الرئيسية » مقالات » ماذا يجري في صفوف القوى الديمقراطية العراقية ؟

ماذا يجري في صفوف القوى الديمقراطية العراقية ؟

أتطرق في هذه المقلة إلى بعض الظواهر السلبية في صفوف الحركة الديمقراطية, واستميح العذر إن بدا في بعض ما يرد في هذا المقال تجاوزا على البعض فليست هي رغبتي هذه بل حرصاً على ما اعتبره ضرورة ذكره لجلب الانتباه إليه:
أولاً: إن ما يجري في صفوف القوى الديمقراطية العراقية يعبر عن فوضى وعجز واغتراب فعلي عن فئات الشعب الواسعة وضعف أمام الواقع القائم, فهي ليست قوى مبعثرة فحسب, بل أصبح البعض منها أو بعض أفرادها لقمة سائغة للقوى الإسلامية السياسية التي تريد ابتلاعها بصيغ مختلفة ومن ثم الإجهاز عليها بطريقة أخرى غير الطرق المقترنة بالعنف, بل عبر الاحتواء. وهكذا ينسلت البعض ليلتحق بقائمة دينية مذهبية معروفة كانت وستبقى تمارس سياسة طائفية تساهم في تعميق الاصطفاف المذهبي والصراع الطائفي في البلاد بالذريعة التالية: باعتباري ديمقراطياً استطيع, حين التحق بهذه القائمة الطائفية أو تلك أن احتل موقع معمم لا خير فيه أو يلحق ضرراً بالمجتمع. أو يقول لنا: لكي أؤثر بقدراتي الفكرية والسياسية بالبنية الفكرية والممارسات السياسية للقوى الإسلامية السياسية, أو يقول: إن من الأفضل لي أن أحتل كديمقراطي الموقع في المجلس النيابي بدلاً من أن يبقى أجتر مواقفي مع بقية القوى الديمقراطية دون الوصول إلى نتيجة منطقية معها. أي أنه لم يعد يرى مفيداً بذل الجهد الحقيقي لتوحيد صفوف القوى الديمقراطية!
وهكذا ينسلخ من جسد القوى الديمقراطية البعض الديمقراطي ليقع في أحضان قوى الإسلام السياسية ويعتقد بأنه قادر على تغييرها. وربما ستلتحق هذه الكتلة أو ذاك الحزب بهذا الائتلاف المذهبي أو ذاك بذات الذريعة مضحياً بكل تاريخه السياسي العلماني ويفقد الموقع الذي بناه طيلة عقود أو سنين غير قليلة.
إن من السذاجة القاتلة أن يتصور البعض بأن في مقدوره تغيير بنية قوى الإسلام السياسية وهي مبنية من حيث المبدأ على أسس مذهبية ووفق قواعد طائفية تريد انتزاع حقوق هذه الطائفة من طائفة أخرى في الإسلام. إنه ألعمي السياسي بعينه إذا حصل مثل هذا الالتحاق, إذ لا يراد منه سوى نشر الغشاوة على عيون الناس لتمرير مثل هذه التحالفات البائسة.
ثانياً: إن ضعف الأحزاب الديمقراطية كان ولا يزال يقود وفي غالب الأحيان إلى سياسات ذيلية وإلى عجز عن التحرك لإعادة بناء القدرات الذاتية, وبالتالي وبدلاً من بذل جهود أكبر لتغيير الأوضاع داخل الحزب ومع الجماهير, تمارس قيادات تلك الأحزاب سياسات لا تتفق مع الأسباب التي دعت إلى تشكيلها, وبالتالي لا تعزز مواقعها, بل تفقد الكثير من قواها الذاتية وينسلت الكوادر منها إلى أحزاب أخرى لأنهم لا يجدون فارقاً بينهم وبين تلك الأحزاب الوطنية. وهذا ما حصل في الحزب الشيوعي الكُردستاني خلال الأعوام المنصرمة وخاصة بعد سقوط النظام ومشاركة الحزب في الحكم بوزير واحد.
والبيان الذي أصدره اجتماع رفاق هذا الحزب في الخارج ومن ثم المقابلة الصحفية التي أجريت ونشرت مع الشيوعي المخضرم كريم أحمد (أبو سليم) والأحاديث التي يتداولها الشيوعيون الكُرد في الداخل والخارج كلها تؤكد صحة ما أقول.
كل زيارة أقوم بها إلى كُردستان أزور مقر الحزب الشيوعي الكُردستاني وأحياناً محلية أربيل أيضاً. وقبل ثلاث سنوات زرت منظمة الحزب الشيوعي الكُردستاني في أربيل حين كانت في مكان واحد مع محلية أربيل وقبل النباء الكبير الذي بني للحزب. والتقيت في حينها بمسؤول الإعلام المركزي لهذا الحزب. أطلعني هذا الرفيق بأن عدداً كبيراً من رفاق الإعلام عندهم في الحزب انتقلوا إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكُردستاني, وذكر لي على سبيل المثال لا الحصر, أسماء عديدة منها على سبيل المثال لا الحصر سرو قادر, وشمال, وكروان عقراوي, وأسو كريم, وفؤاد صديق وآخرون. وهم يحتلون اليوم مواقع مهمة وقيادية في الإعلام المركزي للحزب الديمقراطي الكردستاني. وكنت أعرف هذه الحقيقة قبل ذاك. ثم أخبرني عن أسباب هذا الانتقال التي لا ترتبط بالمبادئ بل بسياسة الحزب ووضع التنظيم والعلاقات الحزبية وأفق التطور للحزب الشيوعي الكُردستاني, إضافة إلى مسألة المال والجاه والنفوذ التي يحصل عليها الشخص حين يكون في الحزب الحليف.
لقد كان أغلب هؤلاء يعملون في إعلام حركة الأنصار الشيوعيين التابعة للحزب الشيوعي المركزي حين كنا في جبال كُردستان, وكنت يومها مسؤولاً عن البعض منهم أو أغلبهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فاستفسرت منه وبجدية متناهية: متى ستنتقل أنت أيضاً إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكُردستاني؟ فابتسم بطريقة تعبر عن بعض العتب, ولكن ليس فيها أي روح احتجاج! سجلتها في ذاكرتي تلك الابتسامة القلقة!
بعد عام من هذا اللقاء زرت إقليم كُردستان ثانية. والتقيت عن طريق الصدفة في بيت صديق مشترك لنا في أربيل بنفس مسؤول إعلام الحزب الشيوعي في كُردستان العراق وبحضور مجموعة كبيرة من الأصدقاء, وأردت الاستفسار منه عما حصل للإعلام في الحزب الشيوعي الكُردستاني خلال الفترة المنصرمة, وإذا بآخرين يخبروني على عجل بأن مسؤول الإعلام المركزي للحزب الشيوعي الكُردستاني قد انتقل منذ فترة قصيرة إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكُردستاني ولأسباب عدة لا تختلف عن أسباب من سبقه واحتل موقعاً مهماً وحصل على امتيازات مهمة!
وبالأمس كتب رفيقي وصديقي منذ أيام الأبعاد السياسي في بدرة في العام 1956 أبو سليم (كريم أحمد الداوود) ما هو محتمل أن يحصل في الحزب الشيوعي الكُردستاني ما لم يغير نهجه وسياسته ومواقفه, إذ يمكن أن يبرز من يبني حزباً آخر ليحل محل الحزب الشيوعي الكُردستاني أو أن تقدم قاعدة الحزب إلى انتخاب قيادة جديدة أو يستمر في هامشيته الراهنة في الحياة السياسية الكُردستانية إن واصل هذا النهج الخاطئ في السياسة وفي العلاقات.
عمم أبو سليم هذه الحالة على الحزب الشيوعي العراقي أيضاً, وأشار إلى مسائل كثيرة تستوجب القراءة الهادئة والجادة والاستفادة منها لمن يريد أن يستفيد فعلاً.
لم “يجفص” أبو سليم هذه المرة, بل قال الكثير من الحقائق بصراحة وشفافية عالية وعلى طريقته المعروفة, وعبّر عن ذلك بقلب ممزق مشيراً إلى حالة التفكك والتدهور في شعبية وتأييد جماهير كُردستان للحزب الشيوعي الكُردستاني على نسبيتها السابقة والتي بدأت مع وجود أبو سليم ذاته على رأس الحزب, لكنه ما كان في مقدوره أن يرى ذلك حين كان مسؤولاً ولا يرى ذلك المسؤولون الحاليون أيضاً.
حين التقيت مع أبو سليم في بغداد خلال سفرتي الأخيرة إلى بغداد, تحدثنا عن أوضاع الحركة الديمقراطية ومصاعبها وعن أهمية حماية المكتسبات التي تحققت في كُردستان من خلال سياسات أكثر واقعية وأكثر حيوية وأكثر انسجاماً مع ما يطلق عليه بفن الممكنات في السياسة.
الجماعة التي انتقلت من مواقع الحزب الشيوعي العراقي إلى مواقع الحزب الديمقراطي الكُردستاني تحتل اليوم مواقع مهمة في الإعلام المركزي لهذا الحزب, ولكنها عاجزة عن تقديم ما يمكن أن تقدمه له في مجال الإعلام, رغم أنها تمتلك كفاءات وقدرات طيبة وذات خبرة مناسبة, رغم حاجتها إلى إعادة التأهيل باستمرار, إذ كلما انتقد هؤلاء المنتقلون سياسات ومواقف وإجراءات معينة في الحزب الديمقراطي الكُردستاني, ذكروهم بتاريخهم الشيوعي, مما دفع ويدفع بهم إلى السكوت المطبق بدلاً من الإصرار على الرأي باستقلالية عالية ولصالح الحزب الديمقراطي الكُردستاني الذي انتقلوا إليه إذ يفترض أن يخلصوا له من خلال ممارسة النقد حين يكون النقد ضرورياً, بل هم يعمدون إلى السكوت وربما التغطية على الأخطاء لتجنب المصاعب الشخصية, وبالتالي أصبح الإعلام المركزي للحزب الديمقراطي الكُردستاني أشبه بإعلام خشبي جامد يفتقد الروح الحية ولا يحمل معه الديناميكية الضرورية المحركة لقواعد الحزب الذي انتموا إليه والمجتمع الذي ينتظر منهم مواقف صادقة في مقابل الامتيازات التي حصلوا عليها بانتقالهم إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكُردستاني. وأدى ذلك إلى خسارة الحزب بسبب ذلك ولأسباب أخرى الكثير من تأييد الأوساط الشعبية. ونتائج الانتخابات الأخيرة يفترض فيها أن تدفع قيادة الحزب الديمقراطي الكُردستاني إلى دراسة العوامل التي قادت إلى هذه النتيجة. وهذه النتيجة تشمل أيضاً الحزب الشقيق له, الاتحاد الوطني الكُردستاني, الذي كانت خسارته ولأسباب أخرى كثيرة حقاً ومعطلة للكثير من طاقاته. وعلى مؤتمرات هذه الأحزاب أن تعيد النظر بأوضاعها جدياً وأن تغير من لا يملك الكفاءة ومن وضع لأسباب عائلية في مواقع المسؤولية في مجالا الحزب والإعلام أو في أي موقع أخر.
لقد كف إعلام الأحزاب الكُردستانية الحاكمة عن ممارسة النقد والنقد الذاتي لحزبهم ولحكومتهم, وهو خلل كبير يفترض أن ينبه الآن قيادتا الحزبين لمراجعة سياساتهما في مختلف المجالات وأن يبدأ العمل الجدي لنقد القضايا السلبية في الحياة اليومية للإقليم والمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية والحياة الحزبية, ومنها السياسة الإعلامية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والعلاقة مع الكادحين الذين كانوا وقوداً دائماً للثورة. ولكن لم تكف الصحف المستقلة أو المعارضة عن ممارسة هذه المهمة وبقة وشجاعة كبيرة وحظيت بتأييد الناس وتجلى في الانتخابات الأخيرة بشكل واضح.
ثالثاً: يفترض في الحزب السياسي المسؤول عن قضية عادلة أن يرفض من يسبح بحمد المسؤولين, إذ يلحق عبر هذا التسبيح أضراراً فادحة بالحزب وبالإقليم وبالوطن, وكذلك بهؤلاء المسؤولين, ومن حقنا لا أن نهمس في آذان المسؤولين وننبههم إلى الأخطاء التي ارتكبوها أو يرتكبونها فحسب, بل أن نتحدث بصوت مرتفع بحيث يُسمع منهم ومن الناس الآخرين من أجل أن يصححوا المسارات أو يتخلوا عن المواقع.
إن الحزب الشيوعي الكُردستاني بحاجة إلى إعادة النظر بسياساته ويضعها وفق أسس سليمة, وعليه أن يفكر بإعادة النظر باسم الحزب أيضاً وبطبيعة المرحلة التي تستوجب مهمات أخرى وتستوجب اسماً يطابق مهمات الحزب الراهنة ولفترة طويلة قادمة.
إنه بحاجة إلى وقفة طويلة وخلوة مع النفس, وأن يثق بأن السياسة المستقلة التي يفترض أن يمارسها لا تلحق ضرراً بإقليم كُردستان أو تعيق توطيد مكتسباته, بل تعززها وتعزز الديمقراطية أيضاً.
إن عدم إعادة النظر بسياسة الحزب ومجمل نشاطه وبرنامجه ومواقفه وكادره يعني استمرار الضعف وخسارة المزيد من أعضاء الحزب والمساندين له والتحول أكثر فأكثر إلى حزب يعيش على هامش الأحداث وعلى المساعدات التي لا تغني ولا تشبع, بل تزيد الحزب ضعفاً وهزالاً.
وعلى صعيد العراق أتمنى أن تدرك القوى الديمقراطية والعلمانية واللبرالية الخطر الذي يتهددها من إعادة بناء البيت الشيعي والبيت السني على أسس طائفية مريضة وجر المزيد من العناصر الديمقراطية إلى المواقع الطائفية حتى أولئك الذين يدعون المتانة الفكرية وكانوا ينظّرون في المسائل الفكرية للديمقراطية طيلة السنوات المنصرمة.
إن هذا الانسلاخ سيزداد يوماً بعد آخر ما دامت القوى البارزة في التيار الديمقراطي عاجزة عن إيجاد لغة مشتركة في ما بينها. وإذا ما ابتلعوا اليوم بعض الديمقراطيين, فغداً يمكن أن يبتلعوا أحزاباً بقدها وقديدها! أرجو وأتمنى أن لا يحصل ذلك, وأن لا يقال لي أن التمني ليس سوى رأس مال المفلس أو العاجز!

2/9/2009 كاظم حبيب