الرئيسية » مقالات » من المسؤول عن الضحايا العراقيين؟

من المسؤول عن الضحايا العراقيين؟

مابين التاسع عشر من شهر آب الماضي والثلاثين منه، كانت أياما كافية وحاسمة بإعطاء الضوء الأمريكي الأخضر للحكومة العراقية بتقديم طلب إلى مجلس الأمن الدولي عبر الأمين العام للأمم المتحدة، بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للتحقيق في اعتداءات يوم الأربعاء الدامي كون أن ( حجم وطبيعة هذه الجرائم يستدعيان تحقيقا يفوق نطاق الصلاحية القضائية العراقية وملاحقة للمرتكبين أمام محكمة جنائية دولية خاصة)، وفق ما جاء في الطلب الرسمي العراقي. وان كانت ردود الفعل الأمريكية على تفجيرات آب المروعة، لا تؤشر على تطابقها التام مع ردود فعل بغداد، ربما بدوافع العلاقات الأمريكية السورية الاخيرة التي شهدت تواصلا وتقاربا ما، ومعالجة جديدة لإدارة اوباما لملفات الشرق الأوسط ومنها ملف القضية العراقية. و لكن أخذًا بعِبَر تشكيل لجان التحقيق والمحاكم الدولية المعروفة، ومنها لجنة التحقيق والمحكمة الخاصة بجريمة اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط 2005، فان الحكومة العراقية، فيما إذا أقر الطلب في مجلس الأمن، ستجد نفسها في بازار المصالح، وبيع وشراء المواقف السياسية الدولية قبل الإقليمية ولفترة سنوات غير محدودة الأفق.

ومن بين جميع مواقف ومصالح الأطراف الخارجية الضالعة في القضية العراقية سيكون موقف إدارة الرئيس الأمريكي أوباما، هو الفصل، ليس من منطلق كونها القطب العالمي الأوحد اليوم فقط، بل لكون الولايات المتحدة هي المسؤولة، أولا و قبل الحكومة العراقية، عن أمن وسلامة كل مواطن عراقي، وهذا ما يمليه ميثاق الأمم المتحدة والقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن من مسؤولية على دولة الاحتلال. ولذلك فان ضحايا اعتداءات الأربعاء الدامي وما قبلها وما تلاها من جرائم وبتعدد أدواتها ومدبريها، عراقيين، أو أجانب عرب وغير عرب، تقع مسؤولية إزهاق أرواحهم وإصاباتهم وتعويض ممتلكاتهم، بالدرجة الأولى على الإدارة الأمريكية، وعليها مساندة الطلب العراقي أمام الرفض الإقليمي له بإنشاء اللجان التحقيقية والمحكمة الدولية، التي يفترض أن لا تقتصر مهامها على جرائم تفجير مباني وزارتي الخارجية والمالية، بل والتحقيق والمساءلة عن تدخلات جميع دول الجوار والدول الخليجية بالمال والسلاح والمرتزقة والتدريب. ولا نظن أن الإدارة الأمريكية تنقصها الأدلة، فطالما شكا مسؤولوها العسكريون والمدنيون من تدخلات دول الجوار وخصوصا سوريا وايران في الشأن العراقي الداخلي.

ومن اجل أن يصان الدم العراقي المهدور، لابد أن يتحمل المجتمع الدولي مسؤوليته أيضا في حماية العراقيين، طالما قد وُضِع العراق بقرار من مجلس الأمن الدولي تحت طائلة الفصل السابع وشرّع باحتلال القوات الأجنبية له. ولم تعد هناك من محاذير من تدويل القضية العراقية، لان ما يجري في العراق من قتل يومي لمواطنيه تعدى من كونه شأنا عراقيا داخليا، وهو لم يعد بهذا الوصف، منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في مثل هذا الشهر- أيلول- العام 1980، مرورا بغزو الكويت في آب 1990 وانتهاء بالغزو الأمريكي العام في آذار 2003. حيث فرط ديكتاتور العراق السابق بسيادة البلد ومصالحه عندما عين نفسه حارسا لبوابة الوطن العربي الشرقية بمباركة وتشجيع ودعم أشقاء العراق والولايات المتحدة، ، ثم وبعد أن استنفد دوره، لفظوه، بل وطالبوه بما سددوه له من مليارات الدولارات على حساب مئات الآلاف من القتلى والمعوقين والمفقودين والأسرى العراقيين، فضلا عن الخراب الاقتصادي والاجتماعي الذي حل بالبلد بسبب تلك الحروب العبثية.

إن المطالبة بتشكيل لجنة تحقيقية ومحكمة دوليتين، تتطلب أيضا كفاءة وأداء دبلوماسيا عراقيا نشيطا، وقبلهما إسنادا شعبيا لا يتحقق بعرض أنصاف الحقائق، بالتمويه عن التدخل الإيراني أو الخليجي، والإفصاح والشكوى من التدخل السوري، وبالتالي فان الضحية دائما هو المواطن العراقي البريء لجميع تلك التدخلات. وقد لا يكون مَثـَلُ مصير زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، مشجعا للدبلوماسية العراقية، لان تخلي القيادة السورية آنذاك عنه وإبعاده من الأراضي السورية واللبنانية في تشرين الأول العام 1998، لم يتم نتيجة ضغط دبلوماسي تركي، ولكنه جاء بعد ساعات معدودة من زيارة الرئيس المصري حسني مبارك الطارئة لدمشق مبلغا القيادة السورية؛ أن العسكرية التركية ( الناتو)، أنهت استعدادها لاجتياح الأراضي السورية للقبض على أوجلان والأمر لا يتعدى ساعات لتنفيذ الهجوم. وقبل مغادرة الوسيط المصري دمشق، كان عبد الله أجلان هائما بين مطارات أوربا وإفريقيا.