الرئيسية » مقالات » من تراث الراحل علي محمد الشبيبي/ رنين على الأجداث 5

من تراث الراحل علي محمد الشبيبي/ رنين على الأجداث 5

(رنين على الأجداث) هذا هو عنوان القسم الثاني من ديوان الوالد (أنا والعذاب). وهي مجموعة قصائد في رثاء الأهل والأحبة، ما عدا القصيدة الأولى والتي كانت في رثاء الملك غازي وقد وضح والدي ظروف وأسباب ودوافع الرثاء.
بعد رثاء الملك غازي أنقطع والدي عن كتابة الشعر عقداً كاملا! وهذا الانقطاع أثر سلبا (وهذا ما يؤكده والدي في أحد هوامشه) على أسلوبه وإمكاناته الشعرية بعد مزاولة النظم مجدداً، وخاصة في قصائده الأولى في رثاء أخيه الشهيد. وبعد هذا الانقطاع عاود النظم مجدداً (عام 1949) في ظرف مؤلم وقاسي وذلك بعد إعدام شقيقه حسين الشبيبي (صارم). فنظم مجموعة قصائد في رثاء شقيقه الشهيد تناولت وصفا دقيقا، لمشاعره وأحاسيسه وما تركته هذه المأساة من ألم ولوعة في نفوس عائلته (ألأم والأب والشقيق)، كما يصف معاناة العائلة بسبب مضايقات الأجهزة الأمنية.
كما نجده يؤكد في جميع قصائده في هذه المجموعة أو في غيرها من الديوان على إيمانه الشديد والمطلق بانتصار إرادة الشعب على كل المستبدين في مختلف العهود. ويؤكد تعهده، المرة تلوى الأخرى بالتزامه بالمبادئ التي أستشهد من أجلها شقيقه. ومنذ أن وعيت كواحد من أبنائه عرفت الوالد أنساناً مخلصاً ومدافعا صلباً عما يحمله من فكر وطني تقدمي، وهو أول من زرع في قلوبنا حب الشعب والوطن والإخلاص لمبادئنا. ولم تكسر شوكته أساليب الأنظمة المستبدة لذلك عانى من الفصل، والأعتقال والتعذيب والسجن في مختلف العهود (منذ العهد الملكي وحتى وفاته عام 1997).
ارتأيت أن أنشر قصيدة (ننعاك غازي) في (رنين على الأجداث 1) منفصلة لأنها تمثل مرحلة زمنية من تفكير الوالد أولا، وثانياً أنها آخر قصيدة له تلتها فترة انقطاع دامت عقدا كاملاً. حيث يبدأ حياته الشعرية بمرحلة جديدة فكراً ومضمونا وأسلوباً. أما القصائد التي في الحلقات (رنين على الأجداث 2 و 3 و4) جميعها في رثاء أخيه الشهيد حسين محمد الشبيبي (صارم). وفي الحلقات (رنين على الأجداث 5 و 6) رثاء للعلامة الجليل الشيخ محمد رضا الشبيبي، وشقيقه الأصغر محمد علي، وأبنه همام، وصهره علي عبد الحسين جعفر الكاظمي (أبو زينب). / ألناشر


أبا الجيـــل العلامة الجليل محمد رضا الشبيبي

الشيخ الجليل محمد رضا الشبيبي
(1889 – 1965)

لي بالشيخ محمد رضا الشبيبي علاقة غير علاقة النسب. فهو القدوة التي فتحت عيني عليها. حين كنت أسمع النجفيين يتحدثون عنه، عن أدبه، وجهاده الوطني، وخلقه الرصين، وحبه للناس واحترامه لهم. وحين صرت مؤهلا للتلقي كنت أقوم بخدمة جدي، والده الشيخ جواد، ومجلسه العامر بمختلف وجوه النجف من أدباء ورجال دين، ووجهاء البلد. وعني الشيخ بي فكان يوصي أبي بإطلاقي نحو الدرس والتحصيل، ويرشدني إلى الكتب التي يجب أن ابدأ بها. وبعد هذا كنت الجأ إليه في الشدائد التي تنتابني، ورغم إني كنت اعتقد انه لم يندفع الاندفاع اللازم إلا انه على أي حال كان هو العمد الوحيد للأسرة ولم أجد منه إلا الاهتمام خاصة في السنين الأخيرة. لقد رثيته بهذه ولم ارث أبي….
انه عميد الأسرة البارز وبحق، فقد أحتل مكاناً مرموقاً في نفوس العراقيين بجهاده، فهو أحد البارزين في أمر الثورة العراقية –ثورة العشرين- وهو رسول العراق إلى الشريف حسين، لاختيار أحد أنجاله.
وديوانه الذي خلفه عبارة عن سجل لجهاد الثوار. ويوم أجتمع الإنكليز مع بعض العراقيين في النجف لاختيار نوع الحكم، أجاب هو: جمهوري! ونقل لي أحد الذين كانوا إذ ذاك من المتابعين إن الحاج عبد الواحد سكر قد عارض بشدة، لأن استقلالنا بداية جديدة علينا وهذا الحكم يسبب لنا تشتت في الآراء وانشقاقات!
ناسياً إن الملك قد هيأه الإنكليز يوم طرده الفرنسيون من سورية. وان الملكية هي طاقية الإخفاء التي يختفي الإنكليز وراءها ويصرفون الأمور كما يشتهون.
وقد توفى الشيخ حين عودته من –حج العمرة- الذي قصده بعد خلاف مع –عبد السلام عارف- وقدم قبل سفره مذكرة واسعة شرح فيها السياسة القائمة وما ينتظر من نتائجها السيئة، ووزعت شبه علانية على الشعب وأذيعت أيضاً من الأردن. وأستقبل يوم عاد استقبالاً رائعاً في المطار. وأشيع أن سبب وفاته –القهوة- التي سقيت له في المطار، والله أعلم!
لم أشارك في إلقاء قصيدة الرثاء هذه لأن فئة معينة سيطرت على المأتم شاركها أبناء أخيه، وعزل أبنه الأديب أسعد. حتى رفضوا أن يلقي قصيدة رثاء والده!؟ فكيف يقفون مني؟ ولكني نظمت وقدمتها لنجله ليضمها إلى مجموعة المراثي للطبع. واليوم أقول:وا حسرتاه عليك يا أسعد*! ومصيرك مجهول!

علي محمد الشبيبي
كربلاء
يا أبا الجيــــل

لـمـن اليــــوم تســـتجـــد مـآتــــم . . . . . . ولمن جمعنـــا من الحـزن واجــم
افـأقَــوَتْ ربــوعـنــا والـمـلاحـــم . . . . . . أخبــا وَقْـدُهــا؟ وقـد كان جـاحــم
كيف طـاح اللــوا وخــرّ شـــهـاب . . . . . . واختفى ومضه وذا الليــل فـاحــم
وهـوى الصقـر من ســماءِ عـلاه . . . . . . ســــاكنــا منه قـلبــه والـقــــوادم
وعلى ثـغـــره ابتســامة هــــــزءٍ . . . . . . بِـدُنــا لــم تـعــدْ دُنــا للقـشـــاعــم
ومع الصــبـح كحلـت جفنه الانـدا . . . . . . ءُ ومســته عـاطــرات النســـائــم
ومضى طاهــر الخطى لـم يُدنـس . . . . . . كَسِــــواه وجــــدانـه بـالـمـــآثـــم
ومـشى الشـعــب خلفه مســتغيثـا . . . . . . نـاديــا داعـيــا ســـليل الاكـــــارم
يـا جـليـلا بـالـمـوت زاد جـــــلالا . . . . . . وعـظيمــا هــانت لـديه العظـائــم
قـد فـقـدنـاك حـين أوشـك نـصــر . . . . . . وتبــدت خـيــوط فـجــر بــاســـــم
واســتبـــدت مخـــاوف بظــلـــوم . . . . . . واســـتعــدت فـلــوله للهــــزائـــم
* * *
يـا أبـا الجيـــل خـيـر جيــل تبنيت . . . . . . ومنك أغتـذى بأسْـــمى المكـــارم
جـاء يوفي دين الأبـوة والأسـتـاذ . . . . . . وينعى للــعــلـــم أجــــود عــالـــم
ما أضاع الصواب في عمل الحق . . . . . . لــم يـراء ولـم يَحُـد أو يسـاوم(1)
عشــــق العلــم منــذ كان صبيـــا . . . . . . وبحب الأوطـــان أصبــح هـائــــم
كم عـليه ضــاقـت بــلاد فــبــــات اللـيــــــــل قلق الـوســــاد والثغر باســم(2)
هـازئا بالـخطــوب تتــرى تبـاعــا . . . . . . ولـــديه الـيـــراع خــــل منـــــادم
* * *
يـا أبـا الجيـــل والليــالي عجــاف . . . . . . زدن في حــدة الـعــدو الـغــاشـــم
أيــرى الـخيّــر الأميـن طــريــــدا . . . . . . والطـريد العمـيـل بـالأمــر قـائـــم
والــخـؤونـون نـاعـميـن بـخـيـــر . . . . . . وعلى الناس أن يـؤدوا المغـــارم
وتـمـنـيـهـمــوا نفـــوس صـغـــار . . . . . . إن مـا هــم فيه من الـعيـش دائــم
خَـــسئ الــقـــــــــوم لا يـــدوم بـــــأرض الله حكــم لـفــاجــــــر أو لـظــالـــم
فليجــولـوا ويعبثــوا كيـف شــاؤا . . . . . . وليصولوا مثل الأسـود الضراغـم
فــإذا هـبــت الـــشعــوب وثــارت . . . . . . فــر شــجعـانهـم فــرار الـبهــائـم
* * *
طـيب الــذكـــر لــم يـغيبـك لحــــد . . . . . . أنت حي بخـــــرّد وكـــرائــــــــــم
وبمــا ضمت الــمجــامـــع من دُرٍّ . . . . . . مـنــضـــدٍ ومــاسِ مـنــاجـــــــــم
وبـوقـفـــاتك الـتي قــد أقـضّــــت . . . . . . مضجعـــا للطغــاة كالليــل جـاثــم
وبـنــشء خـلفــه خـيـــر نــشء . . . . . . طيب الغرس والجني في المواسم
سيقـولـون حين تـدعـو الـدواعي . . . . . . نحن أبـنــاء صالــحيــن أعـاظـــم
نحن إن جـلـت الخطـوب شموس . . . . . . يسـتبين الضــلال فيهـــا المعـالـم
طبت مثـوى أبا ســنـان وعاشـت . . . . . . بـاسـمـك الـطيبات كالغيث سـاجـم
وعـلـيــك من الإله ســــــــــلامــا . . . . . . وليعش مجدنا مدى الدهــر سالـم

الثلاثاء 14/12/1965

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- اُعتقل المهندس الشهيد أسعد من قبل النظام الدكتاتوري، مع نشوب الحرب العراقية الإيرانية. وتمت تصفيته في أقبية التعذيب الصدامية.(أالناشر)
1– إشارة إلى قوله في قصيدته لامية العرب الجديدة:
أضاع صوابي عامل غير عالم …… سيسأل عنه عالم غير عامل
2– إشارة إلى قوله في قصيدته ( دمشق وبغداد )
لولا التـفكر في مصير بلادكم …… تا الله ماضـاقت عليّ بــلادُ
إني أبيت لأجـــلهــــا متململا …… قلق الوساد وما لدي وسادُ
ألقشاعم: المسن من الرجال والنسور.
خُرَد: طال سكوته، فهو خارد، جمعها خُرَّد


* * * * * * *





أبـا حسين*

يا رحـلا ورحيـــق الشــوق في فـمه . . . . . . عـذبا يســـيـل تـــرانيمـا وألـحــانـــا
يـــردد الـنغمــــة الــمثلى لــمبــــدئه . . . . . . منـــاه أضحيـــةً يمـسي وقـــربــانــا
يقـــول: لي أســـرة تأريخهــا عــبق . . . . . . مســتافه يـغتــدي بالـفخـــر نشوانـا
خطَ الأوائــل دستــور الكفـــاح لهــم . . . . . . فـمـارســــوه افـانـيـنـــا وألــــوانـــا
* * *
بيت به نكبـــات الــــدهـــر جـــائــلة . . . . . . كالـخيـــل اتخـذت للـركـض مـيدانـــا
فمــن ســـجـون وتشــريـد ومعتــنق . . . . . . حبــل المشــانق لـم يـرهبْ ولا لانــا
مشى إلى الموت مشي الضاريات له . . . . . . أقـوى من المـوت أعلا رفعة شــانـا
ألـقى على رأس جـــلاديه قــــولـتـه . . . . . . (المـوت صـار لقولي الحق برهـانا)
فالمـدعـون وقد ضاق الـخناق بـهـم . . . . . . تراجعــوا يعـلـنون الـتـوب إعــلانــا
أبـا حســيـن ومـا تجــديـك نــدبـتـنـا . . . . . . قــد ابـتـلـينـــا وللتــأريـخ بـلـــوانـــا
اليـــومَ جــددت ذكرى صــارم فغدت . . . . . . تثير لي في طـوايا القلب أشـــجانـــا
* * *
يـا راقــــديـنَ ومـازالت مـآثــرهــــم . . . . . . تــروي على مســمـع الأيـام تبيـانــا
جنى أنـاس ثمــار الـعـيــش ســائغةً . . . . . . بـاسـم النضـال وعشــنا في رزايانـا

الأحد 26/12/1970

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*- هو أخي الأصغر (محمد علي) وقد توفى عام 1970 وكان جسمه عليلا بسبب ما لقي في سجون العهد الملكي وأيام البعث بعد انقلاب 8 شباط 1963 الدموي.


ألناشر
محمد علي الشبيبي
2009-09-03
السويد