الرئيسية » شؤون كوردستانية » ماذا ستجنيه تركيا من حلِّها للقضيَّة الكرديَّة

ماذا ستجنيه تركيا من حلِّها للقضيَّة الكرديَّة

العلاقة الكرديَّة _ التركيَّة، عميقة ووشيجة، تدخَّلت في تشكيلها الجغرافيا والتاريخ والمصالح، والدين المشترك، ومن الصعوبة فصل عُراها. كلَّما كان الأكراد إلى جانب الأتراك، كان هؤلاء، الفاتحون والناجحون والمنتصرون في الحروب. وأقلُّ دليل يعطيه التاريخ على ذلك، هو تحالف الأكراد، بقيادة الشيخ إدريس البدليسي مع الباب العالي في الاستانة ضدّ الصفويين، ما أدَّى إلى انتصار العثمانيين في معركة تشالدران الشهيرة سنة 1514 على الصفويين، وامتداد الإمبراطوريَّة العثمانيَّة شرقاً. وكان الأكراد، في بدايات عهد السلطنة العثمانيَّة وحتَّى سنة 1880، يتمتَّعون بالاستقلال الذاتي، ولديهم إماراتهم المستقِّلة، التابعة للمركز العثماني، كالإمارة المروانيَّة في آمد/ دياربكر، والبدرخانيَّة في جزيرة بوطان، والإمارة البابانيَّة في شهرزور والسليمانيَّة وكركوك…الخ. حتَّى أن مناطق الأكراد، كانت تسمَّى كردستان في الوثائق الرسميَّة السلجوقيَّة والعثمانيَّة أيضاً. وصولاً لحقبة حرب التحرير بقيادة مصطفى كمال باشا (أتاتورك)، وإعلان الأخير للجمهوريَّة التركيَّة الحديثة سنة 1923، أيضاً استعان أتاتورك بالأكراد، كأكراد، وكقوميَّة مستقلَّة، في بناء الدولة، بعد أن أعطاهم وعوداً بأنَّ الدولة الحديثة، ستكون شراكة تركيَّة _ كرديَّة. وأيضاً، وقف الأكراد إلى جانب أتاتورك، وأبطلوا مفعول اتفاقيَّة سيفر، مطلع العشرينات، التي كانت تنصُّ على منح الأكراد والأرمن استقلال ذاتي. تلك الاتفاقيَّة، كانت ترمي لتقسيم المتبقّي من التركة الجغرافيَّة والبشريَّة للسلطنة العثمانيَّة. وعليه، الأكراد في تركيا، وفي كل مكان، ميَّالون إلى العيش الوطني، وترجيح الكفَّة الوطنيَّة على الكفَّة القوميَّة، ولا يرجُّحون خيار الانفصال، ما لم تغبن القوميَّة السيّدة حقوقهم، وتضطهدهم، فتدفعهم للتمرُّد والعصيان والثورة، والارتماء في أحضان الجبال وحمل السلاح ضدَّ قامعيهم. فمنذ انتفاضة الشيخ عبيدالله النهري سنة 1980 ضد السلطنة العثمانيَّة، ولغاية إعلان حزب العمال الكردستاني الكفاح المسلَّح ضد تركيا في 15/8/1984، وأكراد تركيا في انتفاضات وعصيانات وثورات. ونجحت السلطنة، ومن بعدها الجمهورية، في سحق كلِّ الثورات الكرديَّة، ما عدى الثورة الأخيرة، التي فشلت تركيا في سحقها، رغم الدعم الأميركي والإسرائيلي والأوروبي والإقليمي، وحتَّى الكردي لأنقرة.

الآن، وبعد مضي 25 سنة على الانطلاقة المسلحَّة لأكراد تركيا، لا الأخيرة نجحت في تصفية الحركة الكرديَّة من الداخل والخارج، عبر المؤامرات والدسائس، بعد اعتقال زعيمها، ولا الحركة الكرديَّة نجحت في تدمير الآلة العسكريَّة التركيَّة. الجانب الكردي، ومنذ آذار مارس 1993، وهو يبدي مبادرات سحن نيَّة، وأعلن عن وقف لإطلاق نار ست مرَّات. آخرها، ما هو معمول به من قبل العمال الكردستاني منذ 21/3/2009 ولغاية لحظة كتابة هذه المقالة. لكنّ الردَّ التركي، كان في السابق؛ (ألاَّ أكراد في تركيا. هم أتراك الجبال. ونتيجة إصدار خطواتهم على ثلوج الجبال صوت “كارد _ كورد” سُمّوا بالكُرد). وفي مطلع التسعينات، على زمن الرئيس الراحل تورغوت أوزال، اعترفت تركيا بأكرادها. لكن، رفضت وجود قضيَّة كرديَّة في تركيا. وقالت أنقرة وقتئذ: إنَّها قضيَّة إرهاب، سيحسمها الجيش خلال 24 ساعة. وهذه الأربع والعشرين ساعة، غدت 25 سنة، ولا زالت دماء الأشقاء الكُرد والتُرك تسيل، وأعين أمَّهات المقاتلين الأكراد والجنود الأتراك، لا تجفُّ دمعاً. فيما بعد، قالت تركيا؛ هنالك قضيَّة، وسنحلُّها سلميَّاً وديموقراطيَّاً، ولن نتفاوض مع الإرهابيين. ومضى على هذا القول، ما يزيد عن خمس سنوات، ورحى الحرب دائرة. وبعد فشل الاجتياح العسكري التركي لكردستان العراق في 20/2/2009، وبعد الفوز الكاسح لحزب المجتمع الديموقراطي في الانتخابات البلديَّة التي جرت في مارس آذار الماضي، وحصوله على نسبة عالية من الأصوات الكرديَّة، وأخذه لبلديات هامَّة من يد الحزب الحاكم، وبعد زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لتركيا، واجتماعه بزعيم الحزب الكردي، وبعد موافقة الخارجيَّة الأميركية على فتح مكتب للحزب الكردي المذكور في واشنطن، وبعد استنفاد تركيا لكل وسائل الانكار والقمع، اضطرَّ رئيس الحكومة، وزعيم حزب العدالة والتنمية للجلوس مع زعيم حزب المجتمع الديموقراطي أحمد تُرك، قبل أيَّام، للتباحث حول سبل حلّ الملفّ الكرديّ سلميَّاً.

لا شكَّ أنَّ الخطوات الأخيرة لحكومة اردوغان، وانشغال الرأي العام التركي بها، واهتمام كتَّاب الأعمدة في الصحافة التركيَّة بهذه الخطوات، تلقى ترحيباً كرديَّاً، وتوحي بمناخ من التفاؤل حيال اقتراب حلّ وشيك للقضيَّة الكرديَّة في تركيا. إلاَّ أنَّ هذا التفاؤل، يشوبه الحذر والقلق، من أن قنوات الاتصال التي فتحها أردوغان مع العمال الكردستاني، ولو بشكل غير مباشر، قد تكون مقدِّمة لاستيراد السيناريو السيرلانكي إلى تركيا، وكيف كانت كولومبو تتفاوض مع نمور التاميل، ثمَّ انقضَّت عليهم، دون رحمة. وهذا ما حذر منه الزعيم الكردي عبدالله أوجالان، الأسير في جزيرة إمرالي، في لقائه الأخير مع محاميه.

في وضعٍ، كالوضع التركي، الذي تربَّى فيه المجتمع والرأي العام، على الانصياع التَّام للعسكر، وتبنِّي منطقهم في حسم الملفَّات السياسيَّة. وفي بلدٍ كتركيا، بقيت فيها القضيَّة الكرديَّة محطَّ إنكار وقمع وصهر قومي وسياسي وثقافي خمس وثمانين سنة، ما جعل هذه القضيَّة لغماً موقوتاً، يخشى أعتا عتاة السياسة التركيَّة الاقتراب منه، أو المطالبة بتفكيكه. في وضع كهذا، بديهيٌّ أنَّ إلقاء ولو سنتيمتر واحد باتجاه الاعتراف بوجود القضيَّة الكرديَّة، والمضيّ، ولو بخجل أو حذر لحِّلها، أن يعتبر خطوة نوعيَّة وبل تاريخيَّة في الحياة السياسيَّة التركيَّة. حلُّ القضيَّة الكرديَّة، يتطلَّب قادة شجعان وتاريخيين، من طينة مصطفى كمال أتاتورك. لكنَّ بصيغة عصريَّة وحداثويَّة جديدة، قوامها الانفتاح والتنوُّع وقبول ثقافة الاختلاف، وتعدد الهوِّيَّات. تركيا بحاجة، لأتاتورك جديد، يعيد إنتاج تركيا، على أسس ومبادئ جديدة، بعيداً من الاستعلاء والغطرسة القوميَّة والعنصريَّة. أتاتورك، لا يجد أيّ حرج أو غضاضة أو خشية أو قلق من الجلوس مع الزعيم الكردي أوجالان لحلّ مشاكل تركيا، إذا كان فعلاً يهمُّه مصلحة تركيا. فالمخاطب الحقيقي بهذا الخصوص، والذي تخاف تركيا التحاور معه، هو أوجالان. وإلقاء خطوة كهذه، ليس انتقاص من شأن وهيبة تركيا. لا أبداً. بل سيجعلها منارة ومنصَّة للديموقراطيَّة في الشرق الأوسط والعالم. ناهيكم، أنَّ تركيا، آن لها أن تلقي خلفها الماضي الإنكاري، وتكفُّ عن نزعة الاستعلاء القومي، الذي وصل ببعض التيَّارات السياسيَّة لحدِّ الفاشيَّة. وآن لها أن تتعظ من الدرس الجنوب أفريقي، وتجربة نيلسون مانديلا، وأن تتعظ من تجربة إسرائيل وتحاورها مع زعيم المنظمة “الإرهابيَّة”، “الإرهابي”، القائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وأن تتعظ من التجربة الإيرلنديَّة والتحاور مع “الإرهابي” غيري أدمس، زعيم الشينفين. وعليه، إنَّ طريق حلُّ القضيَّة الكرديَّة، يمرُّ من جزيرة إمرالي. وهذا ما أشار إليه كتَّاب أتراك كُثر، كالكاتب التركي القومي، أوطورغل أوزكوك، حين طلب السماح له للذهاب إلى جزيرة إمرالي واللقاء بأوجالان. والكاتب في صحيفة “ملليت” حسن جمال، هو أيضاً أشار إلى أهميَّة رأي أوجالان في حلُّ القضيَّة الكرديَّة. وفي هذا السياق أيضاً، كتب الكاتب اللبناني والخبير في الشؤون التركيَة، الدكتور محمد نورالدين في جريدة “الشرق” القطريَّة يوم 9/8/2009، مقالاً تحت عنوان: “عقدة أوجالان.. حقيقة أم ذريعة؟”، طرح فيه تساؤلاً حقيقيَّاً ومصيريَّاً وجوهريَّاً، هو: “هل يمكن لأي حل أن يتجاوز موقع أوجالان ودوره وتأثيره على الأكراد؟. بتقديري ومن مجمل التجارب والوقائع السابقة الجواب هو: لا. وعلى هذا فإنه في ظل رفض اعتبار أوجالان هو المحاوَر فإن أية مبادرة تجاه الأكراد لن تشهد أي نجاح وهو ما يجعل كرة المشكلة الكردية في تركيا تدور وتدور وتدور في مكانها إلى ما شاء الله، وكل ما يجرى من نقاشات داخلية يخلو من أي مضمون جدي.”.

حاصل القول: الأتراك أقوياء بالأكراد. بهم تعاظموا تاريخيَّاً. وما يجمع الشعبين، أكثر مما يفرِّقهما. فسلك الطريق الصحيح لحلِّ القضيَّة الكرديَّة، سيوفِّر المزيد من الوقت والدماء، وسيعطي دفعاً قويَّاً لتركيا نحو طموحها الأوروبي، ونفوذها الشرق أوسطي. حلُّ أنقرة للقضيَّة الكرديَّة، سيجعلها الأنموذج لحلَّ القضيَّة الكرديَّة في سورية وإيران أيضاً. وأكثر من ذلك، سيجعل تركيا ممسكة، بأهم وأخطر ورقة، لطالما كانت تُستخدَم ضدَّها سابقاً، وهي الورقة الكرديَّة. وهذا ما يخشاه محور طهران _ دمشق، دون الإفصاح عن هذه الخشية. بالنتيجة، مهمَّة إحلال السلام في تركيا، وطيّ صفحة 25 سنة من الحرب، هي أصعب بكثير من الاستمرار في الحرب لـ25 سنة أخرى. أمام أردوغان مهمَّة تاريخيَّة، ينبغي أن يتصدَّى لها، دون مواربة أو تحايل. وإذا وضع أردوغان قطار حلّ القضيَّة الكرديَّة على سكَّته الصحيحة، ليعلم أنَّ ليس أكراد تركيا، بل كلّ الأكراد في العالم سيكونون معه، ويصفِّقون له.

كاتب وصحفي كردي
http://www.pcdk.org/pcdk/index.php?sid=3753