الرئيسية » مقالات » أبا هادر يليق بك المنبر

أبا هادر يليق بك المنبر

رحل أحد العماليق بعد أن أتمّ رسم قوس الحياة … قوس قزح الحياة الفلسطينية. شفيق الحوت (أبا هادر): البيت في يافا “عروس البحر”، وقد خرجتَ منه غلامٌ غرٌّ … هادرٌ كبحر يافا، أسست على النكبة الفلسطينية والقومية سيرة حياتك كلها وحتى الرمق الأخير … مناضلاً وخطيباً يليق بك المنبر وقلماً أيما قلم، ومؤرخاً شواهده كثيرة وغنيّة، حالة نوعية من الإحساس العالي بالالتزام والنبل والحكمة، موغلاً بالإرادة والألم والحزن والكفاح الصلب والعنيد، مؤكداً حضوره الدائم بعد الرحيل، ذلك الحضور الطاغي الذي لم تطاله الشيخوخة والمرض ولا الرحيل، الإرادة التي لن يطالها الفناء، يا لهذه العودة إلى الوطن الذي لم يفارقه، وقد استملكها وإلى الأبد … استملكها حياة تحيا … تورق وتزهر … ودمه وروحه في كل قلب فلسطيني … كلماتي تتراصف حين استعيد طيفه الذي يليق به المنبر …
أبا هادر … يا حضرة القاموس … سلمتنا المحبرة الفلسطينية الحمراء، لنغمس الريشة في ثنايا القلب … وتُبهرنا نبضةً .. نبضةً .. نبضةً …
أبا هادر … كسفينة كنعانية قديمة، استردها الله إلى مينائه … وكلّ يوم في فلسطين مذبحة …
تبللت بالدموع …
وكل يوم في فلسطين انتفاضة …
تنقعت بالدماء …
فأين الموت ؟! …
وأطفالها ينضجون مبكرين …
الأبناء البررة …
يصيرون أناشيداً …
وأسماء شوارع …
وأضرحة شهداء …
الصهاينة يترصدون حياتك القادمة …
كن حذراً …
وأنت تُبشر بالقادم من الأيام …
ترتق الجروح المتقيحة من جسد الوطن المدمى …
من كربلاء … وذئابهم على التلال وقرب النهر … يا للهول الكارثة …!
في فضاءات الزيتون … حبات النجاة … لنسبح بحبات الزيتون.

• • •

أبا هادر
اعتلي المنبر الذي يليق بك … وتلمس جراح يافا ونوارسها المفجوعة … النوارس التي طالما اتكأت على مرفقيك …
لم يسترح بوحك حتى انسكب الحنين، وأنت في ركاب الوجد رحلة العمر … قرنفل الوجد لا يفنى … تعال سنحضر لك المنبر ولفيف الأحبة والشهداء … وبعض دموع النعناع والفلّ … تعال بلغتك الفصحى رغم مناخ السياسة العامية والأمية الطاغية بفصل شطر الوطن عن الوطن …
أبا هادر …
المشروع الرائد يلد رايته مروراً بالقدس …
أبا هادر …
أحد حراس ثغور التاريخ الفلسطيني … حراس الثغور الوطنية والثقافية … ترتفع معه الذات من مرتبة إلى مرتبة علوية …
نور يستضاء به … نتاج المرحلة التي ظهرت بها روح الأمة وضميرها فلسطين …
أبا هادر …
حدثنا عن يافا … عن زرقة سماوات الله بعينيّها … ما أسرَّ هدير البحر في جنات يديّها … وتصحح: البحر يمنح السماء زرقة الأزرق … يمنح العرب سحاباً ومطر …
حدثنا والضاد تبكي في هذا القحط الممتد من الماء إلى الماء … حدثنا عن هذا الخراب الفسيح: فأنى توجهت ثمة وجه الخراب …
وحداء القوافل في منعطف الدخول يبدل لحن الهوى … قبل التسبيح بحمد الذين اقتلعوا بلاداً … وسبوا عباداً … وداسو رقاب … فاليوم خمرٌ … وغداً خمرٌ … وأمر ما بعد غدٍ متروكٌ للذئاب …
فأعد للتاريخ العربي هيبته المسروقة …

• • •

أبا هادر …
قاموس البحر … المرجان المرتب بالفطرة … غموض العمق … رحابة أفكار الفيروز …
ارميني في البحر تجدني مُطلاً على يافا … فناراً يستدل عليه القمر … ارميني في البحر مداً أو جزر …
حين يرشفني الهوى وزعني ليلة العودة مع الأماني … وزعني شيئاً من الشوق على الابتهاج …
واستقبل العشاق حيث تكون بوصلة العودة … محض الحب الأبدي …