الرئيسية » مقالات » تفجيرات الاربعاء.. فاعلان وثالث ورابع

تفجيرات الاربعاء.. فاعلان وثالث ورابع

بصمتا عصابات القاعدة والفلول المسلحة لحزب النظام السابق واضحة على سطح التفجيرات الاخيرة، سواء في هدفها نحو ثارة الاضطراب الامني وارباك خطط التطبيع والاستقرار، او في نوعها الذي لم يكن ليختلف عن مئات والاف التفجيرات الاجرامية التي سجلت لهما، ومَن ينكر هاتين البصمتين ويقلل من حقائق الانشطة المسلحة لاصحابهما (بصراحة) لا يختلف عن الاخر الذي يقول لا احد آخر غير القاعدة ومسلحي البعث مَن قام بهذه الجريمة الشنعاء، ويغلق الملف على هذا الافتراض، وينافح في الدفاع عنه.
وبعيدا عن سوء الظن ومحاولة ملاحقة الادعاءات ووجهات النظر بالريبة او التخوين، فاننا شهدنا شهدنا على الارض وسمعنا وقرانا الكثير من التصريحات والاراء (ويعنينا منها المشاركة في العملية السياسية) التي انكرت ان يستطيع تنظيمان مسلحان ملاحقان ومنبوذان تنفيذ سلسلة هجمات نوعية في اجرامها، واختراقية في تنفيذها، هي اكبر من قدرتهما العيانية والتخمينية، ما يعني ان (غيرهما) هو الفاعل.
ولم يتوقف بعض اصحاب هذا الافتراض عند إبطال علاقة القاعدة والبعث(المسلح) بالتفجيرات بل تمددوا خارج هذه الفرضية الى توزيع الشبهات بطريقة لا مسؤولة، فيما ظهرت من بين اعطاف وسطور وفواصل بعض التصريحات والانشطة الاعلامية رائحة تصفيات حساب فئوية وطائفية، وبان في بعضها الاخر –للاسف- قلة احترام لدماء الضحايا، واستهتار في التعامل مع محنة وطنية كارثية، وثمة، غير هذا وذاك، روح تشفٍ سياسية بغيضة فاضت حتى من كلمات التعاطف مع الضحايا المدنيين الابرياء.
وفي حين شغلتْ الشكوك في مسؤولية القاعدة ومسلحي حزب صدام حسين حيزا كبيرا في المساحة الاعلامية، فان المجال الاعلامي كان مزحوما(من جانب آخر) في تصريحات وخطب التشكيك في وجود جناة آخرين، وفي الضيق من اثارة الاسئلة حول قدرة الارهابيين من الجماعتين على تحقيق هذا الاختراق الامني، وقد رفضت بعض مطالعات المسؤولين الامنيين وتصريحات مراجعهم الفئوية معلومات (وحتى حقائق) متداولة عن جيوب وعواصم قدمت تسهيلات وخدمات لمنفذي تفجيرات الاربعاء الدامي، ولكن حين كانوا يتهمون جهات اخرى بالتورط في الجريمة المروعة فانهم يحرصون على تسمية تلك الجهات
بكيفية انتقائية تخدم خطابا سياسيا فئويا ولا تفيد الكشف عن الحقيقة.
اقول، ثمة فاعلان لن تخرجهما من دائرة الجريمة محاولات خلط الاوراق، ولن تحصر الجريمة فيهما محاولات اعفاء جناة آخرين من داخل البيت، ومن خارج اسواره.. ومشهد رؤوس وايدي واشلاء النساء والاطفال والمارة لا يبقي للمجاملة مكان:
فالتحليلات الجنائية والسياسية والمنطقية، بالاضافة الى المعلومات، تجمع على علاقة جماعات القاعدة(من العراقيين والمتسللين) والفلول المسلحة لحزب النظام الحاكم سابقا بتفجيرات الاربعاء الدامية، وسلسلة التفجيرات التي سبقتها وتبعتها مما تركزت على القتل المتعمد والعشوائي للمدنيين في البُعد الطائفي، لاثارة الفتنة والاقتتال، وعلى ضرب حلقات تمس الاستقرار والحياة العامة في البعد الامني لارباك خطط فرض القانون المرتبكة اصلا.
ولا يحتاج “اتهام” الجماعتين المسلحتين الارهابيتين بارتكاب الجريمة المروعة الكثير من البيّنات الجرمية والسياسية،إلا بالنسبة للاعبين في ساحة تصفيات الحساب والمشاحنة مع الحكومة ورئاستها، لاطلاق سلسلة من التأويلات التي من شانها تخفيف مسؤولية قوى الارهاب والجريمة المنظمة عما حدث.
وكان سينفع الحقيقة(واستتباب الامن) كثيرا، وسيخفف من الاثار الكارثية للفعل الاجرامي لو ان الطبقة السياسية النافذة في العراق وادواتها وخطابها التزمت الحد الادنى من فروض الانضباط الاعلامي والسياسي، بعيدا عن البحث تحت الانقاض والجثث عن مكاسب فئوية.
وطبعا، كان سينفع اكثر، وسيخفف من الاحباط الشعبي والاحتقان السياسي لو ان الخطاب الامني الرسمي كان متماسكا، في الحدود الدنيا، وراء الصراحة والمراجعة، وحكيما ومهنيا في تقديم المعلومات المقنعة للاعلام والجمهور، بعيدا عن لغة الاقتدار العنترية، وانصاف الحقائق العمومية، ومحاولات التقاذف بالمسؤولية بين مكونات هذا الخطاب.
وإذ توالت مؤشرات ثابتة ازاء مسؤولية القاعدة والبعث المسلح عن تفجيرات الاربعاء، فان ثمة مؤشرات غير قليلة تؤكد “تورط” طرف ثالث من داخل المكوّن الامني، او قريب منه، كان قد قدم تسهيلات ارضية وحركية، ضمنت للمنفذين الوصول الى خاصرة المعادلة الامنية عبر اقنية وحراسات وسيطرات ومنظومات معقدة، وينبغي ان لا يُضم اولئك الموظفين الامنيين، المهملين والفاسدين وفاقدي الحساسية الوطنية، الى صف المتورطين المباشرين ممن نعنيهم بـ”الفاعل الثالث” وان كان الفصل بين اولئك وهؤلاء، وترسيم حدود المسؤوليات من اختصاص هيئات التحقيق، ثم القضاء.
ان الفاعل الثالث، في القراءة الاولى، ليس بالضرورة ان يكون فردا جرى شراء ضميره وتجنيده في حلقة من حلقات الجريمة، بل (وهذا المهم) لا يستبعد ان يكون خلية سياسية مسلحة من افرازات الصراع الطائفي ومرحلة التجييش، وتتمتع بهامش من الحركة والتسهيلات والاندساس، وهو الامر الذي تابعناه في سلسلة من الانشطة المسلحة المتقنة والهجمات الاحترافية واعمال الاغتيال والاختطاف المنظمة والتي تركت اسئلة وفرضيات اكثر مما تركته من بصمات تشي بالفاعل الحقيقي.
والفاعل الثالث الذي يقف وراء تفجيرات الاربعاء، اخطر الجناة، واكثرهم استعصاء على الكشف بالرغم من ان التصريحات والتلميحات الرسمية تشير اليه بين سطر وآخر حين تتحدث عن الخطوط التي تعاونت مع الارهابيين لتنفيذ جريمتهم، حتى ذهب البعض من تلك التصريحات الى القول بانه لم يكن لعصابات القاعدة وفلول النظام السابق المسلحة ان تنفذ عملية اختراقية بهذا الحجم لولا مساعدة تلقتها من آخرين.. ولم يكن ذلك-طبعا- بمثابة زلة لسان.
وبحثا عن ملامح الفاعل الرابع علينا ان نعود الى تصريحات وتلميحات رئيس الوزراء والخطاب السياسي والاعلامي الحكومي المركزي، قبل تفجيرات الاربعاء الدامية وبعدها، حول علاقة دول مجاورة في تصدير العنف الى العراق،في الغالب من غير ان يشار لها بالاسم، ليصبح لدينا فاعل رابع متورط في الجريمة جنب القاعدة، البعث المسلح والجيوب الملغومة، وقد شاركت التصريحات الامنية في بغداد والبصرة والموصل والكوت والانبار، في تكوين بعض ملامح هذا الجار المتورط في تمويل الارهاب المنفلت بالمقاتلين والاموال والمساعدات اللوجستية والاعلام “المبطن”.
لكن ملامح هذا الجار تشحب، وتتبلبل، مع كومة الاتهامات التي تنبري الفئات السياسية في اطلاقها لجار محدد دون غيره، السعودية او ايران او سوريا، ولا يخفى ان لبعض الاتهامات هنا خلفية طائفية، في حين يشارك الاعلام المتحيز، المحلي والاقليمي، في هذه البلبلة بترويجه روايات، يفتقر الكثير منها الى المصداقية والدقة، عن خطط ومؤامرات ومسؤولين وجيوب ومعسكرات ووقائع واموال مكرسة لابتلاع العراق او التاثير على خياراته او منعه من توطيد الاستقرار واعادة البناء من قبل هذا الجار او ذاك، او غيرهما.
والنتيجة، غير المشكوك في دقتها هي التالي: يتسلل العنف(بكل مفرداته) الى العراق باساليب مختلفة من جميع الدول المجاورة، دون استثناء، بتدخل حكومي منهجي او تساهل حدودي او من خلال حشوات سلاح واموال لجماعات موالية، او عبر غض النظر عن التجييش ضد الاستقرار في العراق، وفي عدد من الدول المجاورة تتولى خطوط متنفذة، متعاطفة مع الارهاب، تجهيز اعمال الدعم المنظم بالرجال والسلاح، هذا لا يسقط حقيقة ان نخبا حاكمة في دولة مجاورة او اثنتين(الكويت والاردن) لا مصلحة لهما في تدمير استقرار العراق ولم تسجل عليهما شبهة استخدام الاراضي العراقية ميدانا
لتصفية الحسابات مع دول اخرى، فيما تقوم بهذه الانشطة خلايا محلية معارضة.
ومنذ الساعات الاولى لحادث تفجيرات الاربعاء وُضعت مفردة الفاعل الرابع، المجاور، على سطح الشكوى الرسمية والبرلمانية، واحتلت الاشارات الرسمية الى سوريا بالاسم، مكانا على هذا السطح، بالرغم من انه لم يمض إلا يومين على زيارة رئيس الوزراء الى دمشق والحديث عن جدية التعاون السوري لضبط حدود البلدين ازاء تسلل الارهابيين، لكن الجملة الاتهامية هنا (بما فيها ما ورد على لسان المتهم الرئيسي بالتفجيرات)تركت هي الاخرى فراغا لعنوان براءة دمشق الرسمية من ظنة التورط، في حين شكلت البيانات الامنية عن تفكيك قواعد صواريخ وترسانات اسلحة منقولة من
ايران او مصنوعة هناك لصالح جماعات مسلحة فاصلة اخرى في بناء التصور الظني للفاعل الرابع الذي بقي قيد التدقيق ما اذا كان حكوميا او شبه حكومي او مستقل، او لا هذا ولا ذاك.
النظرية سليمة وعقلية ولا تُدحض تلك التي تقول ان عملية الاربعاء اكبر من “قدرة” الجماعات المحلية الارهابية، وان الدعم الخارجي لها غير مشكوك فيه، وان ثمة فاعل رابع وراء توريد مستلزمات وتقنيات المذبحة.. وان التحقيق القانوني الجدي والنزيه والاحترافي واللافئوي واللاكيدي واللامُسيّس واللاخائف واللاتابع هو صاحب الكلمة الفصل في تسمية هذا الفاعل المؤكد.. فاين هو؟.
ـــــــــــــــ
كلام مفيد:
“النجاح معلم سئ.. احيانا”.
بيل غيتس