الرئيسية » مقالات » دعوة الى الاسترخاء

دعوة الى الاسترخاء

من زاوية يبدو اننا نركض ضد الريح. التجربة الكمبودية سبقتنا الى امتحان التغيير، فقد ارسل بول بوت، عندما استلم السلطة العام 1975، مليونين من المغلوبين على امرهم الى معسكرات عمل وحرب لم يعد منهم سوى مئات، لكن الكمبوديين بعد سقوط صنمهم اخذوا استرخاء كانوا بحاجة اليه لكي يتوازنوا، وينسجموا مع استحقاق التغيير.. ثم بدأوا من العتبة الاولى: من السياسة بوصفها مختبر التغيير، لكن ليس قبل ان يضعوا تعريفات لها.
يبدو أننا، ومنذ الخروج من النفق العام 2003 الى المجهول، كنا نركض في اتجاهات مختلفة، بحمية وانفعال، ما يمكن القول ان الوقت حان الى تدقيق عدتنا السياسية..الى “دش” من الماء الفاتر يزيل وعثاء السفر الطويل والمضني من على كاهلنا، ويرسي اساساً جديداً لادارة الخيارات وتصويب المخاضات لكي يكون الجنين معافى وتكون البلاد ضفافا للرخاء بكفالة الحياة الدستورية.
وقبل هذا، ثمة حاجة لتعريف السياسة التي تدير رؤوسنا وحياتنا.. السياسة التي قال الشهرستاني ان اممنا أهدرت الدماء لاغراضها أكثر مما اهدرتها لأي غرض آخر.. فهي سوس القوم الى مورد الماء، وهي مطبخ للمأكولات الصالحة والملوثة، وهي فن الممكن، أو رصد هبوب الرياح، أو هي شيطان إذا ما عجز عن الفتنة طلب العون من البشر انفسهم، وهي صنعة..وكما يقول العراقيون في امثالهم “الصنعة أم حنينة” و”صنعة بلا ستاد آخرها الى فساد” و”الصنعة محبس ذهب”.
وقبل هذا وذاك، ينبغي ان نحسم الجدل حول ما إذا كان للسياسة بُعد اخلاقي كما يذهب أرسطو ــ واقتفاه ابن المقفع ــ حين يقربها من علم الاجتماع، أم هي داعرة، كما يخالها ميكافيلي ــ والتحق به صدام ــ حين يعطي الحق للحكام أن يمدوها على قدر اسرّتهم، فيما حذرنا ابن طباطبا من خلط المنحى الاخلاقي بالمناحي الفلسفية أو الفقهية أو الاجتماعية أو الدينية، ودعانا الى احترام الحدود التي تتحرك فيها فرضيات السياسة وموجبات الاجتهاد في علومها.
حاجتنا الى ترصين مفاهيم السياسة وتنقيتها من الشوائب ضرورية بعدما دخلت الملايين العراقية الغفيرة هذا الميدان من اوسع ابوابه وليس من ابواب الصالونات والزوايا المخملية، وبسبب الغبار الذي هب على الساحة والفوضى التي ضربت التعريفات المدرسية للسياسة استسهل الكثيرون تغيير جلودهم، في اليوم خمس مرات على عدد آذان الصلاة، ويبيعونه اربعاً وعشرين مرة على عدد ساعات اليوم، وطبعا ثمة غيرهم كثيرون عدّوها ساحة للحرب من اجل الحرية، وقد افتدت اجيال منهم ارواحها في سبيل هذا الحلم النبيل.
حاجتنا الى الاسترخاء والمراجعة وتدقيق معارفنا وترشيدها، تدخل في صلب موجبات الانتقال الى الاستقرار والبناء، وفي كمبوديا استمر هذا الاسترخاء طويلا قبل ان تهب الملايين الى البناء، والمهم انها وضعت عهد بول بوت وراءها.. الى الابد.
ــــــــــــــــ
: كلام مفيد
“ الإنسان الناجح هو الذى يغلق فمه قبل أن يغلق الناس آذانهم”.
مثل ياباني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة(الاتحاد) بغداد