نتيجة مواكبة ومشاركة بالأحداث ،وفهم دقيق لبواطنها ومن هنا تكتسب أهميتها.

وهذه المحطات أضاآت أزاحت الحجب عن كثير من المنعطفات التي لم يحالف مؤلف العقود التوفيق في بيانها واستجلاء دقائقها،والوقوف على أسرارها،واخفق في بعض التحليلات والإشارات في مواطن عدة أشار إليها كاتب المحطات بسبب اختلاف رؤيته ومنهجه عن السياق التاريخي الذي يجب الأخذ به عند معالجة مسألة من المسائل،لأن مثل هذا العمل الكبير يحتاج إلى قابليات وكفاآت دونها كفاية فرد واحد،وتحتاج لجهد جماعي للإلمام بإطرافها وجمع شتاتها لتكون بعيدة عن المظنة والخطأ،ورغم ذلك فان الحق يفرض نفسه فقد كان لهذا الجهد الفردي الكبير موقعه المتميز بين ما كتب من تواريخ ومذكرات لقادة الحزب وكوادره التي أسهمت في الأحداث وكتابة التاريخ،واثبت المؤلف قدرته وجدارته للعمل رغم ما فيه من ثغرات.

وكان الأحرى عرض مسودات الكتاب على المعنيين بتاريخ الحزب الشيوعي ممن أسهموا بشكل أو آخر في هذه المسيرة الطويلة الدائبة والكثيرين منهم لا زالوا أحياء يحتفظون بالكثير الكثير من المعلومات التي تشكل -لو استثمرت- إسهام في تنقية الكتاب وزيادة توثيقه،لأن ملاحظات هؤلاء واستدراكاتهم تكمل من جهد المؤلف،فيكون كتابه كاملا خاليا من المآخذ،وعسى أن يستفيد الأستاذ سباهي مما طرح من ملاحظات أو صدر من مذكرات أو أستجد من وثائق وبحوث بعد صدور الكتاب لإعادة النظر بكتابه ،وخصوصا السفر القيم الذي تناول حياة الشهيد الخالد سلام عادل(سيرة مناضل) وما فيه من وثائق لا أعتقد أن المؤلف الكريم قد أطلع عليها لأنها أنارت الكثير مما كان يغمره الظلام وخصوصا الصراعات الداخلية وتأثيراتها على وحدة الحزب وسياسته في مواجهة ما أستجد في الساحة السياسية وجماعة الأربعة وتأثيرهم على تصاعد الأحداث باتجاه تنازلي لموقع الحزب في الشارع العراقي وما أدت إليه تصرفاتهم من آثار مدمرة على نمو الحزب وديمومته ،والوثائق التي وردت في السيرة أزالت الكثير من الحجب وبينت الكثير مما لم يكن معروفا للقاعدة الحزبية،وما يجري خلف الكواليس ،ولو تهيئ للرفيق سباهي الإطلاع على هذا الكتاب لكان لأحكامه والنتائج التي خرج بها الكثير من المصداقية والتحليل السليم للأحداث ،لذلك أتمنى أن يعاد طبعه وتصحيح ما هو بحاجة إلى التصحيح ليكون مرجعا للباحثين والدارسين لتاريخ الحزب والحركة الوطنية،وأن يجري الاهتمام بتوزيعه على نطاق واسع ليصل إلى الجميع،لتطلع الأجيال على هذا التاريخ الحافل بالمآثر والأمجاد، لأني لاحظت مع الأسف الشديد أن بعض الباحثين ممن كتبوا عن تاريخ الحزب تجاهلوا هذا الكتاب لا عمدا منهم أو سهوا ولكن لعدم اطلاعهم عليه،وآخر ما قرأت في هذا المجال كتاب (الحزب الشيوعي العراقي في الحلة )،الذي صدر بدعم من عضو اللجنة المركزية لحزبنا الشيوعي العراقي الرفيق (……)،ألفه زميليه في كلية التربية جامعة بابل وتناول تاريخ الحزب في الحلة وقد خبط المؤلفان خبط عشواء،وتحت باب الحيادية أساءا إساءة بالغة للحزب وأوردا أمورا ما أنزل الله بها من سلطان،ومع احترامي لرأي الأستاذين الجليلين في أيراد ما وصلا إليه من معلومات لم يكن أكثرها يتمتع بجزء من الموضوعية لأنها نشرت لأغراض سياسية فقد أوردا مثلا أن انتشار الفكر الشيوعي في العراق جاء بتأثير من أرسين كيدور أو بتأثير من شخصية الثوري الهندي المجهولة أو بتأثير من ثقافة العراقي حسين الرحال حين كان طالبا في كلية الحقوق فشكل أول حلقة ماركسية سنة 1924 ….الى أن يقولا جاءت محاولته بتأسيس الحزب الشيوعي العراقي سنة 1927 بعد أن جمع حوله لفيف من المتعلمين وكتب تقريرا عن أحوال العراق الاجتماعية وأرسله عن طريق مالك سيف(كمال) الى الأممية الشيوعية في موسكو عن طريق طهران..الخ وهناك من رأى إن أولى الحلقات الشيوعية قد نشأت في البصرة سنة 1927 وكان من ابرز الناشطين فيها يوسف سلمان يوسف(فهد) وأخوه داود سلمان وغالي الزويد وحسن العياش ،وأشار المؤلفان الى رأي آخر إن شخصا شيوعيا روسيا خياطا يدعى بطرس أبو ناصر أو بيوتر فاسيلي وصل الى الناصرية سنة 1929 وافتتح له محل خياطة فيها وهناك من يقول إن ذلك الشخص كان في حقيقته ضابطا في الجيش الروسي باسم الرفيق بتروف وهو بمثابة رسول الأممية الشيوعية لنشر مبادئها في العراق وعن طريقه انتسب عدد من العراقيين الى الشيوعية منهم يوسف سلمان يوسف والذي قام بدوره بتنظيم ناجي شميل وصديق يهودا وساسون دلال ويوسف حسقيل ورفيق جالاك زمالك سيف وشاؤول طويق،واستندوا في ذلك الى رسالة عبد الجبار حسن الجبوري الأحزاب والجمعيات السياسية في القطر العراقي الصادر عن وزارة الثقافة العراقية سنة 1977 وربما تناسى المؤلفان أن ما يصدر من كتب عن حكومة البعث العراقي في تاريخ العراق السياسي كان يهدف فيما يهدف الى تشويه صورة الأحزاب الوطنية وكيل المدح للحزب القائد الذي يعتبره البعث بموجب فكره الشمولي أنه أفضل وأحسن وأكمل وأكثر الأحزاب نضالا وكفاحا في تاريخ العراق وأن استناده لمثل هذه المصادر لا يعني سوى الإشارة الى السلبيات التي ألصقت بالحزب الشيوعي والتي أستند أكثرها الى ما أصدرته التحقيقات الجنائية في العهد الملكي لتشويه صورة الشيوعيين العراقيين وإظهارهم بمظهر العملاء أو الدخلاء في فكرهم وأن السوفيت هم وراء تشكيل الأحزاب الشيوعية وإنهم من قام بزرع نواتاتها ألأولى بين أوساط الأقليات والدليل أشارتهم لأسماء الأخوة من الجاليات غير المسلمة وتناسي المسلمين الذين كانوا في مقدمة القائمين بتشكيل النواتات الأولى للحزب الشيوعي وهذا الهدف من وراء نشر مثل هذه الكتب الصفراء والمعلومات المضللة وهو جزء من الدعاية التي كان يروج لها أعداء الشيوعية من عملاء بريطانيا والرجعية المحلية ومن سار بركابهم تلك الأيام،ولا أدري كيف للباحثين الكريمين تناسي أهم وأوثق مصدر تطرق بالتفصيل الى بدايات تأسيس الحزب وانتشار الفكر الشيوعي في العراق وهو كتاب الأستاذ عزيز سباهي الذي يعد الأوسع في حينه وكيف لمن دعموا الكتاب عدم أرشادهم لهذا المصدر المهم والانسياق ورائهم في تشويه وتحريف الوقائع استنادا لوثائق الأمن العامة أو إصدارات البعث التي كانت تسعى لتشويه الصورة الرائعة للحزب الشيوعي العراقي ومن أين لهما القول بأن مالك سيف ممن شكلوا النواتات الأولى للحزب وهو الذي يقول في كتابه للتاريخ لسان ص3″في وسط عام 1942 انتسبت – وليس انتميت والفرق بينهما كبير- للحزب الشيوعي العراقي وأصبحت سكرتير اللجنة المحلية للحزب في محافظة ميسان ثم نقلت عام 1946 الى محافظة البصرة لتولي مسئولية تنظيم لجنتها المحلية”ويقول في محل آخر عن كتاب لينين الدولة والثورة”أطلعت عليه عام 1938 ولم افقه منه شيئا آنذاك لأنني لم أكن شيوعيا وما كنت راغبا في قراءة كتاب شيوعي”ص29.

والمعلومات التي أوردها المؤلفان مستقاة من مصادر اعتمدت ملفات التحقيقات الجنائية أي بمعنى أوضح أنها تمثل أيديولوجية أو توجهات معادية للشيوعية ،ومحاولات للإساءة لها ووأدها وهي جنين،لذلك لا يمكن الركون إليها من أساتذة يدعون العلمية والحيادية باستنادهم لمصادر معادية تحاول الترويج لمزاعم الهدف منها إنهاء الخصم وتشويه صورته،ولكن الدارس الحصيف يمكن أن يتلمس الحقائق من خلال البحث الجاد والدراسة المنهجية بدراسة الإحداث وتحليلها دون الركون إليها كمسلمات،فالشيوعية تسربت الى العراق من خلال الطلبة الدارسين في خارجه ممن أطلعوا على سيء من الفكر الشيوعي فحاولوا التبشير به أو تداوله ،ولأجل ذلك شكلت حلقات ماركسية في المدن العراقية كانت تضم المثقفين الذين لديهم بعض المعلومات منهم حسين الرحال الذي أصدر الجريدة وهي أول صحيفة بشرت بالفكر الشيوعي في العراق وأول من أرسل الى الدراسة في الإتحاد السوفيتي هو عبد الحميد الخطيب ثم تلاه عاصم فليح عام 1931 وعند عودته عام 1934 عقد اجتماعات عدة مع المهتمين بالفكر الماركسي ودعا ممثلي المحافظات للاجتماع التأسيسي في 31آذار 1934 الذي تمخض عنه تأسيس لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار،وفي ذات العام اعتقل سكرتير الحزب عاصم فليح وأكثر من 60 شيوعي بسبب وشاية لأحد المندسين كان يعمل لصالح الاستخبارات البريطانية.

أما حقيقة الارتباط بالسوفيت والتي يحاول الجميع الإشارة إليها من خلال زج المعلومات المضللة التي كان ورائها السفارة البريطانية وعملائها في العراق ،فهي لا تعدو أن بلد الشيوعية الأول كان يقوم بأعداد الكوادر القادرة على بث الوعي بين شعوبها،وبالتالي فأن السياسة الداخلية لكل حزب نابعة من اجتهاد قادته في تلمس السبل الكفيلة بتحقيق طموحات الجماهير ولا يعني التطابق في التوجهات وجود وصايا أو تعليمات ولكن طبيعة النظرية العلمية توحد التفكير لمعتنقيها وتؤدي الى نتائج متطابقة في الأهداف والتصورات ،ومما يذكر في هذا المجال أن الخالد فهد كتب افتتاحية القاعدة في عددها الخاص بذكرى ثورة أكتوبر بعنوان (ثورة أكتوبر والسلم)أكد من خلالها أن السلام هو المهمة الأولى للبشرية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية،وبعد أيام ألقى مولوتوف رئيس الوزراء في عهد ستالين خطابه التاريخي الذي أكد من خلاله على ضرورة صيانة السلم العالمي وتوطيده،وعندما سمع حسين جميل خطاب مولوتوف قال لا أدري هل أن فهد تسلم هذا التوجيه من مولوتوف أم أن مولوتوف استعارها من فهد،وعندما عرف الخالد فهد بتساؤل حسين جميل قال أن لغتنا واحدة في كل مكان فلا حاجة لأن يستشير أدنا الآخر لطرح هذا الشعار أو ذاك.

ويقول المؤلفان ان الهيئة المؤسسة لحزب التحرر الوطني ضمت مجموعة من القياديين منهم محمد حسين الشبيبي وهذا خطا في الاسم والصحيح هو الشهيد حسين محمد الشبيبي عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراق وهناك أمور أخرى سأتطرق إليها في مقال قادم يتناول بالتحليل قيمة الكتاب العلمية وما ورد فيه ن أخطاء وأشتباهات كان ورائها عدم اعتماد المؤلفان على مصادر مهمة تناولت تاريخ الحزب وتأثيره في تاريخ العراق المعاصر.

،ولا أدري كيف مرر هذا الكتاب عن طريق مؤسسة حزبية وبدعم من قائد شيوعي وباحث أكاديمي مرت عليه مثل هذه الأمور في دراساته التاريخية ،لذلك يتطلب الأمر أن يوزع تاريخ الحزب على الكتاب والمؤسسات والجامعات العراقية ويرسل للمعنيين والباحثين ليكون مرجعا لهم عند كتابة التاريخ،وان يطبع طبعة شعبية يتيسر شرائها لأصحاب الدخل المحدود وأن يأخذ طريقه للدراسة والتثقيف في المنظمات الحزبية.

تناولت استدراكات الرفيق الحلوائي بدايات التأسيس ،وما تطرق إليه مؤلف العقود من أدلة وأسانيد لتاريخ التأسيس،وتناول القضية الفلسطينية وقصور الباحث عن استجلاء جوانب الموقف الذي اتخذته قيادة الحزب بناء على استشارة الأحزاب العربية وتأثير القرار السوفيتي وتراجع الحزب عن ذلك الموقف لعدم انسجامه مع الماركسية ،مشيرا إلى تبريرات الفقيد زكي خيري ،مضيفا أن الموقف الشيوعي رغم تسرعه إلا أنه أفضل مما عليه حال القضية الفلسطينية وما وصلت إليه بفعل السياسة الخاطئة للحكومات العربية.

أما ثورة تموز وما رافقها من انتصارات وإخفاقات فقد كان للرفيق الحلوائي قراءته المتأنية العارفة ببواطن الأمور لمشاركته في الأحداث ووجوده في زحمتها لذلك كانت أرائه منسجمة مع الواقع بعيدة عن التبرير غير المقبول للكثير من الأخطاء التي رافقت المسيرة خلال تلك الفترة،مشيدا بالانتصارات التي تحققت لطلائع الشعب في الإصلاح الزراعي وقانون العمل وقانون الأحوال الشخصية وكانت مداخلته أكثر من سليمة لاستنادها للواقع الموضوعي وتناولها ألأحداث بمنهجية لا تخرج عن واقع الفترة ،وكانت أرائه في الوحدة والإتحاد الفدرالي تصب في قلب الهدف وتناقش المسألة وفق أسس تدحض جميع المفتريات التي أفتعلها الأعداء والحاقدين،أما مؤامرة الشواف والأطراف التي كانت ورائها وما رافقها من أحداث فقد كانت أكثر من رائعة في مجال التحليل والتوثيق وأعطت دلالات مهمة لحقيقة الحركة وما رافقها من مؤامرات دبرت لإنهاء دور الحزب الشيوعي وتحجيمه بعد أن أصبح سيد الشارع العراقي وانكفاء القوى الرجعية وتقوقعها وما وجدت في هذه الحركة من تنفيس لأحقادها أوتي ثماره بما حدث في كركوك وبدء التراجع غير المنظم للحزب بسبب تحركات أطراف في داخله كانت وراء ما حدث من أخفاق وما ظهر من تراجع.

وكم كان بودي لو اطلع الرفيق سباهي على ما نشر عن مؤامرة كركوك وما سجله مدير الأمن في حينها في مذكراته حيث أثبت بطلان الأدعاآت التي روج لها حثالات الرجعيين من إسلاميين متغطرسين وملاكين مهووسين وعملاء لهم ارتباطاتهم بقوى خارجية استهدفت الحزب الشيوعي بعد تعاظم دوره في الأوساط الشعبية،وارتباطا بالمخططات الرأسمالية التي استهدفت الحزب وثورته في العراق وهو ما أدى الى تراجع قاسم وتسليم قياده الى القوى التي تسعى لإسقاطه وما كانت نتائجه الوخيمة في انقلاب شباط الدامي،حيث أثبت أن القائمين بإثارة الفتنة هم أتباع شركة النفط وكبار الملاكين والعملاء المرتبطين بتركيا من التركمان والقوى الرجعية المتضررة من بوادر النهوض الثوري في العراق.

وخاتمة المطاف أن كتاب الرفيق الحلوائي بما حوا في دفتيه من انطباعات وتصورات شكل لبنة جديدة في كتابة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي وأسهم في استجلاء الكثير من المنعطفات الحادة في تاريخه.