الرئيسية » مقالات » حوار حول العلمانية في العراق – مع الدكتور عبدالخالق حسين

حوار حول العلمانية في العراق – مع الدكتور عبدالخالق حسين

د. عبد الخالق حسين : الجهات المعادية للعلمانية هي المهيمنة على وسائل الإعلام



يشير الباحث والكتاب الدكتور عبد الخالق حسين إلى إن العلمانيين العراقيين لم يحصلوا على موقعهم الذي يطمحون إليه، فالطموحات كبيرة، والإمكانيات محدودة، وتحقيق الطموحات يعتمد بالأساس على ظروف المرحلة التاريخية والتحوّلات الاجتماعية. فهناك نكوص وتراجع في التحوّلات السياسية والاجتماعية والحضارية وتقهقر إلى الوراء، ليس في العراق فحسب، بل وفي جميع دول العربية والإسلامية ليست في صالح العلمانية… كان لنا معه هذا الحوار:


* كيف تنظر إلى الخارطة السياسية العراقية الجديدة والتحالفات التي بدأت تنشأ وتقوم؟ وهل تتوقع استمرارية هذه التحالفات؟
– على العموم ستستمرّ هذه التحالفات دون تغيير كبير وذلك لأسباب عديدة، منها الخلافات العميقة بين قوى العلمانية، وهذه لها جذورها التاريخية العميقة، مثل الصراع بين التيار القوميّ العروبيّ والتيّار اليساريّ والتيار الليبراليّ. فكلّ هذه التيارات في خصام أيديولوجيّ عميق فيما بينها، إضافة إلى ضعف الدعم المادّيّ للقوى والأحزاب العلمانية. بينما قوى التيار الإسلاميّ تتمتّع بنوع من الانسجام النسبيّ فيما بينها، وتعرف أنّها في حالة فرط تحالفاتها ستخسر السلطة التي هي في قبضتها الآن، إضافة إلى تمتع القوى الإسلامية بالإمكانيات المادية الهائلة وما تتلقاه من دعم من جهات أجنبية.


* ما هي الإمكانية المتاحة لإعادة تشكيل الوعي السياسي العراقي على ضوء مقولات المواطنة؟
– مقولات المواطنة لا تعمل لوحدها، خاصة وأنّ الجهات المعادية للعلمانية هي المهيمنة على وسائل الإعلام، بالإضافة إلى المؤسسات الدينية ودور العبادة مثل الحسينيات والمساجد وغيرها، مستغلين حتى المناسبات الدينية مثل العاشوراء وغيرها للسيطرة على الجماهير وتغييب وعيها وتضليلها وبالتالي جعل الخرافة تتغلب على المقولات الوطنية. فتبني مقولات المواطنة والعلمانية يحتاج إلى وعي وطني وثقافة، بينما الإسلاموية تتفشى في غياب الوعي وتفشي الجهل.


* صراع الهويات، هل هو البديل الطبيعي لصراع الحضارات بحكم راهنية الواقع المعاش؟
– ماذا تقصد بصراع الهويات؟ فإذا كنت تعني بالهويات، الانتماءات الأثنية والدينية والطائفية، فهذا الصراع نعم موجود الآن داخل البلد الواحد مثل العراق ومصر ومعظم البلدان العربية والإسلامية مع الاختلاف في درجة حدّة الصراع. أمّا ما يسمّى بصراع الحضارات، فالتسمية في رأيي خاطئة، ولكن الصراع موجود، إلا أنّه ليس بين الحضارات بل بين الثقافات، لأنّ الحضارة أوسع من الثقافة والتي هي الموروث الاجتماعي للشعوب Culture ، بينما الحضارة البشرية هي واحدة، ساهمت في صنعها ونموّها وتطورها جميع الأمم، كل منها بقدر وفي مرحلة تاريخية معينة، وتسمّى الآن بالحضارة الغربية، لأن الدول الغربية هي الأكثر تطوراً وأكثر مساهمة في تطور هذه الحضارة وتقدمها. والصراع بين الثقافات موجود بين الشعوب في الوقت الحاضر وبشكل محتدم لا يمكن نكرانه. وما هذا الإرهاب المتفشّي في العالم الإسلاميّ خاصة، وفي العالم عامة، إلا دليل على هذا الصراع الذي يغذيه الإسلام السياسيّ ضدّ ما يسمى بالحضارة الغربية. وقد وضع التيار الأصولي الإسلامويّ المتشدّد الشعوب العربية والإسلامية في صراع غير متكافئ مع العالم.


* هل استطاع العلمانيون تبوّأ موقعهم الذي يطمحون إليه خلال السنوات الخمس الماضية ؟
– بالتأكيد لم يتبوّأ العلمانيون العراقيون موقعهم الذي يطمحون إليه، فالطموحات كبيرة، والإمكانيات محدودة، وتحقيق الطموحات يعتمد بالأساس على ظروف المرحلة التاريخية والتحوّلات الاجتماعية. فهناك نكوص وتراجع في التحوّلات السياسية والاجتماعية والحضارية وتقهقر إلى الوراء، ليس في العراق فحسب، بل وفي جميع الدول العربية والإسلامية، وهذه الظروف هي ليست في صالح العلمانية. وسبب نكوص العلمانية وتراجعها لا يعود إلى قصور العلمانيين في نضالهم، بل إلى تعقيدات المرحلة الراهنة التي تمرّ بها دول المنطقة حيث اجتاحها منذ ثلاثة عقود تصاعد المدّ الإسلاميّ والذي يعود إلى سلسلة من الأسباب، أشبه بتساقط قطع الدومينو، كل قطعة تسقط التي أمامها، ويمكن إيجازها كما يلي:
1- فشل الحكومات العربية شبه العلمانية في حلّ المشاكل المعيشية لشعوبها.
2- تفاقم المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الجماهير، بسبب الانفجار السكاني، مصحوباً بتردّي الوضع الاقتصاديّ، يعني (المالثوسية)، وغياب البرامج العلمية لدى الحكومات العربية ومنعها مشاركة الجماهير وأصحاب الخبرة في حلّ هذه المشاكل.
3- تصاعد نشاط الإسلام السياسيّ المدعوم بالثروات النفطية الهائلة وخاصة الخليجية، فاستغلّ الإسلام السياسيّ معاناة الجماهير الواسعة فرفع شعارات ديماغوجية مثل: (الإسلام هو الحل، والقرآن دستورنا، والرسول قائدنا)، وتمجيد الماضي والتراث، علماً بأنّ الخلفية الاجتماعية للشعوب العربية خصبة ومهيّأة مسبقاً لتقبّل مثل هذه الشعارات والإيحاءات والمقولات، وإلقاء اللوم في معاناة الجماهير على العلمانية، بدلاً من إلقائها على الحكومات المستبدة.
4- التحالف غير المعلن بين الحكومات العربية والمؤسسة الدينية في اضطهاد القوى العلمانية والديمقراطية والليبرالية من أجل إضعافها، واحتكار السلطة من قبل الأنظمة السياسية العربية، مثل الحملة الإيمانية التي رفعها صدام حسين في السنوات الأخيرة من حكمه…
كلّ هذه الأسباب مجتمعة جعلت المرحلة ليست في صالح القوى العلمانية في الوقت الراهن على الأقل.
وشكراً.