الرئيسية » مقالات » أحداث الأربعاء الدامية على ضوء مناقشة الأمانة العامة

أحداث الأربعاء الدامية على ضوء مناقشة الأمانة العامة

عقدت الأمانة العامة للائتلاف الديمقراطي اجتماعا، تدارس فيه الأحداث الدامية المفجعة عبر ليوم الأربعاء 19/08/2009، والتي ذهب ضحيتها العشرات من الأبرياء وجرح المئات، ذلك العمل الإجرامي الجبان، الذي سبق وأصدر الائتلاف بيانا بشأنه، أدان فيه الهجمات الإرهابية، وعبر عن تضامنه مع ضحاياها وذويهم.

إن العمليات الإرهابية الأخيرة، لاسيما تلك التي استهدفت وزارتي الخارجية والمالية والمنطقة الخضراء، بقدر ما كانت مفجعة، كانت عامل إرباك للوضع الأمني والسياسي بشكل ملحوظ، في وقت لمس فيه العراقيون تحسنا ملحوظا للوضع الأمني، واستبشروا بقرب نهاية دوامة الدم.

إن هذه العمليات تثير تساؤلا عن مدى دقة ما رُوِّج من قبل جهات رسمية عن استكمال بناء القوى الأمنية، وقدرتها على ملء الفراغ الأمني بعد انسحاب القوات الأمريكية ومتعددة الجنسيات من المدن، بالرغم من اننا لا نستطيع أن نجزم بتحميل مسؤولية ما حدث فقط لعدم استكمال بناء القوات الأمنية، لأن مثل هذا حصل كذلك في أكثر الدول استقرارا وخبرة أمنية واستخباراتية، لكن لا بد من القول إن ما حصل يؤشر بشكل واضح إلى ضعف في الأداء الأمني وإلى وجود اختراق أمني خطير، مع غياب لاستراتيجية أمنية واضحة، كل ذلك مما سمح للقوى المنفذة أن تستثمره، فتخطط لهذه العمليات بصورة متقنة وبدهاء خبيث، ومستثمرة كذلك التناقضات السياسية والتخندقات الطائفية.

وما يسجل من ملاحظات، هو هذا التسرع، وفي الساعات القليلة الأولى في توجيه الاتهام بشكل قاطع إلى سوريا من قبل الجهات الأمنية والسياسية الرسمية، كما هو الحال مع التسرع في توجيه الاتهام بشكل قاطع إلى إيران من قبل أطراف معارضة للحكومة. مع إن تسجيل الملاحظة على التسرع في اتهام هاتين الدولتين الجارتين، لا علاقة له بالدور السلبي وعلى مدى سنوات، في التدخل في الشأن العراقي، على نحو أضر بالعملية السياسية، وبالوضع الأمني، بشكل ملحوظ جدا، كما هو الحال مع دول جوار أخرى، كان لها دور سلبي واضح، مما لا يسمح بتبرئة الدولتين المذكورتين المجاورتين للعراق غربا وشرقا من الوهلة الأولى، كما لا يصح التسرع بتوجيه الاتهام لأي منهما من غير دليل.

في كل الأحوال نقول إذا ثبت ضلوع دولة أو أكثر في هذه الجرائم أو غيرها، فلا بد من موقف تتخذه الحكومة العراقية، أقوى مما جرى حتى الآن، باتخاذ إجراءات على المستوى السياسي والديبلوماسي والتجاري وغيرها. ومن أساليب الضغط المشروعة التي يمكن أن تمارسها الحكومة العراقية تجاه دول الجوار التي تربك الوضع الأمني والسياسي في العراق، هو التعامل بالمثل، على ألا يشمل التعامل بالمثل بطبيعة الحال تصدير الإرهاب، لأننا لا يمكن أن نسمح لأنفسنا بمعاقبة الشعوب، وتحميلها مسؤولية الأنظمة ودورها التخربيي في العراق، بل لا بد من ممارسة الضغط على تلك الأنظمة على حد سواء بأقصى الممكن من الوسائل المتاحة، بعيدا عن الأجندات السياسية والتخندقات الطائفية، بل من منطلق الموقف الوطني الموحد، والتحلي بالشعور العميق بالمسؤولية تجاه الدم العراقي، وتجاه ما يتعرض له العراق من تخريب، وما يتعرض له شعبنا من قتل.

كما يلحظ أن توجيه الاتهامات والإدانات لدول الجوار المضطلعة بدور سلبي تجاه العراق، من قبل الأطراف السياسية محكوم هو الآخر بالتخندقات الطائفية، حيث لا يدين أغلب السياسيين السنة التدخل السوري والسعودي، كما لا يدين أغلب السياسيين الشيعة التدخل الإيراني، وكأن لدى كل من الأطراف السياسية المتخندقة طائفيا اتهامات جاهزة وحاسمة ضد الدولة التي لا تنتمي طائفيا أو عرقيا لما تنتمي إليه تلك الأطراف. بينما المطلوب أن يكون هناك موقف وطني وإنساني مسؤول تجاه هذه التدخلات، بعيدا عن التخندقات الطائفية. وهذه الظاهرة تتناقض مع دعوى هذه الأطراف بتخليها عن المشروع الطائفي، والتحول منه إلى المشروع الوطني.

كما يلحظ إن الصراعات السياسية بين الأحزاب والقوى السياسية غالبا ما تشكل هي الأخرى عاملا في تحديد الموقف لهذا الطرف أو ذاك، أكثر من استناده إلى المعلومة الدقيقة والموقف الوطني المسؤول، فالموقف يتخذ أحيانا بمقدار ما يسبب إضعافا أو إحراجا للطرف السياسي المنافس، أكثر من انطلاقه من رؤية موضوعية متجردة، وإحساس بالمسؤولية الوطنية. فبعد هذا الحدث الجلل، كان المنتظر من القوى السياسية أن تتناسى خلافاتها وتوحد موقفها، إلا أننا وجدنا وللأسف الشديد وبوضوح تناسي معظم الأطراف السياسية هذه لنزيف الدم العراقي، واستغراقهم في صراعاتهم السياسية، وكأن هذه الفاجعة كانت فرصة لتصفية حساباتهم السياسية والطائفية مع بعضهم البعض، ولمزاولة التسقيط السياسي من قبل بعضهم ضد البعض الآخر. إن ظاهرة تقديم الصراعات السياسية على اتخاذ الموقف الوطني الموحد والمسؤول في مثل هذه الحالات، هي واحدة من أهم العوامل التي تمنح الفرصة لأعداء العملية السياسة في بلادنا في الاختراق الأمني، الذي دفعنا ثمنه دماء غالية وغزيرة من أبناء شعبنا.

بقطع النظر عن الجهة المخططة، والجهة المنفذة لهذه الجريمة المفجعة والحاضنات المحلية لها، لا بد أيضا من تشخيص الجهات التي يمكن أن تكون مستفيدة من هذه الأحداث، وهي متعددة، ولا يمكن حصرها بطرف واحد، مع إن تشخيص الجهات المنستفيدة لا يجب أن يعني أنها ضالعة أو شريكة في هذه الجريمة الإرهابية بالضرورة، بل من أجل أن تكتمل ملامح الصورة على نحو التحليل، وليس على نحو القيام بعمل استخباري، فهذا ليس من شأن السياسيين، لاسيما غير المشاركين في السلطة، بل من مسؤولية الأجهزة الأمنية والاستخباراتية والسياسية الماسكة بالسلطة. ومن مستلزمات الشفافية والصدق والأمانة على دماء العراقيين أولا، ووفاء لعشرات الملايين من الناخبين الذين خرجوا للتصويت من أجل بناء عراق ديمقراطي آمن ومرفه.

وهنا لا بد من التأكيد أن هناك أكثر من مؤشر على الضعف الواضح في الأداء السياسي والأمني، وارتباك وضعف وتناقض وتسابق في التصريحات، وغياب لرسالة جدية وواضحة ضد قوى الإرهاب والدول الراعية لها، كما إن هناك ما يشير إلى استغلال للحدث من قبل بعض الأطراف السياسية، لغرض الربح السياسي والدعاية الانتخابية.

المطلوب الوصول إلى نتائج واضحة في تشخيص الأطراف المسؤولة عن هذه الجرائم المفجعة، ومن شفافية بالمستوى الذي لا يخل بمجرى التحقيقات، ولكن يجعل المواطن العراقي أمام صورة واضحة الملامح من حقيقة ما جرى وما يجري، والتعريف بتلك الأطراف وفضحها، ورفع شكوى رسمية مدعمة بالأدلة إلى مجلس الأمن ضدها، واتخاذ الموقف القوي الذي يتناسب مع حجم هذه الكوارث، التي نسأل الله ألا نرى تكرارها، وإشعار المواطن العراقي، أن دمه ليس رخيصا، بل تتقدم حرمته على كل الحسابات السياسية، وتعلو قيمته على كل الاعتبارات الديبوماسية، دون أن يعني هذا عدم الرغبة في إقامة علاقات حسن جوار مع دول المنطقة، بشرط احترام هذه الدول للدم العراقي، والأمن والاستقرار العراقي، والعملية السياسية في العراق.

والائتلاف الديمقراطي إذ يدين العملية الإرهابية التي استهدفت الأبرياء العزل من أبناء شعبنا، علاوة على استهدافها عصب الدولة العراقية وقلبها، يطالب كافة أطراف العملية السياسية العراقية من حكومة ومجلس نيابي وجهات أمنية، بالقيام بدورها بوضع حد للنزيف اليومي للدم العراقي، غزيرا كان أو قليلا، لكون دم المواطن مقدسا، وحمايته مسؤولية عليا لكل الشرفاء، كما نطالب بعدم استغلال السياسيين لمحن شعبنا العراقي هذه، لأغراض حزبية أو طائفية أو شخصية، وبكشف المخططين والمنفذين لهذه المجازو المروّعة، ومقاضاتهم، وإنزال أشد العقوبات بهم، وبتعويض المتضررين والشهداء وذويهم بما يتناسب مع حجم الخسارة، ورعايتهم على جميع الأصعدة، الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

وتحية لشهداء العراق.

الائتلاف الديمقراطي

03/09/2009