الرئيسية » مقالات » سورية والتجربة التركية

سورية والتجربة التركية

ليست الحكومة السورية في وارد الإقرار بفشل سياساتها الداخلية، كما أنَّها ليست في وارد الإقرار بفشل تطبيقِ المخططات والنماذج المُستورَدَة، ابتداءً بالمخطط السوفياتي، وليسَ انتهاءً بالنموذج الصيني، فما يهمُّ الحكومة هو استمرارُ مؤخرات الوزراء على الكراسي نفسها ( مع إعادة انتشار لا تذكر للوزراء بين الكراسي تلك بين الفينة والأخرى )، أمَّا البلادُ، فلتذهبْ بملايينها العشرين للجحيم.
مناسبةُ القول، ما نشرته وكالةُ الأنباء السورية الرسمية ” سانا ” قبلَ أيام، عن انعقاد ورشةِ عملٍ في هيئة تخطيط الدولة بدمشق، بعنوان ” إطارُ العمل المؤسسي والمنهجي للتخطيط الاستراتيجي في تركيا “، والتي ركَّزَتْ بحسب المصدر على ” تجربة الحكومة التركية في مجال التطوير والتنظيم المؤسسي والتخطيط الاستراتيجي “، وتأتي أعمال الورشة بحسب وكالة أنباء سانا في إطار التعاون بين هيئتي التخطيط في البلدين، ضمنَ مشروع الدعم الفني، لتنفيذ الخطة الخمسية العاشرة في سورية.
جميلٌ أن تلجأ دولةٌ إلى نماذجَ ثَبُتَ نجاحها أو تراها ناجحةً، ولكن الأجملَ أنْ يوضَّحَ لمواطني الدولة لماذا هذه الهرولةُ الدائمة بين النماذج واستيرادها، ثمَّ إهالة التراب عليها على عُجالة، ووأدها في مقتبل استيرادها، فنحنُ السوريون لمْ نفهمْ بعدُ، لماذا تمَّ الاستغناءُ عن النموذج السوفياتي؟. ولماذا تمَّ اللجوءُ إلى النموذج الصيني والاستغناءُ عنه؟. ولماذا تمَّ الاستنجادُ بهيئة فرنسية من أجل الإصلاح الإداري وذهبت نتائجُ أعمالها وتوصياتها واقتراحاتها مع الريح؟. ولماذا نهرعُ اليومَ إلى احتضان النموذج التركي، ونصفق له، ونقيمُ له ورشة عملٍ تعريفية؟. وإذا استمرَّ الأمرُ على هذا المنوال لن نوفر نموذجاً أو تجربة في العالم إلا ونستوردها، من تجربة قبائل الزولو إلى تجربة جزر القمر!!!.
ما يبعثُ على القلق، أنَّ التجارب المستورَدَة والنماذج المُستورَدَة لا تُعمِّرُ طويلاً في سوريا، إذْ أنْ حكومتنا المُوقرة تنكحُ عليها ما طابَ من التجاربِ والنماذجِ مَثْنَى وثَُلاثَ ورُبَاعَ، فسوريا التي قَضَتْ عُمراً ماراتونياً في تطبيق النموذج التخطيطي السوفياتي ورمته بعدَ عقودٍ في سلَّة المُهملات، صارتْ مؤخراً أشبهَ بمضمارٍ لألعاب القوى يُسلِّمُ فيه نموذجٌ الأمانةَ لنموذجٍ آخر، ويُقفلُ راجعاً إلى بلاده سليماً مُعافى، وسرواله بخيرٍ، وحذاءه بألفِ خير.
والمُلفتُ في جذب الحكومة السورية لنماذجِ وتجارب الآخرين، واعتمادها تطبيقاً لبُرهات زمنية مُتفاوتة، هوَ أنَّها لا تتحدثُ حينها مُطلقاً عن الخصوصية السورية، ذلكَ المنطقُ الذي نصطدمُ به حينَ يتمُّ الحديثُ عن الديمقراطية أو التعددية أو قانون الأحزاب السياسية أو الإصلاح أو التحول الديمقراطي، وفاقاً لذلك إذا ما أردنا العزفَ على وتر مقولة ” الخصوصية “، نسألُ: هل كل نموذجٍ مُصطفى ومَجلوب، ولدَ في بلده الأصل مُراعياً خصوصياته، قابلٌ للتطبيقِ لدينا؟. أينَ – والحالة هذه – خصوصيتنا التي تتحدثُ عنها حكومتنا الفاضلة بكرة وأصيلا؟.
استنجادُ دولةٍ بتجربةٍ مُتَّبعة في دولة أخرى، يعني أنها ترى في التجربةِ تلك إجابات شافية على الأسئلة التي تواجهها، وحلولاً عملية للمُعضلات التي تؤرقها، وإلا فإن جذبَ التجارب والنماذج المطبقة واستيرادها سيتحولُ إلى مجرد بطرٍ وتفكُّه، وإضاعةً للفرص والوقت والمستقبل على البلاد والعباد، وهذا اللجوءُ السوري إلى التجربة التركية والمخططين الاستراتيجيين الأتراك كافٍ لإحداثِ نقلات نوعية في سوريا على مستوياتٍ عديدة، ولكنْ شريطة أنْ يتمَّ الأخذُ بجميع جوانب التجربة التركية، دونما انتقائية أو مزاجية أو اختزالية أو حديثٍ عن ” الخصوصية السورية “، أما الاقتصارُ مُجدداً على الأخذ بالتجربة الاقتصادية وتجربة التنمية في تركيا فقط، فمن شأنه تركُ هذه التجربة أيضاً في العراء، إذْ لا يُمكنُ فصلُ المسار الاقتصادي عن المسارات الأخرى في البلاد، وقرأنا قبلَ أيام تصريحاً لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، يقرنُ فيه نهوضَ تركيا الاقتصادي بالحلِّ الديمقراطي للقضية الكوردية، كما أنَّه باتَ معلوماً من تجارب الآخرين أنْ لا تنمية حقيقية بدون ديمقراطية.
وإذا كانت الحكومة السورية تتجه قدماً نحو تبني التجربة التركية، فإنها تجربة يمكن استلهام العديد من النقاط الإيجابية منها، رغم أنها تجربة مثقلة بالعديد من السلبيات والثغرات، ولا تزالُ في مرحلة الحبوِّ، ولم تتضح معالمها، وفيها العديد من المناطق الرمادية. فيما يلي بعضُ النقاط الملفتة في التجربة التركية التي من شأنها إحداث قطيعة مع الراهن السوري :
تُخبرنا التجربة التركية أو النموذج التركي، أنَّ البلاد كانت تعاني من نظام الحزب الواحد، منذ تأسيس الجمهورية وحتى 1950 ، حيث شهدت البلاد الانتقالَ إلى الطور التعددي السياسي، فأصبح في البلاد برلمانٌ منتخبٌ ديمقراطياً، وأحزابُ معارضةٍ لا تشاطر الحزب الحاكم هواه بالضرورة، إذ تطرح بدائلها واقتراحاتها ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، وهنالك في تركيا قانون للأحزاب ينظم العمل السياسي والمشاركة السياسية، وهذه الأحزاب ممولة من قبل الحكومة، وتنخرط جميعها في انتخابات ديمقراطية نزيهة إلى حد بعيد، ويكون لأصوات الناخبين القولُ الفصلُ في تحديد هوية الحزب الحاكم.
تُخبرنا التجربة التركية، أنَّ الليرة التركية كانت في الحضيض، ومرَّت البلاد في عقد التسعينيات بأزمة اقتصادية عاصفة، اضطرَّت معها وزارات ومؤسسات الدولة إلى بيع سياراتها، ولكن البلاد خرجتْ من عنق القارورة لاحقاً، لتتحول تجربتها إلى نسخة أصل أيقونية جديرة باستنساخها، كما ستفعل الحكومة السورية.
تُخبرنا التجربة التركية، أنَّ دستور البلاد يخضعُ بين الفترة والأخرى لتعديلاتٍ تطالُ بعض مواده، وإن لم تك غالبية مواد الدستور تلقَ القبولَ من لدن غالبية مجتمعية في تركيا، إلا أنَّ ما يهمنا من إيراد ذلك، أنه دستورٌ غير مقدس، ويمكن رمي بعض مواده حين تستدعي الضرورة ومستقبل البلاد وبحث الدولة عن خط أفق جديد.
تُخبرنا التجربة التركية، أن الصحافة الحرة والإعلام الحر يلعبان دوراً بالغ التأثير في البلاد، وإن كانت تركيا تشهد بين الفينة والأخرى إغلاق بعض المنابر الإعلامية ومصادرة الرأي الآخر، إلا أن ذلك يتم وفاقاً لقرارات قضائية، وتتجه البلاد رويداً.. رويداً إلى إصلاح قضائي، بلغت النقاشات حوله الذروة في هذا الأسبوع الأخير من شهر أغسطس 2009، كما وأن تركيا تتجه قدماً إلى اعتماد آلية قضائية لمحاكمة العسكريين أمام محاكم مدنية.
تخبرنا التجربة التركية، أن البلاد شهدت منذ تأسيس الجمهورية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك وإلى بداية عقد التسعينيات تطبيقاً لقانون الطوارىء على فترات متباينة، ولكن الدولة استغنت عنه ورفعته نهائياً، وكان يجري كذلكم الأمر العمل ببعض المحاكم الاستثنائية في تركيا، ولكنها ألغيت أيضاً.
تخبرنا التجربة التركية، أن الدولة كانت فيما مضى تنكر وجود الكورد في البلاد وتعدهم أتراك جبال، ثم انتقلت البلاد إلى طور آخر وصارت تتحدث عن وجود الكورد، ثم لاحقاً بدأت الأوساط الإعلامية والأكاديمية والرسمية تتحدث عن وجود مسألة كوردية في البلاد، ومنذ أشهر معدودة دخلت الحكومة التركية في طور الحل الديمقراطي للقضية الكوردية، وتتكثف يوماً بعد يوم وبوتيرة متصاعدة فرص حل تلكم القضية، وذلك لأن تركيا تطمح إلى دور مركزي وريادي وقوي في الشرق الأوسط، ولإقرارها بالأمر الواقع.
تخبرنا التجربة التركية، أن أية دولة في العالم بإمكانها الجلوس على كرسي الاعتراف، للإقرار بوقوع أخطاء منها في الماضي، وأن مقاربتها لقضايا البلاد كانت مغلوطة ومشوهة ومبتسرة، أليس جلوس رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان مع رئيس حزب المجتمع الديمقراطي أحمد تورك – الذي كان حتى الأمس القريب في نظر أردوغان وغيره إرهابياً، واعتقل وسجن لذلك مراراً – محاولة متقدمة من الحكومة التركية لحرق سفن ماضيها، والسير نحو أفقٍ جديد مغاير.
تخبرنا التجربة التركية، أن الدول في خاتمة المطاف تلجأ إلى إجراء مصالحة مع ماضيها، والاعتذار عما بدر منها، ولعل التوصية الصادرة عن مجلس الأمن القومي التركي مؤخراً، حول إغلاق سجن ” آمد ” ( ديار بكر ) الرهيب، تصبُّ في منحى التخلص من ذيول الماضي التركي الوخيم، ولا سيما مما شهدته البلاد من أحداثٍ تراجيدية في أعقاب انقلاب الجنرال كنعان أيفرين العسكري عام 1980.
وتخبرنا التجربة التركية، أيضاً أن اتخاذ القرارات في المسائل المصيرية ليسَ حكراً على الهرم الأعلى في الدولة فقط، وإنما ينزل أهل السلطة والحكم من عليائهم لاستشارة أهل الفكر والثقافة وطلب اقتراحاتهم، وأطَّلعنا قبل أسابيع على وقائع ورشة العمل التي نظمتها أكاديمية الشرطة التركية، لمناقشة الانفتاح التركي الرسمي على المكون الكوردي المُغيَّب، وقامت الأكاديمية المذكورة بدعوة العشرات من الصحافيين والأكاديميين والمثقفين، للتداول في خطوة الحكومة التركية، وقراءتها، وتبيان الرأي والنُصحِ فيها.
بعد كلِّ ما تقدَّم، هل ستمضي الحكومة السورية إلى تطبيق النموذج التركي، أمْ أنَّ النموذجَ المذكورَ أيضاً سيتعرضُ للمصير نفسه الذي ألمَّ بالنماذجِ والتجارب السابقة ؟.